هل تدركون مدى شجاعتكم؟

لم أذهب البارحة إلى المظاهرة. كنتُ خائفاً. شاهدتُها من منزلي وفرحت. لكنّني لم أشعر حينها بفرحي. لم أشعر به إلّا قبل ثوانٍ من اللحظة التي أكتبُ فيها الآن، أي عندما كتبت «شاهدتُها من منزلي وفرحت». فرحت بصوَر نصر الله وبري وعون ودياب والحريري وباسيل وجعجع وجنبلاط معلّقةً على المشانق.

لندع حسّان جانباً، فهم أتوا به أصلاً كي يُشنَق على غفلة منه، إذ سيكون حينئذٍ منهمكاً في إحصاء إنجازاته لكي ينشرها كتاباً فيُريه لأمّه لحظة دخوله جهنّم التي ستُوهِمه نرجسيَّتُه أنّها الجنة بالرغم من أنّ لحمه سيكون قد بدأ يحترق.

ولندع عون جانباً، فهو نائم في قصره ولن يستيقظ غداً إلّا ليغفو مجدّداً ما أن يجلس على كرسيّه الحبيب. ولندع جنبلاط وجعجع جانباً، إذ لم يبقَ مِن وهرة كلّ منهما سوى بعض أصداء مجازرهما القديمة. ولندع باسيل جانباً، فهو الهيلا هو. ولندع سعد الحريري جانباً، إذ من الصعب معرفة ما إذا كان يستحق حقداً أم شفقةً ممزوجة بالاحتقار.
لكنْ برّي المُرْعِب، صُورَته مشنوقة!

لكنْ نصر الله الجبّار، نصر الله الذي، بسلاحه وجيشه، يمسك بأدنى تفاصيل حياتنا–فنحن لا نشرب كوب ماء من دون إذن سماحة السيد؛ لكنْ نصر الله–أو صورته، لا بأس–مشنوقاً هكذا في ساحة الشهداء، في بيروت، تحت أنظار المتظاهرين، والمتسمِّرين أمام شاشاتهم، تحت أنظار العالم العربي، نصر الله مشنوقاً هكذا! يا الهي! مَن كان ليتخيّل! والله أنتم لا تدركون مدى جرأتكم! نصر الله الذي يُطأطِئُ كلُّ البلدِ رأسَه حينما يهمس، ويتسمَّر كلُّ البلد أمام الشاشات عندما يخطب بجمهوره كاشفاً لنا مصائرنا! أتعون هَوْلَ ما فعلتم، أترون بهاءَه؟ أتدركون كم مِن اليأس والشجاعة يستلزم شنقُ صورةِ حسن نصر الله في ساحة عامّة؟

لكنّكم لم تتوقّفوا عند ذلك، فاتّجهتم إلى الوزارات ودخلتموها كأنّها لكم، والحقّ أنّها لكم. أستطيعُ تخيُّلَ بضعة تكنوقراط يتغوَّطون في ملابسهم. دخلتموها غير آبهين بأجسادكم العُزّل التي قد تُضرَب أو يُطلَق عليها الرصاص المطاطي أو الحي، غير آبهين بأنّكم قد تُعتقلون وتُعذَّبون، غير آبهين بحياتكم ومستقبلكم إذ لا حياة ولا مستقبل لكم، غير أنّكم تحلمون بأن تصنع أيديكم حياةً ومُستقبلاً يرضى بهما الإنسان لنفسه. دخلتم الوزارات، والغضب والنقمة على وشك تفجير أجسادكم المُرهَقة. دخلتموها والكراهية رايَتكم، لكنها ليست تلك الكراهيةَ مُدمِّرةَ الأحلامِ والآمال التي قد يشعر بها شخص مثل نبيه برّي. لا، إنّها كراهيةُ مَن يمتلك حقّ الكراهية لأنّ أحلامه وآماله ومستقبله وحياته قد نُسِفت.

يضربونكم، يسحلونكم، يطلقون النار عليكم، يعتقلونكم، يقتلونكم معاً أو يتصيَّدونكم فرادى، يرسلون لكم بلطجيَّتهم، يتوعَّدونكم، يُخوِّنونكم، يحجزون أموالكم، يرمونكم في الشوارع لتبحثوا عن قوّتكم في حاويات النفايات، يكذبون عليكم يوميّاً ويهزأون بكم، ثم يُفجِّرون أجسادَكم وروحَ مدينتكم، لكنّكم ما زلتم هنا.

بعضكم ربما خائف مثلي وبعضكم الآخر لا يبصر شيئاً إلّا ولوَّنته الدماءُ أحمرَ، ما زلتم هنا، واقفين، مدركين أنّ الكارثة قد وقعت وأنّ الأسوأ آتٍ، لكن ما زلتم هنا، واقفين، ليس لأنّ لا خيار آخر لديكم، إذ لديكم خيارات أخرى كثيرة، بل لأنّ هذا هو خيارُكم: الخيار الأصعب، الخيار المستحيل، لأنكم تَحْدُسون بأنّكم اقتربتم مِن المعركة الكبيرة التي، إن ربحتموها، ستكون لكم بعدها الحياة التي تستحقّون. تلك الحياة التي ليست بالكثير، ولكنها ما يستحقّه أيّ إنسان.

أراكم الآن وقد أصبحتم وحشاً كشّر عن أنيابه، وحشاً حَدَّد فريسته. ما مِن أحدٍ يستطيع معرفةَ ما ستؤول إليه المعركة، كما أنّ الحظّ ليس حليفكم. لكن يبدو أنّكم ستبقون واقفين، إذ مَن أُلقِيَت عليه تلك القنبلة وبقي واقفاً، مَن الذي سيُقعده؟ أتدركون هَوْلَ ما فعلتم؟ أترون جماله؟ أتعون الشجاعة المُستحيلة التي تطلَّبها ذلك؟ مَن كان ليتخيّل أنّكم سوف تشنقون صورة حسن نصر الله في ساحة الشهداء؟

ثأرٌ صافٍ مثلَ دمعة

الموت لا يقتل الجبناء، بل الانتقام يبحث دياب بين ركام الأبواب المخلّعة عن كتاب إنجازاته وسعد الحريري يلتقط لنفسه سيلفي عارياً قتلنا مثلهم أضعاف الأضعاف في مجازر الجبل ومتذكّراً سحسوحه مع رستم غزالي

انفجار طائر الفينيق

لكن إذا قتل طائر الفينيق، فإنّه يموت، ولا يولد من جديد كأننا دائماً محكومون بتخيّل واقع أسوأ لنخلق الأمل لا نريد أن تعزّز الأزمات قدرتنا على الصمود الانتقام والعدالة لا تنبثقان من قاعات المحاكم الفاسدة أو لجان التحقيق المركبة