نحو انتصاراتٍ كاذبة في معركة الكورونا المجيدة

إذا أردت أن أكون مستفزاً، أليس علينا أن نجري هذه الدراسة في أفريقيا حيث لا يلبسون الأقنعة، وحيث لا علاج ولا إنعاش؟ كما فعلنا في بعض الدراسات مثل السيدا؟ أو على المومسات، نجرّب أشياء لأنّنا نعرف أنهنّ معرّضات بشكل كبير ولا يحمين أنفسهنّ. ما رأيكم؟

هذا ليس مقطعاً من حوارٍ هوليووديّ شرّيره طبيب معتوه يعاني من جنون العظمة وأفكار التفوّق العرقي. بل مجرّد مداخلة تلفزيونية لرئيس قسم الإنعاش في مستشفى كوشان الفرنسي جان بول ميرا، يحثّ فيها زميله كامي لوكت على تجريب فعالية لقاح الـ«بي. سي. جي.» في مواجهة الكورونا، وهو المستخدم عادةً ضد السلّ.

لن يُصدَم لوكت وهو مدير أبحاث في المعهد الفرنسي الأعلى للأبحاث الطبية، بل سيؤكّد هو أيضاً أنّ هذا الاقتراح قيد النظر والتنفيذ أصلاً!

القاعدة هنا واضحة: المستضعَفون أكثر استعداداً للمخاطرة في سبيل النجاة، استثمر ذلك.

تبدو هذه القاعدة، كما في المداخلة نفسها، مصدراً لاستغلالَيْن موازيَيْن: الكولونيالية من جهة، والقمع المجتمعي من الجهة الأخرى. أفارقة وعاملات جنس. وما هذا النسق في التنظير إلا الوجه النخبوي المُعقلَن للعنصريات والفوبيات الشعبية المتشفّية في ظلال نخبٍ كهذه. هو ليس مجرد فوقية بيضاء رمزية، بل هو تشييء للحياة الإنسانية وإحالتها إلى متسلسلات رقمية يمكن تقييمها ومقارنتها كمّاً، إلى حدود تقدير أحقيّتها بالحياة. إنّ هذا التشييء هو عقيدة السوق تسليعاً، وهو أيضاً عقيدة الكولونيالية التي تستند إلى السوق لتسلّع الإنسان نفسه ومجتمعه.

بدلاً من «أفارقة وعاملات جنس»، لدينا في لبنان أبواقٌ لثنائيّة «لاجئون ومثليّون». تنويعات على نشاز واحد، نشاز يزداد شعبيةً في ظلّ الانهيارات الشاملة التي نعيش: نوع من الداروينيّة الاجتماعيّة.

هكذا يُنتج تحالف السوق-السياسة في لبنان سلّمه لتشييئنا يومياً: مودعون صغار/ مودعون كبار، معك دولار/ ما معك دولار، ملتزمون بالعزل/ بلا مخ، سلميّون/ مخرِّبون… سيحدّد موقعنا على هذا السلّم قدرة كلٍّ منّا على النجاة من الانهيار المتدحرج الذي نحن فيه. وإذا كنتَ من المستضعفين، فإنّك على الأغلب ستكون ضحية التجارب الاقتصادية والأمنية والمالية التي تنهال من كل حدب وصوب في صفوف السلطة.

هكذا سُحِبت من هذا التحالف كما من نظرائه العرب قاطبةً ستارة القضايا الوطنية والقومية، فبدا عارياً في كونه نموذجاً مصغَّراً عن الكولونيالية بأشكالها القديمة والمستجدّة. عارياً في كونه قوّة احتلال تشنّ حرباً مفتوحةً على المستضعفين في لبنان، لاستثمار هشاشتهم أمام الواقع الصحي والأمني والاقتصادي معاً في سبيل تعزيز قبضته السلطوية والحفاظ على ما نهبه وما ينوي نهبه.

لتكتمل عدّة النصب الكولونيالية، تبقى الدعاية أداةً ضرورية. وكما تُغرق الكولونياليات الكبرى العالم بعناوين تفوُّقها الأخلاقي وتمثيلها للخلاص، يريد التحالف الحاكم في لبنان الحفاظ على علاقته بشريحة مجتمعية يعوّل على علاقتها النفعية به. لذلك يسعى عبر الإعلام السلطوي إلى تصوير نفسه بطلاً يقود الشعب ويوجّهه (بالقوة) نحو النجاة من الأزمة الفيروسية، للتغطية على مشهد تعميقه أزمة العيش الشعبية.

يريد التحالف الحاكم استقطاب الشريحة الاجتماعية التي ما زالت لا تخشى على استمراريتها الاقتصادية بشكل جديّ إلى الآن، وشدّ العصب المتراخي لقواعده الطائفية. لذلك سيسعى مع ترسانته التلفزيونية إلى إخراج سردية «انتصار وطني» في معركة الكورونا المجيدة. ويمحو واقع المعركة الشعبية مع الجوع والفيروس معاً.

يؤسّس أقطاب السلطة في لبنان لانتصار وهميّ أبطاله جمعية المصارف ومارسيل غانم وغيرة بري ورعاية الحزب- الأب. هذا هو استثمارهم الأكبر لضعف المستضعفين: استكمال الثورة المضادة. لهذا ينام خضر أنور الليل في زنزانة، والعميل الإسرائيلي آمن طليق.