هذه الدقائق القليلة

ما الذي يمكن أن نفعله؟ هو السؤال المحوري الذي يتلعثم الجميع أمامه اليوم. فمن المعارضين من يريد الاكتفاء بالمشاهدة. ومنهم من يملك إجابةً متخيّلة لا ينفك يعيد النظر فيها وفق الشروط المستجدة للمرحلة. ومنهم من يتمسك بالإجابة بكل دغمائية، ويقف عندها، وإن خالفت كل المعطيات الواقعية الممكنة.

ولأن الشروط تفرض نفسها، ولأن القراءة الواقعية لا تبدأ بما يجب أن يكون، بل تنطلق من المعطيات وتحاول التشكيل فيها والبناء عليها، فمن الأجدى أن تعود المجموعات بتفكيرها إلى الخلف قليلاً، إلى ميادين قبل سياسية جبهوية:

أن تبحث في اليومي، في الأشياء التي قد تبدو صغيرة في سياقاتها، على خطوات لا تُرى، إلا أن أثرها ممكن أن يكون كبيرًا لاحقًا، على سبيل التشبيك مع الناس، الحفر والنسج داخل المجتمع، تعديل السلوكيات، وتنسيق الحد الأدنى في الشارع وفي غيره.


المستوى السياسي

ليس بالضرورة أن تكون الخطوات سياسية مباشرة كالسعي إلى السلطة. فتخطئ الحركات والجماعات السياسية مثلًا، عندما تعتبر أن كل ما يمكن القيام به هو السياسي المباشر حصرًا، لكونه الأكثر أهمية وأولوية على ما عداه. فعلى الرغم من أن المحوري الآن هو الطرح السياسي، والعمل السياسي، والمواجهة السياسية المباشرة، إلا أنّها لا تكون على حساب غيرها.

  • فمن الممكن أيضًا الذهاب إلى العمل السياسي بمعناه غير المباشر والأوسع، أي بث أفكار مرشدة ومناهج وأنظمة توجه نشاط الناس في ميادين الحياة الاجتماعية، خصوصًا في مستويات تأسيسية كالتي نعيشها.
  • خصوصًا عندما يكون هناك انسداد يهيمن على المشهد السياسي – مشهد المعارضات على وجه الخصوص، والمتمثّل في عدم قدرتها، ذاتيًا وموضوعيًا، على تشكيل جبهة سياسية من ناحية، أو ممارسة الفعل السياسي من ناحية ثانية.

استحالة البديل في ظل الانهيار

العمل على هذه التفاصيل لا يكون فراغًا، ولا يؤسس لفراغ، ولا يكون في مهب الريح كذلك، بل هو الذي يؤسس لاحقًا لحالة تختلف تمامًا عن شروط اليوم. ففي حالات الانهيار، من غير المجدي تقديم أي بديل، لأن مصيره التحطم مع تحطم السائد، ولأن سياقات الأحداث التي لا يمكن حصرها ستحيل كل البدائل المتخيلة إلى عقبات في وجه النتائج غير المؤطّرة لفعل المواجهة اليومي.

من هذا المنطلق يمكن لمجموعات الانتفاضة، من غير القوى الحزبية والمعارضات التقليدية، أن تقدّم نفسها بشكل مختلف، أن تخلق مجال ثقة وصدق مع الناس، أن تصارحهم بحقيقة أن كل محاولات خلق البديل اليوم، بالشكل الذي تتم فيه، غير مجدية، وأن إمكانية التوحد خلف برنامج نهائي صعبة لعددٍ من العقبات: سياسية وتنظيمية وواقعية أيضًا.


العودة إلى اليومي

تأسيسًا على هذه المعطيات، الحل الوحيد المتاح أمام المجموعات هو العودة إلى اليومي، وتثويره، العودة مثلًا لما ساد بداية الانتفاضة، أي أن تؤسس منصة مشتركة، جريدة. هذا التراث الذي يجب الاستفادة منه، خصوصًا لناحية توزيع المناشير، ليس لبث موقف سياسي فحسب، بل لأهميتها في تكثيف الاحتكاك المباشر بين هذه المجموعات وبين الناس، داخل الأحياء والمناطق.

كما وأن احتلال الحيز العام، وإعادة إحياء الساحات العامة، بوظيفتها التواصلية، بعد أن أمعن النظام وقواه الطائفية في تكريس منطق خوف الناس من بعضها، هو من الخطوات التأسيسية لمواجهة الثقافة السائدة والانغلاق الطائفي.

