ميكانيزمات التأقلم: انتحارنا البطيء

إنّها المصيدة. المهم أن تظل حذراً ولا تقع في المصيدة، أو في الألوان التي تشبه المصيدة. فلا تعود قادراً على الحركة أو على التفكير. المهم أن لا تستغرق في منطق المصيدة. لأنّها حالة […] إذاً انتظر. تعلم أنّك لن تموت الآن. إنّها المصيدة.

بسّام حجّار، المصيَدة/ صحبة الظلال

سيسألك صديقك الافتراضي: هل تراودك أفكارٌ سوداء؟ ستنفي. فيرتاح الصديق ويَطمئن أنّه لن يستيقظ غداً على خبر رحيلك. سيأخذ معطفه الأزرق عن المِشجَب، يعتمر قبّعته، يُشعل سيجارةً فور تجاوز عتبة الباب، ويغيب عن ناظرَيك. ستسمعه يسعل على الدرج.

أمّا أنتَ، فلن تنتحر. لكنّك ستطوّر عاداتٍ سيّئة. سيقنعونكَ أنّها ميكانيزماتٌ للتأقلم، وأنّها عادية في زمن الانهيار. لا تصدّقهم.

علمياً، قد تكون هذه الميكانيزمات مفيدة.
عمليّاً، في فصول الاكتئاب العُظمى، هي مجرّد بِدَع،
مجرّد ستارة تخفي وراءها نفسَكَ العارية،
مجرّد مسمارَين تدقّ بهما خدَّيكَ فتظهر للمُراقبين مبتسماً.

إنّها حلقة مُغلَقة.

فمن أين تبدأ الحلقات المُغلَقة؟ كل شيءٍ في رأسكَ يدور ويبرم. عالَما الحلم والواقع أصبحا واحداً.
ستحجز لنفسك الكرسيَّ ذاته في الحانة ذاتها مع الشراب ذاته:

الياس، قنينّة الجنّ كم كاس بتعمل؟

الكاس 2 شوتس، الشوت 30 مل، القنينة 1,000 مل، احسبهم.

أحّا. بارتندر يقول للسَّكّيرِ أن يحسب… … … القنينة 16.6 كأساً. يعني أنّكَ شربتَ الأسبوع الماضي زجاجتَين.

صحّة وهَنا.

ستشرب، ولن تنتحر. لكنّك ستطوّر عاداتٍ سيّئة. سيقنعونكَ أنّها ميكانيزماتٌ للتأقلم، وأنّها عادية في زمن الانهيار. لا تصدّقهم.

بدأ الدود ينبت في معدة قطّك، والغبش يأكل عينَيه. قال البَيطَري أنّه مجرّد رشحٍ موسمي. تجرَّدت بقعٌ في جسده من الوبر، كان ينتفها بنفسه ويأكلها ثم يتقيّأ. إنّه يتضامن معك، اختارَ أن تَضمحلّا سويّاً، كما كنتما تلعقان خصيَتَيكما سويّاً. ومع أنّكَ لا تتكلَّم، اختار أن يبقى إلى جانبكَ، من دون أن يشكو من قلّة كلامك – على عكس كُثُر. على عكس أولئك الذين جعلوكَ وحيداً. صاغَها عبّاس بَيضون بأفصح الطرق: أعيشُ محاطاً بكلّ هؤلاء الذين جعلوني وحيداً.

ستبقى وحيداً، ولن تنتحر. لكنّك ستطوّر عاداتٍ سيّئة. سيقنعونكَ أنّها ميكانيزماتٌ للتأقلم، وأنّها عادية في زمن الانهيار. لا تصدّقهم.

ستغرق بالموسيقى المبنية على تكراراتٍ رياضيّاتية، بحجّة أنّها تَنظم عملَ دماغِكَ المُشَتَّت. ستجد أنّ الموسيقى أفصح من اللغة، وأنّ اللغة آعجز من أن تعبّر عن الواقع، لذلك اخترت أن ترسل مقطوعاتكَ الموسيقية المفضّلة لأصدقائك عوضاً من أن تطلب منهم المواساة. لا أعلم إن كان أحدٌ يضغط على هذه اللينكات [الزيح الأخضر] في المقالات، لكنّي أرفق بهذه الجملة هذه المقطوعة في جميع الأحوال، فقد تعبّر عن مزاج المقال أكثر من المقال نفسه.

ستُرَنّم موسيقاك، ولن تنتحر. لكنّك ستطوّر عاداتٍ سيّئة. سيقنعونكَ أنّها ميكانيزماتٌ للتأقلم، وأنّها عادية في زمن الانهيار. لا تصدّقهم.

