هل موظَّف المصرف شريكٌ في الجريمة؟

هل يمكن تحميل موظَّف المصرف مسؤوليةً عن الإجراءات التعسّفية وغير القانونيّة التي تتّخذها المصارف، مثل حجز أموال المودِعين، وعدم صرف الشيكات، ومنع التحويلات الماليّة الصغيرة إلى الخارج؟

الجواب الذي قد يتبادر عفويّاً إلى الذهن هو أنّ الموظَّفَ الصغيرَ مسكينٌ ولا حول ولا قوّة له. هو مُجرَّد مرؤوسٍ لم يَتّخِذ أيّ قرار ولا يقوم سوى بتنفيذ الأوامر؛ وإنْ لم يمتثِل لهذه الأوامر، فمصيره الطرد مِن عمله، ومِن ثمّ العَوَز والفقر. هو، تالياً، مسلوبُ الإرادة فلا يتحمّل أيّة مسؤولية عمّا يفعله. أضِف أنّه، هو الآخر، ضحيّةُ السياسات المصرفيّة الجائرة إيّاها. لذا، ينبغي ألّا تكون المواجهة معه، وإنّما مع المصرفيّين أصحاب القرار الذين يضعون المودِع الصغير في مواجهةٍ مع الموظَّفِ المغلوب على أمره.

بَيْدَ أنّه يُمْكن النظرُ إلى المسألةِ مِن زاويةٍ مُختلفةٍ تماماً. فالموظَّفُ يُنفِّذُ إجراءاتٍ ظالمة وغير قانونيّة، ترقى إلى السرقة الصريحة، مِن دون أنّ يُوَجِّه أحدٌ مُسدَّساً إلى رأسه. أي أنّ عدمَ امتثالِه للأوامر الجائرة بحقِّ غيره لن يؤدّي إلى موته؛ ولا إلى إصابته بأذيّة جسدية؛ ولا حتّى إلى تعرّضه لمُلاحقةٍ قانونيّة. إنّ عدمَ انصياعِه سيؤدّي فقط إلى خسارتِه عمله. وهو قَرَّرَ الانصياعَ، وتسهيلَ السَّطْوِ على ودائع جزءٍ كبير مِن الشعب، خوفاً على مصدر رزقه. بمعنى آخر، لقد قرّر تغليبَ مصلحته الخاصّة (حماية مصدر رزقه) على مصلحة المودِعين (حريّة تصرُّفِهم بأموالهم).

هذا قرارٌ يَسْهُلُ تَفَهُّمه نظراً إلى أنّ الغالبيّة الساحقة مِن البشر لا ريب في أنّها ستتَّبِع السلوك ذاته إذا ما وجدت نفسها في ظرفٍ مماثل. لكنّ ذلك لا يلغي أنّ الخيارَ الآخر: عدم الانصياع لأوامر غير قانونية ومُجحفة بحقّ غيره، يبقى مُتاحاً للموظِّف؛ واعتقادُه بعكس ذلك، أي أنّه مُرغَمٌ ولا حول ولا قوّة له، ليس سوى وَهْمٍ يُصوِّرُ له أنّه مُجرُّد أداةٍ بشريّةٍ مسلوبةِ الإرادةِ، ويُسَهِّلُ عليه اتخاذَ القرار الذي يتماشى مع مَصلحَتِه الخاصة. عليه، يُمكن التعاطفُ معه، لكن لا يمكن تبرِئَتُه وعدم تحميله أيّ مسؤوليّة.