ناهيك عن إعادة التركيز على دور النقابات، والحركات الطلابية، وغيرها من أمور قد تبدو بلا أي مدلول سياسي مباشر، إلا أنها تحمل بذور منظومة مغايرة على مختلف المستويات. كما وأن المجموعات يمكنها أن تلعب دورًا تنظيميًا، بنسب متفاوتة، في يوميات الناس خلال سعيها للحصول على السلع والحاجيات والوقود والدواء…

ومن ناحية ثانية، يمكن لهذه المجموعات إقامة حملات مختلفة تطمح إلى تعديل السلوكيات لناحية وضع الخطط بهدف التقليل من استهلاك الطاقة والوقود، قبل أن يتم رفع الدعم نهائيًا عنها وتصبح تكلفتها مرتفعة جدًا. كما يمكن العمل على كيفية إصلاح بعض المقتنيات للمحافظة عليها، والتفكير في المدارس الشعبية المتنقلة أسبوعيًا في المناطق (خصوصًا خارج المدن)، بالإضافة إلى حملات الدعم وبناء شبكات التضامن والتكافل والتعاضد بين الناس، وعلى رأسها «العونة» التي تعني اقتصاديًا أن الفرد للجماعة والجماعة للفرد، والتي تعمل على تكوين جماعات تقوم بأعمال مشتركة لمصلحة الأعضاء بشكل مباشر بعد أن تستغني عن الوسيط.


هذه وغيرها من الأفكار المختصّة التي يمكن مساعدة الناس فيها، مع ما ستكون عليه من نتائج لاحقًا. إن الاستفادة من هذا التراث، وتوسيعه ليطال مستويات جديدة من حياة الناس، لا يضع نصب عينيه وظيفة محض سياسية سلطوية حصرًا، بل وظائف اجتماعية أولًا وقبل كل شيء.

إن المشكلة الفعلية هي أن هذه الخطوات الصغيرة، التي لا حساب لها في أزمنة القضايا الكبيرة، هي القوة التي تظهر في السنوات المقبلة كحالة أصيلة، كأن تكون بذورًا أيديولوجيّة وسلوكيّة بديلة يكسبها المواطن لاحقًا، وهي بجميع الأحوال موقف سياسي.

في مقال له في «البرافدا» تحت عنوان «لا بد من الاهتمام بالجزئيات»، رأى تروتسكي في العام 1921، أنه يجب أن تُدهن الجزم في الوقت المطلوب، وأن تُربط بعناية، وألّا يُشوَّه منظرها ويُغيّر شكلها، ليس لوظيفتها العسكرية إطلاقًا، بل لأن الحاجة والندرة والتكلفة تفرض نفسها، فهذه الدقائق القليلة هي التي تصنع كل شيء في نهاية المطاف.

مــــــلــــــف
مخــتبر الثــــورة

يقترح هذا الملف مساحة مفتوحة لطرح اقتراحات تخصّ مسار الثورة، بعضها سجالي أو خارج الحدث، وبعضها الآخر عملي. يدعو هذا الملف كتّاباً وكاتبات للمساهمة باقتراح في السياسة، بمفهومها العريض، ليصبح نقطة سجال أو نقاش أو بحث، تنشر مرة كل أسبوع. وتطمح هذ المساحة أن تشكّل مساهمة بسيطة بعملية التفكير الجماعية التي تُعرَف بالثورة، كمحاولة لتأمين بعض الاستمرارية لهذا المختبر الذي لم يتوقّف عن مفاجأتنا.


إعادة الاعتبار لشعار «كلّن يعني كلّن»

جرى تقزيم شعار «كلن يعني كلن» من شعار يشمل جميع أقطاب النظام السياسي الحاكم بشكل يحمّلهم المسؤولية عن القرارات الاقتصادية والسياسات المالية وقرارات السلم والحرب والتحريض الطائفي وغيرها، ليتحوّل مادّةً سجالية حول مقدار انخراط الأشخاص بملفات أو شبهات فساد

نظرة ثوريّة للانتخابات النيابيّة

أخدنا النقابة وجايين عالنيابة الانتخابات هي الوسيلة للتغيير، واللائحة الموحّدة هي الحلّ الانتخابات وسيلة لتجديد النظام ويجب عدم خوضها لا ثقة بأيّ انتخابات تديرها المنظومة الحاكمة مش وقت انتخابات، وقت حكومة انتقالية الصراع الطبقي والصراع حول طبيعة النظام