ستصبح أليفاً مع كل أنواع العقاقير والمنوِّمات والحبوب المُهدّئة: ميلاتونين، سيروكويل، كِتيابين، سيبرالكس، زولوفت، ليكزوتانيل… الميلاتونين أشبه بالبونبون، فعليكَ بالسيروكويل. ومن فوائد السيبرالكس الجانبية أن تغدو كالمُبَنّج – لكنّ الطبيبة قالت إنّ هذا ضررٌ جانبي. والليكزوتانيل هو المعطف الواقي من ثقل اليوميّات. ستملأ بها حقيبتَكَ، والدرج بجانب التخت، وجهازكَ العصبي المهترئ. يداك ترتجفان وأوتارك مشدودة وأصابعكَ تعرقَ كلّما اضطررتَ أن تُخالط المجتمع.

ستُنَصنِص حبوبَكَ، ولن تنتحر. لكنّك ستطوّر عاداتٍ سيّئة. سيقنعونكَ أنّها ميكانيزماتٌ للتأقلم، وأنّها عادية في زمن الانهيار. لا تصدّقهم.

سيقنعونكَ أيضاً أنّ كل هذه العادات السيّئة أفضل من عاداتٍ أسوأ منها. ولا بأس إن أكثرتَ من السكَّريّات، فهي أفضل من التدخين. ولا بأس إن أدمنت التدخين، فهو أفضل من الكحول. والكحول، مع أنّ كثيرَها مُضرّ، فهي أفضل من الحشيش، أو العكس (؟). والحشيش أفضل من الكوكايين، فلمَ لا تُحَشّش؟ وهكذا، سيجدون لعاداتك السيّئة عذراً على الدوام، تحت مسمّى «ميكانيزمات التأقلم». فلذلك، لا تصدّقهم.

على كلٍّ. لن تنتحر، فأنت لا تراودك أيّة أفكارٍ انتحارية، صحيح. ما زال لديك الكثير لتنجزه. أنسيت؟ فأنت لا تراودك أيّة أفكارٍ انتحارية، صحيح، لكن كل ما في الأمر أنّكَ اخترت أن تعيشَ نمطاً انتحاريّاً. «ميكانيزمات التأقلم»، انتحارنا البطيء.

ستسجّل كل ذلك في مقال خطرَ لك بعدما فتحت مدوّنتك الخاصة لتكتب فيها حديثاً مُفتَرَضاً مع شخصٍ تعرفه – كنتَ تعرفه. كتبتَ ما لم تقله، كتبتَ عن أسباب حزنك، عن أنّ ما حصل وما يحصل ليس «لطيفاً»، وعمّا هو شعور أن تفقدَ فجأةً جزءاً مكوّناً من يوميّاتك – من دون أن يكون لكَ رأي بالموضوع.

سترى أنّ الكتابة بذاتها ميكانيزم للتأقلم بحقّ – علماً أنّك، منذ أسبوعَين فقط، كنت تقول عن الأمر سُخفاً، وكنتَ تستحقر كل من يكتب في زمن الانهيار، أنتَ نفسك ضمناً.

ستعود وتكتب عن تمارينَ تَبَيّن ألّا طائلَ لها، عن دُرج الخيبات، عمّا اخترتَ مُرغَماً أن تطويه وترميه في ذاك الدرج اللعين، في ذاكرتِك المُثقَلة. وستنسى، أو تقنع نفسك أنّك نسيت، على أن يكون هذا المقال هو الأخير من هذا النوع. هاك، أصبح عندك اليوم ما يكفي من المواد لتندم عليها بعد أيّام وتضحك عليها بعد سنين. فما بالك لا تضحكَ منَذ الآن؟ إضحك.

إضحك قبل أن يُباغتكَ السُّكرُ، وقبل أن تضيع في حسبة كميّة الجِن التي شربتها في أسبوع، وقبل أن تُلاحظ أنَّ الحياة ليست بالسوءِ الذي وصفتَه في المقال.

ستضحك، ولن تنتحر، هذا لأنّك تعلك في ذهنك أغنيةً مبتذلةً تقول:

يلّي عَشقت الشَــــجَرة اطلَعها
قبل ما يخلص مُوسِم التـوت!

رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

الشلل

دينامية تشبه دولابًا في قفص، يعدو فيه «الهامستر» حتى يصل إلى إعياء ناتج عن حركة دائرية تنطلق من نقطة لتعود إليها ذاتها دون أي تجديد