هندسات محاسبيّة جديدة لحماية المصارف

لا يعرف المصرفيّون معنى التريّث. فوجودهم في معركة إحصاء الخسائر يفرض عليهم حتماً الاستعداد لمرحلة توزيع هذه الخسائر، مع كلّ ما يرافق هذه الاستعدادات من مناورات محاسبيّة وماليّة يمكن أن تجري في الميزانيّات بعيداً عن أعين العامّة.

في الواقع، كان حاكم مصرف لبنان أوّل من فتح الباب أمام كل أشكال هذه المناورات، حين سمح للمصارف في بداية العام بإرجاء الإفصاحات الفصليّة عن وضعيّتها الماليّة، إلى حين صدور ميزانيّاتها المدقّقة. بمعنى آخر، لم يكن بإمكان الجمهور متابعة تطوّر أرقام القطاع المصرفي بشكل دوريّ، وهو ما سهّل على المصارف مهمّة إعادة تشكيل ميزانيّاتها بما يحمي مصالح المساهمين فيها.

آخر هذه المناورات بدأ منذ فترة قصيرة، حين اندفعت مجموعة من المصارف اللبنانيّة إلى إعادة تقييم محفظة موجوداتها العقاريّة، وخصوصاً تلك التي مضت فترة طويلة على شرائها. عمليّاً، لم تكن عمليّات إعادة التقييم هذه سوى استباقاً لـتعميم مرتقب من مصرف لبنان، يسمح للمصارف باستخدام الزيادة في قيمة العقارات بعد إعادة التقييم هذه لنفخ الرساميل، وهو ما يمكن أن يمثّل بدوره استباقاً لأي عمليّة يمكن أن تقتصّ من رساميل هذه المصارف أو مساهمات أصحابها.

تنصّ المادة الرابعة من التعميم على ما يلي:

يُقبَل ضمن الأموال الخاصّة الأساسيّة فئة الأسهم العاديّة 75% من ربح التحسين الناتج عن إعادة تخمين موجودات المصرف العقاريّة (أراضي وأبنية) المملوكة منه بكامل أسهمها، والموجودات العقاريّة المملوكة بكامل أسهامها من الشركات العقاريّة التي يساهم فيها هذا المصرف.

تحيلنا قراءة هذا البند إلى تصوّرات مذهلة لما يمكن أن تقوم به هذه المصارف. فالغالبيّة الساحقة من فروع المصارف ومراكزها الأساسيّة، والتي يبلغ عددها أكثر من ألف عقار، هي عمليّاً عقارات مملوكة من المصارف نفسها. وبينما تغاضت المصارف طوال السنوات الماضية عن إعادة تخمين هذه العقارات، لتفادي دفع الضرائب الناتجة عن أرباح ارتفاع قيمة التخمين، بات بإمكانها ببساطة مضاعفة قيمة هذه العقارات محاسبيّاً في دفاترها اليوم، خصوصاً لكون خبراء التخمين المصرفيين يعتمدون اليوم أسعار العقارات بالدولار المصرفي وليس الدولار النقدي. مع العلم أن التعميم لا يحتوي على أي آليّة لمراقبة عمليّة إعادة التخمين هذه من قبل طرف محايد، باستثناء الموافقة اللاحقة لمصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف.

عمليّة الانتفاخ في أصول المصارف، وتضاعف قيمتها، سيوازيها ووفقاً لأحكام المادّة نفسها انتفاخ موازٍ في الرساميل. وبذلك، يمكن القول إنّ المصارف ستكون قد استبقت بهذه العمليّة أيّ خطوة يمكن أن تقتصّ من رساميلها، فنفخ الرساميل سيسمح لها ببساطة بالتضحية لاحقاً بجزء من هذه الرساميل التي ضخّمتها بألاعيب محاسبيّة ودفتريّة، للقول بأن المصارف تحمّلت فعلاً جزءاً من الخسائر عبر تحميلها إلى بعض مساهمات أصحابها.

تعميم مصرف لبنان المرتقب، سيتمّ تسويقه إعلاميّاً بوصفه خطوة لإعادة تعويم المصارف ورسملتها، مع العلم أنّ جميع المتابعين لشؤون القطاع يدركون استحالة استقطاب أي رساميل نقديّة إلى القطاع، في ظلّ الانهيار الذي يشهده اليوم. وعمليّاً، من الواضح بحسب تفاصيل التعميم أنّ الكثير ممّا يتمّ الحديث عنه من إعادة رسملة ليس سوى عمليّات رسملة وهميّة، للإيحاء بأنّ أصحاب المصارف أعادوا بناء ميزانيّاتهم واستعدّوا لتحمّل بعض الخسائر.

أمّا أهم ما في الأمر، فهو فتح التعميم للكثير من أبواب التلاعب. فالتعميم استثنى من هذا التدبير مثلاً العقارات التي تم استملاكها من ضمانات المقترضين المتعثّرين، لكنّه سمح للمصارف بإعادة تخمين العقارات التابعة للشركات العقاريّة المملوكة منها. مع العلم أن الكثير من المصارف، ولأسباب قانونيّة، تعمد إلى تمليك جميع العقارات التي استحوذت عليها من ضمانات المقترضين إلى شركاتها العقاريّة، للتمتّع بهامش أوسع من الحريّة في التصرّف بها واستثمارها. وبذلك، يمكن القول إنّ صياغة هذا التعميم بكلّ تفاصيله جرت وفقاً لمصلحة المصارف قبل كلّ شيء.