يبقى أنّ مثل هذه التأمُّلات في الأخلاقِ، ودرجةِ المسؤوليّة، والقدرةِ على اتّخاذِ قرارٍ حرّ، غيرُ مُجديةٍ ولا صلة لها بالواقع. فهي لا تشغل بالَ مَن يَدْخلُ مصرفاً لسحب مبلغٍ مِن المال، أي لتحصيل حقّه، فيواجِهُه الموظَّفُ الصغيرُ بالرفض القاطع. ما يَصطدِم به المُودِعُ في هذه الحالةِ ليس إرادةَ المُوظَّف، وإنّما إرادة طبقةٍ اجتماعيّةٍ – الأوليغارشيّة الماليّة – مُتجسِّدةً في فَرْدٍ هو المُوظَّف، مثلما تتجَّسدُ إرادةُ دولةٍ تشُنّ حرباً في الجُنديّ الذي يُقاتِل على الجبهة الأماميّة. ومثل مَن لا تعنيه بتاتاً دواخِلُ هذا الجُنديِّ إذ يُبْصِرُه شاهراً سلاحه ومُتقدِّماً باتجاهه، فإنّ المُودِعَ لا يطرحُ على نفسه أسئلةً تتعلَّقُ بالمسؤوليةِ والقدرةِ على اتّخاذِ قرارٍ حرٍّ عندما يَرْفُض المُوَظَّفُ تسليمَه ماله.

فَهْمُ التفاعُل الذي يحصل في المصرف بين المُودِع والمُوَظِّف على أنّه تفاعُلٌ بين فردَيْن يتمتَّع كلاهما بإرادةٍ حرّةٍ إنّما هو فَهْمٌ خاطئ،
ذلك أنّه يُنحِّي العامِلَ الاجتماعيّ الأساس الذي يحكُمُ هذا التفاعلَ ويُؤَطِّرُه، ألا وهو الصراع الطبقيّ الذي انفجرَ مؤخَّراً حرباً تشنّها الطبقة الأوليغارشية مُمَثَّلةً بأصحاب المصارف، حرباً تهدُف إلى تحميل صغار المودِعين خسائرَ الأزمةِ الماليّة التي تسبَّبت بها الطبقة الأوليغارشيّة إيّاها. والقَوْلُ الذي يذهب إلى أنّ المواجهة ينبغي أن تكون مع أفراد هذه الطبقة قولٌ جميلٌ ولكن واهٍ، إذ أنّ الوصول إلى هؤلاء الأفراد الذين سُخِّرت أجهزةُ الدولة الأمنيّة والقضائيّة لحمايتهم، مُستحيلٌ في معظم الأحيان.

مَن يَدخل مصرفاً يجد نفسه على الجبهة الأماميّة لحربٍ أهليّةٍ طبقيّةٍ هو الطرفُ الأضعفُ فيها.
وأغلبُ الظنّ أنّه لن يُصادِفَ هناك لا صاحبَ المصرف ولا عضواً في مجلس إدارته، وإنمّا أدواتهما وجنودهما، أيّ الموظَّفين. ليس أمامه سوى خيارَيْن: إمّا أن يواجه الجنودَ لتحصيل ماله، وإما أن يعودَ أدراجه مُطأطأ الرأس. بالنسبة للمودِع الذي يَدْخُل بنك الموارد، فإنّ أوّلَ موظَّفٍ تقعُ عليه عيناه هو تَجَسُّدٌ لمروان خير الدين.

المصارف أشعلت حرباً أهلية

عمليّةُ سرقةٍ علنيّةٌ أطاح بشرعيّة الدولة كليّاً مُسوِّغاً لعصيانِ المواطنين ما يُسمّيه هوبز الحقّ الطبيعي والحالةُ الطبيعيّةُ، وفقاً لهوبز، مُطابقةٌ للحرب الأهليّة لقد فُسِخَ العقد الاجتماعي نحن الآن في حربٍ ضدّ المصارف

دولة المصارف الأمنية

غالبيّتها حسابات توطين معاشات هدّدت المودعين بإقفال أبوابها حربها الطبقية في ظل تعتيم إعلاميّ القنابل المسيلة للدموع والرصاص تكفّل به مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية الدولة هي المصارف يبدأ بإسقاط مصارفه