من «يلعن روحك» إلى «هيلاهو»

التحرُّر من غول الخوف وتهشيم المقدس

هناك ترابطٌ كبير بين ثورة السوريين المسحوقة وثورة اللبنانيين التي تخطو خطواتها الأولى في طريقٍ وعرة. وعليه، فليس من باب الصدفة أن الشتيمتين الفارقتين في الثورتين: يلعن روحك يا حافظ وهيلا هيلا هو هما أكثر هتافات الثورتين شهرةً ورواجاً.

استغرق الأمر أسابيع من السوريين لاجتراح هذه الشتيمة الهائلة في جذريتها ورمزيتها، فيما اجترح اللبنانيون الشتيمة الرمز هذه في ساعات ثورتهم الأولى. في كلا الشتيمتين، تجاوز المتظاهرون دفعةً واحدة طبقات من الخوف ومضوا إلى نهاية تحطيم المقدّس والمسكوت عنه. فهُم عندما يشتمون لا يتحدّون فقط سلطة سياسية ذات أذرع تشبيحية، إنما يتحدّون أيضاً «ناموس» الاحتجاج و«إيتكيت» التظاهر، وضوابط أخلاقية واجتماعية تمثّل وجهاً آخر للسلطة القامعة.

انطوت يلعن روحك يا حافظ عند السوريين على رغبةٍ جارفة في تحطيم «المُقدَّس» بمفعولٍ رجعي، مُحرِّرين صدورهم من غصّة ابتعلت أرواحهم لعقود طويلة منذ حكم الأسد الأب، مؤسس مملكة الخوف. أمّا هيلا هيلا هو اللبنانية، فتصوّب مباشرةً على رمز العهد الأشدّ غطرسةً وعنصريةً. وهي حين تفعل ذلك، فإنها تزيل بالضربة القاضية كل طبقات القوة والبرستيج التي حرص «العهد» أن يزيّن نفسه بها عبر السنوات الماضية.

في الشتيمتَيْن وصولٌ بليغٌ وساخرٌ في آن إلى أقصى مقاصد المتظاهرين في إزالة هالة القدسية أو القوة عن رموز السلطة التي يناهضونها. طبعاً كانت كلفة الشتيمة في الحالة السورية هائلة، لم تترجَم فقط في النهج الذي قمع فيه النظام السوري المظاهرات السلمية في 2011، وإنما تواردت شهادات المعتقلين الذين كتبت لهم حياة جديدة بعد خروجهم من أقبية المخابرات السورية، لتخبرنا كيف كانت هذه الشتيمة هي أكثر ما يغيظ المحقّقين وزبانيتهم في أقبية التعذيب. لا تبدو الكلفة مشابهة للشتيمة اللبنانية ولا نتمناها أن تكون، وإن كانت تغيظ بالقدر نفسه الزعماء اللبنانيين، حتى أولئك الذين لم تطَلهم الهيلا هيلا هو… حتى الآن على الأقل.

الشتائم تعلن القطيعة مع الماضي

سُحقت الثورة السورية وتحوّلت إلى حربٍ تُدار بالوكالة. ورغم أنّ دور بشار الأسد اليوم لا يتعدّى دور والٍ يتحكّم به داعموه، فإنّ هؤلاء يسعون جاهدين للترويج لبقائه على رأس السلطة، الأمر الذي يبدو أنه لا يلقى معارضةً من قوى إقليمية وعالمية متدخلة بالشأن السوري طالما لا يصطدم بمصالحها. يبدو أن بشار ابن حافظ سيحكم أجزاء واسعة من سورية لسنواتٍ قادمة، لكنه في قرارة نفسه، هو وزبانيته وموالوه، يعرفون أنهم سيحكمون ملاييناً ممّن هتفوا في أمسٍ قريب يلعن روحك يا حافظ. ولن يمحى صدى هذا الهتاف حتى لو صمت الهاتفون. لا نعرف بعد مصير جبران وباقي زعماء الطوائف في لبنان. إن كُتب لهم البقاء في السلطة، فربما سيخترقون بمواكبهم الفخمة شوارع مدنٍ يعرفون أن أهلها هتفوا يوماً هيلا هيلا هو وما زالوا يهتفونها في بيوتهم وفي سهراتهم الخاصة.

بشار وجبران وباقي زعماء الطوائف، سيعيشون مع الشتائم التي سخرت منهم، سيحملونها معهم إلى مخادعهم المُحصّنة، ستؤرّق لياليهم وتتسرّب إلى أحلامهم لتصنع كوابيس يستيقظون منها مذعورين، فلا يعرفون إن كانت يلعن روحك وهيلا هيلا هو تتردّد في رؤوسهم فقط أم أنّها تخترق جدرانهم معلنةً انتفاضاتٍ جديدة؟ الشتائم هذه قد لا تُسقِط ممالك الفساد والقمع التي هي بلادنا. لكنّها قطعت مع زمنٍ كان الخوف يبتلعنا نحن فقط، وأسست لزمنٍ بدأ الخوف يتسرّب فيه لقلوب طغاتنا وينكد عليهم عيشهم.
فلتتبارك هذه الشتائم، ولتحطِّم ما تبقّى من خوفنا.