وباء المبشِّرين ونصائحهم

تتفشّى، مع الكورونا، ظاهرة تعيير العاجزين عن «الاستفادة من وقتهم» في الحجر. نرى متحذلقين يتباهون بإنجازاتهم اليومية من داخل منازلهم ويذكّروننا بإنجازات نيوتن وغيره عندما حُجروا.

– وأنتم؟ ماذا فعلتم اليوم؟
– لا تتحجّجوا، لا شيء يمنعكم من الإنجاز غير كسلكم.

حتى لو وضعنا جانباً الظروف المنزليّة وغيرها ممّا يتجاهله هؤلاء، والتي تطال الفئات المهمّشة أكثر من غيرها، يبقى خطابهم خطاباً سامّاً. وهذا ما أعرفه جيّداً لأنّي أمضيتُ فترةً طويلةً لم أكن فيها «ضعيف الإرادة» فحسب، بل عديم الإرادة أيضاً.


منذ سنة تقريباً، خرجتُ من حالة انهيار نفسيّ مديدة، من الصعب تحديد بدايتها ونهايتها بدقّة، لكنّها استمرّت عدّة أعوام. في تلك الفترة، عشتُ إلى حدٍّ بعيد ما يبدو اليوم سائداً مع تفشّي الكورونا. كان الهلع لي عادة، وكثيراً ما تمنّيت لنفسي الغيبوبة.

«شدّ حالك»، كانت عبرة معظم الكلام الذي خُوطِبتُ به، ولو بتمويهٍ في الكثير من الأحيان. وجدتُ شبه إجماع حول هذه النصيحة التي نادراً ما كانت مطلوبة، بين الخبراء الذين لم يعرفوني لأكثر من بضعة دقائق، والأساتذة والمدراء الذين لم يستفسروا أصلاً، وبعض الأقرباء المؤمنين «بالحبّ القاسي».

اقترح عليّ جميع المبشّرين الحلول البديهيّة نفسها، ربّما ظنّاً منهم أنّني أجهلها رغم أنّي كنتُ قد حفظتُها جيّداً: أكتبْ خطّةً وطبّقْها، حَسِّن أكلك، امتنعْ عن الموادّ السامّة، نام بكّير وفيق بكّير وشوف النفسيّة كيف بتصير…

أرجّح أن تكون غالبيّة المبشِّرين الذين أكرموني بتلك النصائح ممّن يعلمون جيداً أنّهم لم يقدّموا لي شيئاً جديداً بنصائحهم. لم يقتنعوا أنّني كنتُ عاجزاً عن تطبيقها أصلاً. فقد كنتُ الفتى المدلَّل والمغرور وعديم المسؤولية، واحداً من أولئك الذين أطلقوا عليهم في زمن الكورونا صفة الـ«بلا مخّ». لم يُعِب المعنيّون عليّ ذلك بما يكفي. وكانت غاية إظهارهم بساطةَ الحلول تعويضاً عن النقص من الخزي الذي شكّل أساس معاناتي، كي «إنقبر إستحي عحالي».


لا أدري إن كان أولئك التبشيريّون واعين لهذه المسألة. لكن غالباً ما كان الفخر بادياً على وجوههم وهم يبشّرون، كأنّما كانوا يستلذّون بالتشامخ. وربّما ترافق ذلك مع شعور بالإحسان أيضاً. سواء أدركوا ذلك أم لا، كان السعي لمتعة التشامخ هذه دافعاً أساسياً لتكرار خطابهم المتعالي.

فكسائر «ضعفاء الإرادة»، أي العاجزين عن المضيّ في إنجاز واجباتهم بسبب الاكتئاب أو القلق، لم أكن أعاني من نقصٍ في الخزي يمنعني من العمل. العكس تماماً هو الصحيح، الخزي الذي كان يطاردني في كل زمان ومكان هو الذي غذّى الاكتئاب والقلق، إن لم يكن أساسهما.

كان تعييري، خاصّةً بـ«ضعف إرادتي»، أساسياً في تنامي خجلي من نفسي. ولم أجد بعض قوّة الإرادة إلا بعد خلاصي من بعض هلعي ويأسي الذي كان مرهوناً باستعادتي للقليل من عزّة النفس. كان هذا الخلاص بفضل لطف من تفهّموا عجزي وأكّدوا دعمهم لي وأقنعوني أنني لست كسولاً وضعيفاً، وأنّه لا بدّ من مرور الغيمة السوداء.

أما المعيبون، فهم ليسوا إلّا متنمّرين مُقنَّعين. تدفعهم لذّةٌ ساديّةٌ إلى ارتكاب فعلتهم. يبحثون عن فريسة ضعيفة تصعب عليها مقاومة المفترس، وتصاب بالألم بسهولة. لا تأتي لذّة المتنمّرين من تحقيق غايتهم فحسب، بل تزداد ساديّةً مع ازدياد الألم. المتنمّرون المقنَّعون هم الأخبث لأنّ ضحاياهم غالباً ما يرون في خطابهم السامّ الحقيقة المرّة عن أنفسهم التي يُخفيها الآخرون عنهم.

بطريقةٍ ما، يشبه خطابهم الوباء نفسه. يرون فيه فرصةً للنموّ الذاتي، كما ينمو الفيروس داخل أجسادنا.

مجيء العقاب وسُبُل الخلاص في زمن الوباء

برفض جزء من الجمهور المتديّن لقرارات سلطته الدينية يفسح هذا المجال للكلام عن التعامل الأداتيّ للسلطة الدينية مع تديّن الناس وأولويّاتها السياسية أمّا في الحالة المسيحية الأرثوذكسية، فيتمّ تصوير الكورونا على أنّها جائحة تثبت بأنّ الربّ «يمتحننا في إيماننا»

خيارتان في مغارة السماجة: شاشات التحريض على الاغتصاب

فكفكة سبب الإضحاك في «كوميديا» وسام سعد هو يعطينا أسباباً أخرى للمكوث في البيوت غير الكورونا: تهديدنا باغتصابنا إن خرجنا لم يفُت القناة أن تروّج لشخصيّة الإعلامي الماتشو، فهو شجاع في سماجته مرّتين تبعاً لمنطقه إذاً، هو لا يعتبر أبا طلال آدميّاً