واجهات المصارف وواجهات النظام

عاد ثوّار طرابلس وصيدا إلى الشارع وتوجّهوا نحو المصارف ليكسّروا واجهاتها. انزعج تحالف الحكم من الضجيج أثناء وليمته، فأرسل إليهم الجيش الذي قتل الشاب فوّاز السمّان، وجرح مئات من رفاقه.
 
شاهدنا المواجهة من داخل الحجر. هناك مَن تضامن مع الشهيد فوّاز والثوّار. وهناك من تعاطف مع الجيش في موقعه الحرج. وهناك أيضاً من تضامن مع هؤلاء وتعاطف مع ذاك في الآن نفسه.

أكمل الحكم وليمته بهدوء. ثمّ غادر المطبخ المصرفي مرتاحاً بأنّه لن يتعرّض لأيّ مضايقات. إذ عرف أنّنا انتقلنا من النقاش حول مسؤولية البنك المركزي (وحاكمه) في اغتيال الليرة، إلى النقاش حول مسؤولية الجيش (وقيادته) في قتل فوّاز فؤاد السمّان.

لطالما استغلّ الحكم العلاقة النوستالجية التي تربطنا كلبنانيّين بمؤسسات الدولة، والتي تذكّرنا بمعالم عصر لبنان الذهبي.

فكرّس مثلاً تأسيس البنك المركزي عام 1963 انتقال النظام المصرفي اللبناني من ماخور بلا قيود إلى العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، وصانع سمعة «سويسرا الشرق» التي ما زلنا نتباهى بها أمام الأجانب. انتهت هذه الأيام.
ولكن، كسائر الشعوب التي تترحّم في حاضرها التعيس على ماضيها المجيد، تطوّرت عندنا النوستالجيا إلى وهم يشبه وهم العجوز هافيشام في رواية آمال عظيمة التي تصرّ على لبس فستان عرسها الذي لم يحصل، متجاهلةً اهتراءه، مقتنعةً بأنّه يحافظ في طيّاته الممزّقة على جمال شبابها البعيد. مثل العجوز هافيشام، نتجاهل أنّ مؤسساتنا ممزّقة بين مصالح تحالف النظام. ونرفض الاعتراف بأنها تحوّلت إلى واجهات يحتمي وراءها ليغطّي ارتكاباته بمظهر الشرعية.

مؤسساتٌ كان دورها الأصلي خدمة المواطن، حوّلها النظام إلى آليات تنهب المال العام، وتوزّع الغنائم على من يدعمه، وتقمع من يسائله. 

عندما انهارت الليرة اللبنانية وأغرقت معها أرزاق شعب برمّته (باستثناء أهل الحكم طبعاً)، ضِعنا في متاهات التحليل بحثاً عن الأسباب. فضّلنا أن يكون سبب الكارثة أخطاء قام بها رياض سلامة لكثرة ذكائه، هندسات مالية لـex ميريل لينش لبناني أهمّ من أن يؤمَر. أضعنا وقتنا في نقاشات بلا قيمة قبل أن نستوعب أنّ الحاكم بأمر الليرة متواطئ مع سلطة حوّلت البنك المركزي إلى دكّانها. 

يجب ألا نقع في المتاهات نفسها لنكشف عن المسؤول عن مقتل فوّاز فؤاد السّمان.

فالمؤسّسة العسكرية لا تختلف من هذا المنطلق عن البنك المركزي، عند تحديد مسؤوليتها المشتركة مع (وبالنيابة عن) التحالف الميليشيوي المخابراتي الذي يتحكّم بها.

ومن السذاجة اليوم التشبّث بالصورة الفولكلورية لجيش حامٍ للوطن والسلم الأهلي، عندما نرى هذا الأخير يقتل في طرابلس ويعذّب في صيدا ثمّ يدّعي العفّة على الشاشات. 

كفانا أملاً بأنّ الحلّ لأزماتنا المتراكمة هي مؤسّسات خاضعة لسلطة مصالحها المتضاربة تماماً مع مصلحة الشعب. طالما بقيت هذه المؤسسات بيد هذه السلطة، ستبقى واجهاتٍ لدكاكين الفساد والقتل. لتحريرها، علينا مواجهة السلطة ككلّ، بدءًا برفض شرعية أيّ مؤسسة تنفّذ أوامر مَن رفضهم الشعب. علينا فكّ عقدة «الجيش خطّ أحمر» عندما يغطّي هذا الأخير خط العودة إلى الوطن بدماء الثوّار.

الحلّ ليس في المؤسّسات. فهي بلا أي قيمة أو شرعية إن لم تكُن في خدمة الشعب. متى واجهتْه، تحوّلت إلى مجرّد واجهات للفساد والقمع. واجهات كتلك التي حطّمها ثوّار صيدا وطرابلس.