نحو الشبكات الشعبيّة

مؤلم ما نشهده، وما سنشهده، بحقّ الفئات الشعبية والمتضرّرة في ما يتعلّق بوضعهم المعيشي، بسبب تمادي التحالف الطبقي المُسيطر الذي يأبى التنازل ولو عن فلس لحلّ الأزمة، والذي بات واضحاً أنّه لن يتخلّى عن هذه المنظومة مهما كلّف الأمر.

ومن أعمدة المنظومة الكثيرة، بات واضحاً أنّ أمتنها هو: شبكة العلاقات الزبائنية. فهي سياج المنظومة على المستوى الداخلي. وهي ما يجعل المتضرّرين منها يدافعون عنها؛ كَونها حلّت محل الدولة، وأمّنت لنسبة من المواطنين نسبة من حقوقهم، ومَنَّنَتهم، وقبضت على رقابهم. حتى بات التحرّر منها لا يعني لهؤلاء تحرّراً، بل ضياع وفقدان «امتيازات» (مثل «امتياز» أن يؤمّنوا تختاً في مستشفى بعد استجداء مسؤول الحزب الفلاني في المنطقة).

فإذا كانت هذه الشبكة من ضمانات استمرار السلطة، فالمواجهة تكون بتفتيتها وبإرساء شبكة مضادّة. وهذا ما لم تنجح به بعد أي قوى معارِضة حتّى اليوم، وهذا ما هو مُغيَّب أساساً من أدبيّاتها، وهذه هي حلقة الفراغ بين البرامج ووعي الجماهير التي تفتَرض مصلحتها الطبقيّة أن تتبنّى هذه البرامج، لكنّها تفعل العكس.

ودرءاً للإحباط، من الوهم أن نعتقد أن شبكةً بديلة كانت ستتبلوَر في عامٍ واحد. فنحن نواجه منظومة استغرقها ثلاثة عقود (+15 عاماً من الحروب) لتمتين شبكتها.

وبالمناسبة، لا بدّ من الاعتراض على قياس العمل السياسي وفق وحدة «منذ 17 تشرين». وكأنّ 17 تشرين نقطة صفر، أو أتت من فراغ، وكأن تظاهرات إسقاط النظام الطائفي (2011) لم تكن، أو كأن الحراك المدني (2015) لم يكن، أو تجربة هيئة التنسيق النقابية وغيرها من المحطّات لم تكن، رغم أنّها هي التي وضعت لبنة فوق لبنة في البناء الذي يُفتَرض به أن يصير ثورة.

لا بدّ من الاعتراض أيضاً على اعتبار 17 تشرين غايةً بذاتها، وكأنّنا في هذه المحطّة كنّا سنبني لبنان الكرامة والحريّة والدولة الديموقراطية العلمانية ضربةً واحدة.

أمّا بالعودة للمنظومة وجماهيرها، نرى أن المنسلخين عنها لم يتأطّروا بعد في القطب النقيض لها. ربّما بسبب تردّدٍ ما أو لعدم تلمّسهم برهاناً عمليّاً بعد على جدوى هذا البديل. فالتيّارات المعارِضة نالت شرعيّتها بمعارضتها لسلطةٍ فاقدة للشرعية، أي بالنفي. لكنّها لم تنل بعد شرعيّةً بذاتها. وهنا الثغرة. أو ما أسمّيه «الفراغ الانتقالي». علماً أن معظم البرامج البديلة عُنوِنَت باسم «المرحلة الانتقالية». لكنّها، في حقيقتها، كانت تعالج مرحلة ما بعد الانتقال.

تكلّمت البرامج باستراتيجيّاتٍ لاحقة، وغَيَّبَت التكتيك الراهن.

المرحلة الانتقالية، فعلياً، هي المرحلة الأصعب. هي عندما تنهار كلّ الطبقات في الوقت ذاته، والغَلَبة لمن يصمد مدّةً أطوَل، حتى يكون الآخر قد اندثَر. يصبح السؤال إذاً، من يملك مقوّمات الصمود؟ بالتأكيد، ليس نحن.

تتقوّم مهمّة قوى التغيير إذاً في بناء هذه المقوّمات. فلنكن واقعيّين، لن يتمكّن أحد من إيقاف الانهيار. كرة الثلج تدحرجت. لكن يمكن– بل يجب الحدّ من تبِعات هذا الانهيار. وهذا لا يحصل بالبرامج فقط، أو بمواجهة القوى الأمنية في الشارع فقط.

وهنا عودة لمنطق الشبكات. ففي إرساء شبكات أمان، أو شبكات صمود، شبكات تعاون وعمل تشاركي، يتأمّن الحدّ الأدنى– ولاحقاً الحد المطلوب- من الأمن الغذائيّ، الصحّي، النفسي، (الأمني ربّما؟)… وهذا، بالمناسبة، لا يتعارض مع التظاهر والاحتجاج في الشارع، ولا مع العمل السياسي على مستوى العلاقات الفوقيّة، أي خلق جبهات سياسية للمواجهة.

هي أركان ثلاثة إذاً: الشارع، الإطار السياسي الجامع، وإرساء شبكات شعبية ونمط جديد من العلاقات الاجتماعية. وهذه الأخيرة هي الركن المُغَيّب حتّى اليوم. فإمّا تدعيمها، وإمّا أن نخبز في الأفراح.

حتّى لا ينتصر الشلل

فبعد كل موسم اعتراض، نُخلي الساحات وقاعات الاجتماعات فتأتي الأزمات الموسمية لتحثّنا على الحركة كلّ مرّة فرض الناس غير المنظّمين سياسيًّا أمرًا واقعًا وإيقاعًا جديدًا للّعبة السياسية، ورسموا أفقاً واسعًا للممكن السياسي حماية ما تبقّى من حريّة، والتمسّك بالحبّ والشغف رغم كلّ شيء

تنظيم الفرز

يحاول «الثوّار» تنظيم صفوفهم تحويل المسائل السياسية إلى مطالب أخلاقية خارجة عن أي سياق فعلي تحوّل الانقسام الاجتماعي إلى «حرب ضد الفقر» قد يكون طريق تنظيم «الثورة» يمرّ من خلال فرزها وليس جمعها معركة الهيمنة وليس السيطرة السياسية