من ضخّ الدولار إلى رفع الدعم

دخل لبنان في مسار رفع الدعم التدريجي، مع إعلان مدير عام وزارة الاقتصاد الانطلاق في عمليّة خفض السلّة الغذائيّة المدعومة بنسبة تتراوح بين 55% و60%، أي من 210 ملايين دولار شهريًّا إلى نحو 100 مليون دولار فقط. أمّا الدخول في عمليّة رفع الدعم عن السلع الحيويّة، أي قمح والدواء والمحروقات، فيبدو أنّه ينتظر اللحظة السياسيّة المناسبة، أي لحظة وجود حكومة قادرة على تحمّل تبعات هذا النوع من القرارات.

عمليًّا، أصبح من الواضح للجميع الأثر المتوقّع لهذه القرارات على المستوى المعيشي، من ناحية الأسعار والتضخّم والقدرة الشرائيّة للأسر. أمّا ما لم يتّضح بعد، فهو تحديدًا علاقة هذه القرارات بسائر عناصر السياسة النقديّة والماليّة للدولة، وما إذا كانت هذه القرارات جزءاً من رؤية ما، أو مجرّد تخبّط عشوائي ستدفع ثمنه الأسر المقيمة في البلاد.


تحجّج مصرف لبنان باقتراب مستوى السيولة المتبقية بالعملات الصعبة من الحد الأدنى الذي يمكن أن يسمح المصرف بالوصول إليه. وقد حدّد مصرف لبنان هذا الحد الأدنى عند مستوى الاحتياطات الإلزاميّة التي أودعتها المصارف لديه. هذا مع العلم أن نسبة هذه الإحتياطات الإلزاميّة ليست محددة بالقانون، بل بموجب تعاميم حاكم مصرف لبنان نفسها، أي أنّها مسألة نسبيّة قادرة على التغيّر «بشخطة قلم» من رياض سلامة.

فالسؤال إذن: لماذا قرّر مصرف لبنان فرض هذا الخط الأحمر اليوم بالذات؟

كان حاكم مصرف لبنان نفسه قد اعتبر في شهر آذار الماضي أنّ مستوى السيولة المتبقية لديه عنصر قوّة يستطيع إستخدامها دون قيود. كان هذا الموقف جزءاً من محاولته الضغط على الدولة لكي تسدّد القيمة المستحقة من سندات اليوروبوند. في تلك المرحلة، لم يشر الحاكم إلى جزء غير قابل للإستخدام من هذه السيولة، كما يفعل اليوم. ومن المفارقات الكبرى أن تتحضّر الدولة اللبنانيّة اليوم لرفع الدعم، بحجّة تراجع مستويات الإحتياطي، في حين أن مصرف لبنان نفسه اتّجه لضخّ عشوائي وغريب للدولار في السوق بضغط من الحكومة، في محاولة للسيطرة على سعر صرف الدولار.

باختصار، لا علاقة لمسألة رفع الدعم اليوم بكلّ الحجج التي يتمّ التداول بها، من قبيل الحفاظ على إحتياطي المصارف الإلزامي وحقوق المودعين.


ليس رفع الدعم اليوم سوى خطوة على طريق توحيد أسعار الصرف، وهي خطوة تتكامل مع قرارات موجعة أخرى يجري إتخاذها من قبيل فرض الكابيتال كونترول على السيولة بالليرة اللبنانيّة لضبط الكتلة النقديّة بالعملة المحليّة.

بينما رفضت السلطتان السياسيّة والنقديّة في لبنان جميع شروط صندوق النقد التي تتعارض مع مصالحها، من خلال إسقاط التدقيق الجنائي وخطة الإصلاح المالي وقانون الكابيتال كونترول، يبدو أن لبنان سيتجه إلى تطبيق الجزء المؤلم على المستوى الشعبي من «إصلاحات» صندوق النقد، وتحديدًا الجزء المتعلّق بفرض توحيد سعر الصرف ورفع الدعم. بهذا قد تكون السلطة قد اختارت مسارًا واضحًآ لحل الأزمة، يمرّ من خلال تحميل الأسر الفقيرة ثمن الانهيار.

ولهذا الخيار اعتبارات سياسية أخرى تبرّر طرح مسألة رفع الدعم في هذه المرحلة بالذات. فغياب حكومة دياب، واقتصار دورها على تصريف الأعمال اليوم، فتح الباب أمام حاكم مصرف لبنان للتفلّت من أي مساءلة أو محاسبة في كل ما يتخذه من قرارات نقديّة. أمّا تكليف الحريري، فيمثّل بالنسبة إلى سلامة خشبة خلاص تحرّره من قيود سياسيّة. في الواقع، يمكن القول أن مجرّد طرح مسألة رفع الدعم ليس سوى تمريرة من الحاكم للحريري نفسه، من خلال زيادة الضغط على جميع أقطاب الحكم للتسريع في عمليّة تشكيل الحكومة.


لكنّ تقنين استعمال سيولة مصرف لبنان لن ينجح في توحيد سعر الصرف في ظل تسرّب هذه السيولة إلى الخارج من خلال عمليّات تهريب الودائع، وخصوصًا في ظل إحجام المجلس النيابي عن السير بمشروع قانون الكابيتال كونترول، الذي ينام اليوم في أدراج إبراهيم كنعان في لجنة المال والموازنة. فبحسب الأرقام، انخفض حجم البضائع المستوردة لغاية شهر آب بنحو النصف تقريبًا، مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية. لكن في الوقت نفسه، لم يتراجع حجم الاستنزاف في سيولة البلاد من العملة الصعبة، لا بل سجّل لبنان في الوقت نفسه عجزاً قياسياً في ميزان المدفوعات بلغ 1.6 مرّات العجز الذي تم تسجيله في الفترة المماثلة من العام الماضي.

باختصار، الخطوة الأخيرة للسلطة المالية للبلاد ليست إلّا أحد أوجه تحميل الطبقات الفقيرة كلفة الانهيار على حساب المودعين الكبّار القادرين على التملّص من هذه الكلفة.

من يدير دفّة الأزمة اليوم؟

حاكم المصرف المركزيرئيس الجمهوريّةوزراء تصريف الأعمالسلفة الكهرباء بتوقيع وإخراج استثنائيين في قصر بعبداالمسوّدة النهائيّة لقانون الكابيتال كونترولإضراب الصيادلة

من المجتمع المنتفض إلى المجتمع المهزوم

حقبة الانهيار المالي الصريح معالم البؤس في جميع نواحي الحياة قرار مجلس شورى الدولة قرار فارغ الاحتياطات ولحظة الاصطدام ثمن سياسات ممنهجة عديدة تقرير البنك الدولي بنك عودة