من أزمة النظام إلى أزمة معارضيه

يبدو أنّ المجموعات التغييريّة المستقلّة كانت، وعلى مدى سنوات متتالية، تطرح السؤال الخاطئ. كان السؤال يتمحور، تاريخيًا، حول كيفية التموضُع في مواجهة قوى النظام. إلّا أن المعطيات كانت تلّح على أن المحاولة الجادة تكمن بالنظر إلى سؤال أكثر راديكالية، متمحورًا حول رسم حدود فاصلة بين قوى المعارضة نفسها، القوى والجماعات المستقلة من ناحية، والمعارضات التقليدية، وعلى رأسها الشيوعي، من ناحية ثانية.

هذه الجِدّة في إعادة طرح السؤال تتأسّس على رفض التوجّهات الكلاسيكية التي تهيمن على طروحات هذه المعارضات، والمتشرّبة كل أزمات النظام.

فلا تنعكس أزمات النظام العليل، الموبوء، على قواه وأحزابه فحسب، بل تمتدّ، وبمنطق ديالكتيكي بسيط، إلى قوى الاعتراض التي تدرّجت تاريخيًا على سلّم أزماته. فانصبغت بطروحاته وعقباته أكثر ممّا صبغته بطروحاتها وحلولها.

تمثّلت هذه الطروحات المأزومة بـالنزعة الإصلاحية التي هيمنت على قراءات المعارضات التقليدية، والتي تستند إلى بعض قوى النظام لتطلق نيرانها على قواه الأخرى. أي أنّها لطالما وقعت، لنقُل بشيء من حسن النيّة، في مجال المفاضلة بين قوى الأمر الواقع، ما أدّى إلى إفادة النظام بقواه المهيمِنة، إن لم يكن بالتواطؤ، فبالضحالة.


انعكست هذه الأزمات عند كلّ المنعطفات.

ففي حركة إسقاط النظام الطائفي، كانت كل المحاولات تعمل على تفريغ طرح إسقاط النظام من مضمونه- بمعزل عن نضج شروط الشعار يومها- دافعةً باتّجاه تحويل المعركة بوجه الحكومة حصرًا، وصولًا إلى حصرها بقانون انتخابات جديد يعمل على إعادة فرز السلطة. فأدّت هذه القراءة إلى الانكفاء عن التوجّه إلى الأحياء الشعبية، والعودة إلى الساحة التاريخية لكلّ اعتصام وتحرُّك، أي ساحة رياض الصلح.

لاحقًا، التزمت القوى التقليدية الذهنية ذاتها. فمن ناحية لم تستطع تحقيق تحالف متين، ويعود أحد أسباب فشلها الرئيسية إلى «صراع الإيغوات» بينها. ومن ناحية ثانية، لم تستطع التموضع في مواجهة القوى الطائفية بعدما فاضلت بينها. فـمالت لناحية حزب الله على اعتبار أنّه مقاومة لا علاقة لها بالأزمات الداخلية والفساد، وهو الشريك بالحكومة، وبالمجلس النيابي، وهو الذي يفرض شروط ما يمكن السماح به وما يجب رفضه من بعد 7 أيار. فأدّت أيضًا إلى الاستمرار في تعويم النظام.

تعود نتيجة كلّ ما سبق إلى نقطة واحدة هي محاولة تجيير كلّ شيء، لهدف واحد وحيد: الانتخابات النيابية والقانون الجديد.

أمّا عندما حان استحقاق الانتخابات النيابية، عملت القوى التقليديّة تلك، وبشكل مُمنهَج، على نسف كلّ إمكانية لتلاقي المستقلّين في مناطق كانت تشهد معارك جدية. فعملتْ، بشكل مقصود، على المماطلة، بهدف ضرب أي إمكانية لجمع الأصوات وتحقيق الخروق. فـانعكست الانتخابات هزائم متنقلة للمشاريع الاعتراضية، سواء على النظام ككلّ أو على أحد أطرافه المهيمنة، خصوصًا في الجنوب.

استمرّت هذه المنهجيّة بالعمل حتّى انتفاضة 17 تشرين.

يومها، كانت القوى الشبابيّة لهذه التنظيمات أكثر مرونةً وحداثةً، وكان هامش الالتقاء معها أكبر بكثير من هامش التناقض. ذلك لأنّ الخيارات المضادّة للنظام أصبحت أكثر وضوحًا، ليس استنادًا إلى التجارب السابقة فحسب، بل انعكاسًا لعمق الهاوية التي وقعت البلاد فيها جرّاء عطب السيستام.

حاولت المعارضات التقليدية أن تتصدّر المشهد في ساحة رياض الصلح، ولم تكن القوى المستقلّة تدرك مدى أهمية خطوة كهذه في شكلها المباشر. بقيت هذه الغمامة تسيطر على أعين المستقلّين لحين بدأ يتظهّر القصد من التنافس على التواجد في الساحة وتكثيف نصب الخيم (بعض قوى 14 و8 آذار تواجدت في خيم تابعة لها بشكل مباشر). فأدرك المستقلّون متأخّرين أنّ الهدف هو السيطرة على المشهد (خصوصًا ساحة رياض الصلح التي يتواجد فيها الإعلام المحلي والدولي بكثافة). فكانت الهيمنة على الساحة هي الطريق الأسرع لصبغ الوجهة وتوصيل الرسائل بكل الاتجاهات.


ففي ظل الانهيار، وسرعته، وعدم القدرة على تفاديه، لا بدّ من مراجعة ونقد ذاتي انطلاقًا من حقيقة أنّ الأزمات المتتالية لم تكن محصورة بالنظام. كانت تضرب عميقًا في قوى الاعتراض، وفي مركز قرارها.

لا بد من محاولة قراءة جديدة بأسئلة جديدة. لا بد من القول إن القراءة النقدية هي بحث في شروط تعبيد الطريق أمام تأسيس جبهة سياسيّة مستقلّة متجانسة، والبحث أيضًا في شروط ومعايير رسم التحالفات مع بقية القوى، بدءًا من المعارضات التقليدية وصولًا إلى القوى التي باتت على هامش النظام.

معركة بطعم «تربيح الجميلة»

تبدو كلمة «ثورة» خارجة عن أي سياق سياسي، لا علاقة لها بما يجري في البلاد حكومة الدراويش (المدعومة فرنسيًا) المصارف (المحمية فرنسيًا) مخيّلة النظام (والمبادرة الفرنسية) البطل المنتظر والمغيّب تنافس النسور على جثّة عفنة طريقة للتأقلم مع الهزيمةالبديل كارثي، فانتخبوني المهم كسر النظام

وهمُ الانتخابات وضرورتها

مركزيّة الانتخابات وعدم جدواها القرار ليس في مجلس النواب خارج لعبة الأكثريّة والأقليّة مجلسًا مشرذمًا أزمة الانتخابات في مخيّلة الثورة بالضعف التمثيلي لقوى الثورة لعبة المرشّحين على حساب المعركة الانتخابيّة