ميشال مرهج بقلوق: رِقّ الرحبانة وإيقاع الروح وداعًا

لا يتصدّر عازفو الإيقاع المشهد عادةً.

يختفون وراء المغنّية أو يُنفَوْن إلى طرف المسرح. يسلَّط الضوء عليهم أحياناً عند تأدية وصلة عزف منفرد أو خلال حواراتهم الرشيقة مع الراقصات. لا تطارد أخبارهم المجلّات الفنيّة ولا تلاحقهم الشائعات، فهم أقرب إلى أهل الحرفة من النجوم. وبالتأكيد ليست كلمة طبّال، وكلّ ما تحمله من انتقاص مضمر، هي التي ستوفيهم حقّهم. أمّا عبارة ضابط الإيقاع التي تردّنا رأساً إلى انضباط العسكر وهرميّة تنظيمهم، فليست أفضل حالاً لوصف ناحتي النبض الموسيقي. فهم أساس الفرقة: يضعون السكّة التي تحمل الجملة اللحنية، ينقلون القطعة من مزاج إلى آخر مع كلّ نقلة إيقاعية وتغيير في ديناميّة العزف ويشكّلون النقطة المرجعية للمغنّي فيشكّلون الرابط الأساسي بينه وبين سائر أعضاء الفرقة الموسيقية.

وميشال مرهج بقلوق المقدسيّ- البيروتيّ- النيويوركيّ الذي غادرنا يوم أمس (1928-2020) كان كلّ ذلك وأكثر بكثير. وليس من المبالغة القول إنّه برحيل مرهج الذي بدأ حياته الموسيقية قبيل النكبة الفلسطينية كعازف للرقّ في فرقة إذاعة الشرق الأدنى في القدس بقيادة حليم الرومي، وختمها عازفاً في فرقة سيمون شاهين ومدرِّساً معه في الولايات المتّحدة، خسرت الموسيقى العربية أحد صنّاعها الكبار وأحد أبرز حاملي ذاكرتها في السبعين سنة الأخيرة.

قد لا تكفي أسطر هذه المقالة لتعداد كلّ من تعاون مرهج معهم، لكن هذه عيّنة منهم: محمد عبد الوهاب، فريد الأطرش، نور الهدى، صباح، وديع الصافي، تحية كاريوكا، توفيق الباشا، عبد الحليم حافظ، مارسيل خليفة، وردة الجزائرية، سامية جمال، زكي ناصيف، فيلمون وهبة، زياد الرحباني.

أمّا العلاقة الموسيقيّة الأوْثَق والأطول لمرهج، فكانت مع الرحابنة وفيروز الذين التقاهم بُعيد انتقاله إلى بيروت في الخمسينيات، ولم يفارقهم طيلة عقود. رافق رقّ ميشال فيروز في الإذاعة اللبنانية واستوديوات التسجيل والحفلات، فشكّل البنية التحتيّة التي حملت صوتها وألحان الرحابنة وفيلمون وهبة الذين يُبرز طابعهم الشرقي الطربي دور الرقّ الأساسيّ. فشكّل عزفه المتميّز برشاقته وأناقة زخرافاته على الصاجات، والتي تظهر بوضوح أيضاً في رائعة زياد الرحباني بالأفراح، إحدى العلامات الفارقة للصوت الموسيقي الذي نحته الرحابنة واختلافه عن المدرسة المصريّة التي، كما لفت نظري عازف الرقّ جوني فرّاج، تركّز على الضرب على جلدة الآلة عند مرافقة المغنّي. فالمشروع الرحبانيّ الذي هو مشروع موسيقيّ بالمصاف الأوّل، لم تقتصر سياسته على حمولة نصوصه الإيديولوجية (الضيعة، الغريب، الوطنية اللبنانية) التي فكّكها النقّاد وسخر منها الابن الوريث في مسرحياته.

أمّا نحن الموسيقيّين المبتدئين الذين تعرّفوا إلى ميشال في مدرسة سيمون شاهين الصيفية للموسيقى العربية في مونت-هوليوك (ولاية ماساتشوستس) التي كان مرهج أحد أعمدتها (مع جهاد الراسي وريما خشيش وبسام سابا)، فكنّا نتحلّق حوله لاقتناص خبريّة من هنا وتعليمة من هناك. فبالإضافة إلى عزفه المُبهر، لم يتوقّف ميشال يوماً عن التدريس ونقل خبراته للمئات من التلاميذ. وقد وضع بعض خبرته التعليمية في منهج لتعليم آلة الرقّ كتبه بالتعاون مع تلميذته نيكول لوكرن، صدر منذ بضعة سنوات.

ولم نلقَ نحن الصغار من شيخ الموسيقيين الذي هاجر إلى الولايات المتحدّة سنة 1989، وكان يكبرنا بنصف قرن أو أكثر، إلّا الحبّ والتشجيع الذي كان يأخذ شكل ضربة خفيفة على الكتف أو صرخة «طربتني!». وكان ميشال يحضر جلساتنا الموسيقية المرتجلة في آخر الليل بعد انتهاء الحصص التي قلّما كانت تنتهي قبل العاشرة مساءً، وعندما يُطرب يستعير رقّاً ويشارك العازفين فـ«يشقل» القطعة من أوّل ضربة ويأخذ المتحلّقين حوله بعيداً.

كان في تلك الجلسات، كما في عزفه العلني، أنيقاً، دقيقاً، متواضعاً، بعيداً كلّ البعد عن عوارض الإبهار النرجسيّ التي تصيب الموسيقيّين، يضع كلّ خبرته وموهبته في خدمة الموسيقى.

فلترقد روحك بسلام يا من وهب عمراً لبثّ الروح في موسيقانا.