نحن صغار المودِعين

كآلاف الآخرين، وجدتُ نفسي منذ بداية الثورة أنتمي إلى هويّةٍ جديدة لم يخطر لي يوماً أن أنتسب لها. هوية أتشارك فيها مع أفرادٍ من أجيالٍ ومهنٍ ومناطق مختلفة. فعلى ما يبدو، لم يعُد تصنيفنا كمواطنين أو كفقراء وأغنياء أو كأبناء طوائف ومناطق دارجاً. بات المصرفيّون والسياسيّون والإعلاميّون يشيرون إلينا بعبارة أخرى. عبارة تحيل إلى حسابنا المصرفي الذي منحنا هويّتنا الجديدة. هكذا أصبحنا بين ليلةٍ وضحاها نُدعى «صغار المودِعين».

نحن «صغار المودعين» الذين تسخّر الدولة أجهزتها لحماية المصرفيّين منّا. تتولّى القوى الأمنية العالم الواقعي، ويتولّى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية العالم الافتراضي. وما تعجز الدولة عن تأديبه، يتولّاه حزب حراسة العهد ومصارفه، فيدعونا إلى «توخّي الهدوء والحكمة» في احتجاجاتنا، ويحدّد خريطة المسموح والممنوع.

نحن «صغار المودعين» أدركنا حجمنا تماماً منذ أن شاهدنا صور المصرفيّ مروان خير الدين وهو يطلق ابتسامة الثقة والذكورة الممتلئة بذاتها فوق جثث حيوانات بريّة ضخمة اصطادها بهدف المتعة في واحدة من رحلات صيده. وصفت المجلّة المتخصّصة المصرفيّ اللبناني بأنّه «صيّادٌ استثنائي». لكنّ أمراً ما أغضب المصرفيّ والوزير السابق، فلجأ إلى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية احتجاجاً على قيام الناشط الفيسبوكي ربيع الأمين بنشر تلك الصور.

نحن «صغار المودعين» تعاطفنا مع ضحايا خير الدين، لكنّنا وجدنا أيضاً وجوهنا في وجوه ضحاياه. اكتشفنا مع تلك الصور أنّنا لسنا بالنسبة لأولئك المصرفيين إلا طرائد هائمة في هذه البرية اللبنانية بانتظار لحظة اصطيادنا. الفارق هو أنّنا لا نصلح حتّى لالتقاط الصور معنا. فصورنا ونحن نتدافع على الكونتوارات لنطالب بأموالنا لا تثير شهيّة الأغلفة الملوّنة.
عالم انهيار سعر الصرف، والمليارات التي تحاول الخروج من البلد، واللهاث وراء صفقات تبييض الأموال، لا يتّسع لمن يطالب براتبه آخر الشهر، أو بسحب خمسمئة دولار بدلاً من مئتين في الأسبوع، ليشتري بها حفاضات للأطفال أو كمشة بزورات يتسلّى بها ليلة العيد. فنحن كالحيوانات الصغيرة التي يدهسها مروان خير الدين في طريقه إلى الصيد العظيم، إلى الزرافات الضخمة والفهود الخطرة والأسُود، ملوك الغابات، التي تهوي صاغرةً تحت أقدام المصرفيّ الشجاع.

نحن «صغار المودعين» الذين نظر إلينا باحتقار سليم صفير، رئيس جمعية المصارف، حين سئل عنّا. قال: «ما يخافوا». فحتّى الآن لم يقرّر الوحش المصرفيّ توجيه الضربة القاضية لنا. ما زال ينهي أعماله مع الحيوانات السمينة. المهمّ ألا يقف الصغار في الطريق. ألا يجرؤوا على الاعتراض. أن يراقبوا رواتبهم وتعويضاتهم ومدّخراتهم الصغيرة وهي تخسر قيمتها بصمت، وألا يثيروا الكثير من الضجيج. لكنّ صفير ذهب أبعد من ذلك، قال عنّا: «الله يقوّيهن»، ومشى. كأنّ لا علاقة له بنا وبأموالنا الشحيحة. هكذا أرادتنا الطبيعة مودعين صغاراً نتحمّل تقلّبات الطقس وجوع الحيوانات الكاسرة. ولا يملك الأبونا سليم ما يعزّينا به إلا قوله:
«الله يقوّيهن».

لا يذهب المصرفيّون إلى صيد المودعين برفقة كلاب الحراسة. فلديهم دولةٌ بكامل أجهزتها وحزبٌ بكامل عتاده لحراسة العهد والمصارف. أمّا نحن، صغار المودِعين، فلا ندخل في حسابات أحد. حتّى حساباتنا المصرفيّة ليست لنا. ربّما أنفقها المصرفيّ الشجاع في واحدةٍ من رحلات صيده المثيرة.

جمعة ما حدا بيعرف

حدا بيعرف إذا تمّ تهريب أموال منعرف إنه فتنا بمرحلة الإنهيار هيدي “كريزة” ورح تخلص «الطائفة بخطر» قد نص ما بيشتغل جبران ولا أطلب شيئاً لنفسي حكومات «لعيون صهر الجنرال» وأنا ما بيهمّني غير الجبل بدي معاشي كلّه

المصارف أشعلت حرباً أهلية

عمليّةُ سرقةٍ علنيّةٌ أطاح بشرعيّة الدولة كليّاً مُسوِّغاً لعصيانِ المواطنين ما يُسمّيه هوبز الحقّ الطبيعي والحالةُ الطبيعيّةُ، وفقاً لهوبز، مُطابقةٌ للحرب الأهليّة لقد فُسِخَ العقد الاجتماعي نحن الآن في حربٍ ضدّ المصارف