مَن يمكن الاستغناء عنه

أسبوع من الاحتجاجات في طرابلس وسقوط لقتلى وحرق لمبانٍ رسميّة
وصلت الإجراءات الصحية- الأمنية لمواجهة الوباء إلى حدودها الاجتماعية القصوى. بات المرضى يموتون على أبواب المستشفيات التي ترفض استقبالهم. وبات الجوع يلاحق الفقراء المحجورين ليحوّل سياسة الإقفال إلى عقوبة إعدام بطيئة، تُضاف إلى سياسات الإعدام المالية والإقتصادية التي فرضها النظام.
وصلت الإجراءات إلى حدودها الاجتماعية القصوى. فانفجر الوضع حيث عليه أن ينفجر: في طرابلس، هذه المدينة التي باتت ضحية إسقاطات وخرافات الجميع. فخرج عنفها ليعيد توضيح الصورة، ليعيد الأمور إلى نصابها، ليقضي على المجاز. الوباء قاتل كما الإجراءات الصحية-الأمنية، فلماذا لا نحرق المباني إذاً؟
وصلت الإجراءات إلى حدودها الاجتماعية القصوى لتفضح الحدود الطبقية للتضامن والتعاطف وحتى «الثورة». فالكمامة امتياز، والخوف من الوباء امتياز، والقلق والملل والخوف من المستقبل، هي أيضًا امتيازات لمن لم يجع بعد. تَبكبكَ الإعلام وبعض محترفي النشاط السياسي على تراث المباني. قرّروا أن هناك من يستحق الحياة، أي المباني، ومن يمكن الاستغناء عنه، أي الفقراء.

صراع دولي على اللقاح
طرابلس ليست وحيدة في خروجها عن الإجماع الكوروني، فسبقتها مدن أوروبية أخرى، باتت تشهد اضطرابات ليلية على إيقاع تزايد وطأة الإجراءات. وأصبح الوباء وإجراءاته ولقاحه لاعبًا في السياسة العالمية، يأتي ليعمّق الشروخات ويعزّز الانقسامات. ففي لحظة تصاعد الخلاف بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا حول لقاح أسترازينيكا، بات متوقعًا أن لا تحقق أكثرية الدول الفقيرة نسب تلقيح كافية قبل العام 2024.
وضّح اللقاح الفروقات الاقتصادية، لتصبح جيناتنا إشارة إضافية إلى موقعنا الإجتماعي أو جزءاً من ترسانة الاحتلال، كما يجري مع سياسة التلقيح في إسرائيل. وصلت الإجراءات إلى حدودها الاجتماعية القصوى لتعيد السياسة إلى بُعدها الأولي، كقرار حياة أو موت، تحدّده حفنة من الشركات، لتقرّر من يستحق الحياة ومن يمكن أن يُستغنى عنه.

«لم نخسر الحرب على الوباء، وسننتصر على الفايروس»
هكذا صرّحت مسؤولة في منظمة الصحة العالمية، مستعيدةً خطابات «الحرب على…». وكما جرى مع الحروب السابقة، فإنّ الضرر الفعلي لم يكن المخدرات أو الإرهاب، بل الإجراءات التي اتُّخِذت لمواجهتها. هي حرب إذاً، تهدّد البشرية بوجودها كجنس بيولوجي، وتتطلب أقصى الإجراءات الصحية- الأمنية لمواجهتها. فكما عنونت الصحف البريطانية، تخطى عدد الوفيات من الوباء في بريطانيا عدد وفيات الطاعون العظيم ومرض الإيدز وجميع العمليات الإرهابية والحروب منذ الحرب العالمية الثانية مجموعين. إنّها حرب، والحرب تتطلب تحديد من يستحق الحياة ومن يمكن الاستغناء عنه.
في وجه هذا الخطر، لا مكان لمعارضة أي إجراء، أكان خرقاً لخصوصيات أو حدّاً من الحريّات أو تحذيراً من تطوّر هذا المجمع الأمني- الصحي. بات المشككون خارجين عن إجماع البشرية أو إجماع الوباء. لا مكان في إجماع كهذا إلا لسياسة الرحمة أو للغضب المطلق. وفي ظل فقدان بعض الدول للحد الأدنى من الرحمة، لم يبقَ إلا الغضب والعنف لمن قرّرت البشرية أنّه من الممكن الاستغناء عنه.

«أعمل على استيراد عشرة آلاف جرعة من لقاح كورونا، لصالح مؤسسة ميشال ضاهر الاجتماعية»
لم يصل بعد اللقاح إلى لبنان حتى بدأ يدخل في محاولات البعض لترميم صورتهم، ومن ورائها نظامهم. واللقاح أرخص من التنفيعات، ويدوم لسنة أو إثنين، ويطال الناس في قدرتهم على الحياة، وليس حتى الحياة الكريمة. الابتزاز وصل لذروته: سنفجّركم ونجوّعكم ونسرقكم، ولكن «مؤسسة ميشال الضاهر الإجتماعية» ستلقّحكم ضد الوباء. أدخل النظام مخالبه إلى جيناتنا لنتحول إلى كائنات مربوطة بيولوجيًا بفسادهم. الفارق بين من يستحق الحياة ومن يمكن الاستغناء عنه بات بيدهم.
لم يأتِ الوباء ليوحّدنا كأجساد في وجه مرض لا يفرّق بين كائن وآخر. بل جاء على ظهر أنظمة وإجراءاتها الصحية- الأمنية ليعيدنا إلى فوارقنا الأساسية، كأجساد تستحق الحياة وأخرى يمكن الاستغناء عنها. ومن طرابلس، خرجت االأجساد، المفخخة بالحزن القديم لتؤكد أنّه لن يتّم الاستغناء عنها بهذه السهولة.

طلّاب

العالم، هذا العالم أًصبح أكثر وضوحًا. حذف الجمل الإنشائية والجمالية من نصوصه. كشَّر عن أنيابه. أزال طبقة التحضُّر المزيف عن وجهه. فتح باب قاعِه على مصراعيه. وقذف السيستم المتهالك بالطلاب نحو القاع... قاعه، وابتلعهم

الكفالة

هل لنا أن نذكّر بمعاناتهنّ المزمنة؟ تحرّش، فوقيّة وعنصريّة، ذكوريّة وقِحة، انتهاكات تصل إلى حد الاتجار بالبشر، عنف يصل إلى حد القتل، استغلال مستفحل يصل الى حد العمل القسري، وأصحاب منازل قد يتمادون إلى حدّ «التخلّص منها»