هذا ما جناه أبي (والنظام) عليّ

أخبرني الزملاء في ميغافون أنهم يعدّون ملفاً عن علاقة السياسة اللبنانية بالصحة العقلية والتحليل النفسي. جعلني موضوع الملف أفكر في نقطتين أساسيتين سأحاول أن ألخّصهما في ما يلي، بالرغم من أن الموضوع واسع جداً ومشوّش بقدر تشوّش مسألتي الصحة العقلية والسياسة اللبنانية على السواء.


أفكر في الحالة التي أعاني منها منذ سنوات، والتي تنتمي إلى اضطرابات القلق. في كل محاولاتي لمعرفة سبب هذا المرض ومنشأه، سمعت من أكثر من طبيب وقرأت في أكثر من مقال ودراسة أن السبب الرئيسي خلف الإصابة بهذا الإضطراب، جينيّ.

ممّن ورثت هذا الإرث الثقيل؟
أمي أو أبي؟
أتأمّل صفاتهما وسلوكهما فأجد مكاناً كبيراً للقلق المبالغ فيه. لكنه قلق الأهل في نهاية الأمر.
هل يقوم الآباء والأمهات بشيءٍ سوى القلق؟
أظنها الصفة الأساسية للأبوة والأمومة (يليها الذنب ربما).

لكنني أقف طويلاً عند ما يسمّى بـ«التروما المتناقلة عبر الأجيال».

لقد حمل أبي السلاح عند سنّ البلوغ حين التحق بأحد الأحزاب الطائفية. قاتل في الحرب الأهلية منذ بدايتها، شارك في معارك ضد قوات الردع العربية والفصائل الفلسطينية والتنظيمات اللبنانية الموالية لها. عاش مراهقته وشبابه بين براثن الميليشيا. ثم جاء زمن السلم حيث حاول الانخراط به بصعوبة من دون الخضوع لمسار علاجي يحاول أن يقارب كل ما عاشه هذا الرجل والذي شكّله إلى حدّ كبير، بدءاً من رؤيته للحياة والعالم وصولاً إلى هندسة جهازه العصبي. فالعلاج النفسي لا يزال بالنسبة لأهالينا من المحرّمات، وإن قبلوه لأبنائهم، فإنّ معظمهم لم يتقبل بعد الخضوع له.

في دراسات «علم التخلّق» (Epigenetics)، تبيّن أن التروما أيضاً تنتقل جينياً. هناك تغييرات تطرأ على جينات الإنسان بسبب الحروب والكوارث التي تعيشها. وهذا التأثر الجيني بالبيئة والعوامل الخارجية ينتقل إلى ذريته فيما بعد.

ومع أنّ هذا المجال لا يزال فتياً في العالم ويحتاج إلى مزيد من الأبحاث والقرائن، هناك اعتقاد كبير بدأ يتشكّل مع الناجين من الهولوكوست، بأنّ الصدمات لا تقف عند الضحايا الأوائل، بل تنتقل، كاللعنة، من جيلٍ إلى جيل.

أعرف أنّ في دماغي وجسدي آثاراً كبرى من المعارك المسلّحة التي خاضها أبي، ومن الهلع والقلق والحزن الذي عاشته أمي.

قلقي ابن ماضٍ رهيب لم يمضِ.


أفكر كذلك بمارك فيشر. الكاتب والناقد البريطاني الذي اشتغل على علاقة الرأسمالية بالصحة العقلية، قبل أن ينتحر في مطلع العام 2018.

سار فيشر على خطى جيل دولوز وفيليكس غوتاري في تحليلهما لارتباط الرغبة بالرأسمالية.

قبل أن يقع فريسةً للاكتئاب الذي عانى منه طويلاً، كرّس فيشر الكثير من كتاباته، لا سيما كتاب «الواقعية الرأسمالية: ألا يوجد بديل؟» لنقد «خصخصة الصحة العقلية»، أو بكلام آخر نقد التوجه الأميركي خصوصاً، في التعاطي مع الصحة العقلية على أساسٍ فردي حصراً. يرى فيشر أن «جائحة القلق» التي تصيب الأشخاص في زمننا، لا يمكن فهمها، أو علاجها، إذا نظرنا إليها كمشكلة خاصة يعاني منها أفراد مضطربون.

