نفط وحشيش

يجتمع الحشيش والنفط في أنّهما يُحرقان. وفي أنّهما كسائر ما يأتي من أحشاء الأرض، لا قيمة مطلقة لهما إلا ممّا نصنع بهما. فاحتراق الحشيش مثلاً، يكون سكينةً أو إبداعاً لدى البعض، ويكون ذهاناً واضطرابات لدى آخرين. يكون مقطّراً علاجاً للصرع أو مبرِّراً للعزلة. قد يكون سجناً لمستهلك «ما إلو ضهر»، أو لمزارع «ما مزبّط وضعه»، وأموالاً لتاجر تغطّيه قوى الأمر الواقع. المسألة تعتمد على أمرين أساسيَّيْن: موقع المستخدِم، وكيفيّة الاستخدام.

لذلك، تبدو معزوفة السلطة غير قابلة للرقص. كان من المفترض بنا أن نحتفي بالكنوز هذه، لأنّه من المفترض أنّ هذه الأرض لنا، وكذلك البحر. لكنّهما على أرض الواقع ليسا كذلك. مؤسّسات الدولة التي من شأنها ضمان سيادة اللبنانيين على مواردهم، ليست اليوم سوى عصبة لصوص التهمتْ وعاثتْ خراباً في كلّ ثرواتنا، ولمّا طمرها الخراب هرْوَلتْ تستولي على ما تبقّى لنا من خير يأتي من جوف الأرض.


ماذا صنع النظام بالموارد اللبنانية؟ هل ثمّن خصوبة التربة وتنوّعها، هل أنصف الفلاح وخبرته؟ بل دمّر الزراعة واستعبدها لمصلحة ولائه للأسواق. بل هدر المياه ولوّثها، حتى بقيت منازل الضنيّة وأراضيها، أكثر المناطق ينابيعَ، محرومةً من مقوّمات الريّ والشرب السليمة. حتى صار الليطاني مجرى للسرطانات… حدّث ولا حرج، من الكسّارات إلى سدّ بسري إلى الحرائق إلى الأملاك البحرية. بل كرّس النظام نفسه بتفوّق، كأكبر تهديد لثروات البلاد الطبيعية، فهو يستولي عليها أوّلاً لينهب ويسيء إدارتها ثانياً.

ماذا فعلت الدولة اللبنانية بالمورد البشري؟ قتلتْه وهجّرتْه فأمرضتْه جسدياً ونفسياً، تركتْه بلا أدنى ثقة في ما هو مصمّم لحمايته، ولو من فيروس! أغرقتْه بالعنف لمّا انتفض، شغلتْه بالفتنة ووساخات الأجهزة لمّا جاع. فشلٌ فوق فشل. فالفشل الأوّل في أنّ هذه الدولة لا تدير مصالحنا، بل تدير مصالحها على حسابنا. والفشل الثاني أنها فاشلة حتى في ذلك، أي حتى في حماية عملية سرقتها من الانهيار.


كان على عشرات الآلاف الذين سُجِنوا ولوحقوا خلال العقود الماضية أن ينتظروا توصية ماكينزي والغمزة الأميركية، ليكتشفوا أن ما تعذّبوا ودُمّرت حياتهم بسببه صار اليوم كنزاً وطنياً، بل مصدراً جديداً للسرقة المشرّعة والتدمير المنهجي للموارد الطبيعية. هكذا، علينا الآن أن نتفرّج على فيلم تشريعي طويل، وننتظر، لنفهم آلية الشفط المخطّط لها، وأيّ خصخصة ودَوْلرة وعولمة ستصيب القنبز البقاعي الثمين. المرجّح أنّ فلسفة الدولة القائمة على أرض الواقع ستستمرّ على حالها: تسهيل خروج أفضل منتجات الثروة الحشيشية إلى الأسواق الخارجية، وجني الأموال من دَوْر وساطة المحتكر، مقابل حرمان المزارع والمستهلك من عائدات الحشيش وفوائده.

أما في النفط، فأمامنا- إن عثرت توتال الفرنسية على مخزونات كبيرة في البلوك 4- ما معدّله 5 أعوام لنبدأ عملية الإنتاج. لكنّ عصبة النهب تحتاج السيولة الآن قبل الغد في مواجهة الإفلاس الذي صنعته، فهل سندفع مرّةً أخرى ثمن إفلاس القوى الحاكمة؟ هل سيبيعون الفول قبل أن يصير في المكيول، بأسعار منخفضة لضمان السيولة؟ يشبههم ذلك، وغداً لناظره قريب. 

في الحالتين، سوف تقع عملية نهب الموارد اللبنانية مجدّداً على نقاط الالتقاء بين القطاع الخاص الدولي من جهة، والعصابة الحاكمة المستولية على ثروات الوطن، من جهة ثانية. ويحيلنا ذلك إلى ما يسمّيه المؤرّخ الفرنسي إيمانويل تود «الأرستوقراطية الدولتوماليّة»، في كتابه الأخير عن صراع الطبقات في فرنسا. فيشير تود إلى أنّ طبقة الواحد في المئة هي التحالف الواقعي بين قوى السوق والدولة.

في آلية الاحتراق هذه، يكمن موقعنا كمواطنين، فقراء أو صغار كسبة وصغار مودعين، في أنّنا كباقي ما يخرج من بطن هذه الأرض، نحترق. نحترق لنولّد طاقةً يستغلّها مَن يحكمنا كما لو أنّنا في النهاية موارد له. هذه العبوديّة، أن تكون الشعوب حشيش الدولة، تسيء استخدامنا. فشل على فشل.

الاقتراح كفعلٍ سياسي

لكنّ «الاقتراح» قد يكون، في خروجه عن حدود الممكن، هو المطلوب اليوم: اقتراحات قد تفرز، واقتراحات قد تزعج، واقتراحات قد تنقلنا من لحظة «الثورة» الجامعة إلى لحظة الفرز السياسي…

من أزمة النظام إلى أزمة معارضيه

رسم حدود فاصلة بين قوى المعارضة نفسها النزعة الإصلاحية حركة إسقاط النظام الطائفي حصرها بقانون انتخابات جديد مالت لناحية حزب الله انعكست الانتخابات هزائم تتصدّر المشهد في ساحة رياض الصلح تأسيس جبهة سياسيّة مستقلّة متجانسة