مواجهة الحصار أم مواجهة التغيير؟

ليس سرّاً أنّ القاضي محمد مازح كان يدرك أنّ قرار منع السفيرة الأميركيّة من التصريح لوسائل الإعلام لن يدخل حيّز التنفيذ يوماً. فالإعلام اللبناني لا يخضع لأحكام قضائيّة مستعجلة تفرض رقابة مسبقة على مقابلاته، والعلاقات الخارجيّة مع الأسلاك الدبلوماسيّة تخضع لوزارة الخارجيّة التي يُفترض أن تزين قراراتها بميزان الذهب، خصوصاً متى تعلّق الأمر بسفيرة الدولة الأكثر نفوذاً في صندوق النقد الدولي. وفي كل الحالات، كانت مقابلات السفيرة المتتالية تُبثّ تباعاً على معظم وسائل الإعلام اللبنانية بعد ساعات من قرار مازح، من أجل التعليق على القرار أولاً، ومن أجل تحدّيه وتجاهله عبر إجراء المقابلة نفسها ثانياً.

لكنّ حزب الله، بالتحديد، عرف كيف يبني على هذا القرار. فسرعان ما أشاد تجمّع محامي الحزب بالقرار «المشرّف»، بينما اندفع النائب حسن فضل الله إلى وصفه بالقاضي الحرّ مع الإشارة إلى الدور التآمري للإدارة الأميركيّة على «لقمة عيش اللبنانيين وعملتهم الوطنيّة»، في محاولة إلى ربط النزاع مع السفيرة الأميركيّة وإدارتها بالأزمة الماليّة التي تمرّ بها البلاد. وبعد يوم من القرار، جابت الضاحية الجنوبيّة مسيرات تعبويّة حملت أعلام الحزب، حاملة شعارات ترفض «الحصار» الأميركي، وتطلق الشعار الحسيني الشهير: هيهات منا الذلّة.

أمّا بعض وسائل الإعلام الممانعة التي لطالما تحدّثت عن أزمة التحويلات منذ 2011، والتي كانت رائدة في توصيف أزمات «النموذج الاقتصادي اللبناني» وعلاقته بـ«السياسات الحكوميّة المتّبعة»، فتحوّلت فجأةً إلى الحديث عن أزمة ماليّة ناتجة عن حصار يتعرّض لبنان من قبل الولايات المتحدة. وبعد سنوات من الحديث عن ضرورة «الانقلاب على النموذج الإقتصادي وركائزه»، تحوّلت اليوم إلى الحديث عن معركة الصمود في مواجهة الولايات المتحدة الأميركيّة والضغوط التي تمارسها على لبنان.

باختصار، ثمّة تطوّرات ماليّة شديدة الخطورة توحي باقتراب لحظة الانفجار الشعبي في وجه السلطة، وثمّة من يريد استباق هذه اللحظة بربط الانهيار بالمواجهة مع الولايات المتحدة، في محاولة لترويض الشارع أو ربّما فرزه طائفيّاً.

ففي الأيام الماضية، ظهرت تصريحات شديدة الخطورة من مديرة صندوق النقد الدولي، خرجت فيها عن اللياقات التي يتّصف بها المسؤولون في هذا النوع من المؤسسات عند الحديث عن مفاوضاتهم مع الدول المتعثّرة، من خلال الحديث عن عدم وجود أي سبب للاعتقاد بوجود تقدّم في المفاوضات مع لبنان، مستعملةً عبارة: قلبي ينفطر على لبنان. كانت هذه الكلمات مجرّد تعبير عن حالة اليأس من مستقبل المحادثات مع الوفد اللبناني، ومن إمكانيّة إقدام الحكومة على تنفيذ أيٍّ من «الإصلاحات» التي يرغب الصندوق برؤيتها، وخصوصاً بعد خطوة الإطاحة بخطّة الحكومة التي أقدمت عليها لجنة تقصّي الحقائق البرلمانيّة.

عمليّاً، كان المسار المتعثّر نحو صندوق النقد آخر ما راهنت عليه الحكومة للحصول على جرعة الدعم المطلوبة، خصوصاً بعدما سحب الفرنسيّون يدهم من الملف اللبناني نتيجة مؤشّرات سلبيّة عديدة عبّرت عن فشل الحكومة في تنفيذ أبسط الإصلاحات المطلوبة: من ملف التعيينات الماليّة والإداريّة، إلى تعثّر ملف التعيينات القضائيّة، وصولاً إلى الفشل في معالجة ظاهرة التهريب، وتعامل السلطة المريب مع خطّة الكهرباء التي فُرض فيها معمل سلعاتا على نحو مثير للاستغراب.

في ظلّ هذه الصورة القاتمة جداً، ومع الانهيارات المتتالية في سعر الصرف، وفي ظلّ اتّجاه البلاد نحو كارثة معيشيّة وشيكة، أصبح من الواضح أنّ محور الممانعة بات يخشى جدّياً من تحوّل هذه التطوّرات إلى انفجار سياسي يطيح بالسلطة التي يسعى جاهداً للحفاظ عليها. ولذلك،
عمل المحور الممانع على إثارة الصخب الإعلامي والشعبي في مواجهة «الحصار»، لتصبح مشكلة الانهيار المالي في أعيُن جزء من الرأي العام أزمة مواجهة مع الولايات المتحدة، وليصبح الصبر على الجوع فضيلة في مواجهة ضغوط هذه القوّة العظمى.

يدرك هذا المحور جيّداً أنّ خطابه لن يستقطب غالبيّة اللبنانيّين، خصوصاً وأنّ معظمهم يعرف أنّ لا حصار مالياً جدّياً مفروضاً على لبنان، وأنّ مسألة الانهيار الحاصل تتّصل بعوامل مختلفة تماماً. لكنّ الرهان قد يكون هنا على خلق استقطاب مذهبي، على خلفيّة شعار سلاح المقاومة وما يثيره هذا السلاح من إشكاليّات.

من يريد «تطفيش» صندوق النقد؟

منذ البداية، لم يكن الطريق نحو صندوق النقد معبّداً بالنسبة إلى لبنان لكنّ المصارف والحاكم أدركوا سريعاً أن هذا التوجّه سينطوي على خسارة كبيرة في رساميل القطاع المصرفي ومكتسباته أما البديل، فهو تحديداً ما يجري حاليّاً بعيداً عن اهتمام الجميع كتقليص ميزانيّات المصارف عبر سحب الودائع المدولرة بالليرة

قيصر اللبناني

أصوات من داخل السلطة تبحث عن خيار بديل لصندوق النقد اختارت الحكومة التعثّر، وكأنّه حلّ سحري لم تكن السياسات التقشّفية وفاتورة الأزمة المتعلّقة بعموم المواطنين موضوعًا شائكًا أما الصندوق، فهو الرابح الأكبر من هذه العملية