لا يمكن نزع السياسة من الاضطرابات العقلية، وخصوصاً علاقات القوة في المجتمع من معاناة الأفراد. اختزال الصحة العقلية بخلل كيميائي في أدمغة الأفراد، قد يقدّم حلولاً جزئية وآنية للمشكلة، لكنه يبعدنا أكثر فأكثر عن الوصول إلى فهم شامل وشفاء جذري لها.

مثل حتمية العلاقة بين الرأسمالية وكارثة التغيّر المناخي، هناك أيضا حتمية للعلاقة بين الرأسمالية وكارثة الصحة العقلية التي تجتاح الكوكب.


لبنان ليس استثناءً لهذه الحتمية.

على العكس، فإن ما نشهده منذ زمن وما ازدادت حدّته منذ عامين، يُعدّ دليلاً إضافياً على صحة نظريات فيشر. إن الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي أوصلتنا إليه سياسات النظام اللبناني، تتّضح آثارها يوماً بعد يوم في سلامتنا العقلية. انعدام الأمان المعيشي، والعيش يوماً بيوم على إيقاع ارتفاع الدولار وانخفاضه، إلى جانب تفجير 4 آب الذي لن يكون على الأرجح آخر مأساة تنتج عن فساد وإهمال النظام، ستفرّخ اضطرابات نفسية تأكل حيوات اللبنانيين وأجهزتهم العصبية. لعلّ دراسة نسبة الاستهلاك المحلي لمضادات الاكتئاب والمهدّئات في السنتين الأخيرتين ستؤكد هذه العلاقة الحتمية.

يُنظر إلى المرض العقلي في كثير من الأحيان كتمرّدٍ للعقل على قمعٍ خارجي يسعى إلى فرض الامتثال والنمطية على الأفراد، وكردّ فعل على أمر التلاؤم المطلوب من الإنسان والمفروض عليه من الخارج.

من هنا، أظنّ أن قلقي هو أيضاً ابن حاضرٍ استعصى التمرّد عليه.

فربّما كان القلق الشكل الأمضى لهذا التمرّد.

مــــــلــــــف
قلــق السيـاســة

يعاين ملفّ «قلق السياسة» تداخل عالم السياسة بعالم النفس، من خلال عدد من النصوص، ترسم معالم قلق جماعيّ.

أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان، طارق ابي سمرا
جدرانٌ تشفي، مارتين بجاني وهلا كرباج
الشارع بين المقاومة والانهزام، دارين أبو سعد
خوف من البشر واطمئنان للعملة: يوميّات من عالم ما قبل الانهيار، فادي بردويل
الانهيارُ على بُعد حائط، جنان نون
هذا ما جناه أبي (والنظام) عليّ، ريم منصور
ليس للصحراء هنا بداية ولا نهاية، فاطمة فؤاد
تناقضات الشخصية المتمرِّدة: قلق الجندر ومأزق الرجولة، مازن السيّد
أبي طريح فراش الموت: تحليل نفسي- نظري للطائفيّة، ناديا بو علي
رأس مال قلق، غالية السعداوي
عن بابٍ فتحتْه الانتفاضة ولم ندخله، سمير سكيني

تم نشر الملف في 10 نيسان 2021.


الشلل

دينامية تشبه دولابًا في قفص، يعدو فيه «الهامستر» حتى يصل إلى إعياء ناتج عن حركة دائرية تنطلق من نقطة لتعود إليها ذاتها دون أي تجديد

ميكانيزمات التأقلم: انتحارنا البطيء

سيقنعونكَ أيضاً أنّ كل هذه العادات السيّئة أفضل من عاداتٍ أسوأ منها. ولا بأس إن أكثرتَ من السكَّريّات، فهي أفضل من التدخين. ولا بأس إن أدمنت التدخين، فهو أفضل من الكحول. والكحول، مع أنّ كثيرَها مُضرّ، فهي أفضل من الحشيش، أو العكس (؟)