وراثة الطائف

بعدما نعى «الدولة» اللبنانية، أطلّ البروفيسور مجدّدًا، في خطاب «سياديّ» هذه المرّة، ليطلق معركة مقاومة «الارتهان» للخارج، معلنًا تعليق سداد استحقاق 9 آذار من اليوروبوند.

لم يشكّل القرار مفاجأة، رغم وقار البروفيسور المستجدّ، لكون الدولة مفلسة وغير قادرة على تسديد ديونها أصلًا. فمهما غلّف رئيس الوزراء هذا القرار بادّعاءات سياديّة أو اجتماعيّة، فهذا لن يغيرّ من حقيقة أنّه الإعلان الرسمي عن إفلاس الدولة، بعد إعلان وفاتها الأسبوع الفائت.

بيد أنّ اللافت في خطاب البروفيسور هو تحميل القطاع المصرفي المسؤولية الأكبر عن الأزمة الحالية، مهدِّدًا بضرورة إعادة هيكلته وتنظيم علاقته بعملائه. فإعلان الوفاة والإفلاس أطلق معركة وراثة نطام الطائف، معركةً بدأت بانقسامٍ سياسيّ حادّ وتُستكمَل اليوم بتدهْوُر العلاقة بين القطاع المصرفي، وهو القطاع الذي أمّن الركيزة المالية لهذا النظام، وجزء من الطبقة السياسية.

هذا التحوّل في صورة المصارف التي بقيت خارج دائرة النقد لعقود، يُعتبر أحد إنجازات الثورة التي وجّهت اعتراضها باكرًا نحو هذا القطاع ودوره في الانهيار الحالي، بعدما نبذت الطبقة السياسية.

فتوجيه أسهم النقد من قبل الحكومة إلى القطاع المصرفي خطوة في الاتجاه الصحيح، وإن كانت غير كافية لجهة عدم تضمّنها أي خطة واضحة لحماية صغار المودعين أو تصوّراً واضحاً للتفاوض على إعادة هيكلة أو جدولة الدين العام.

كما أنّ هذه الخطوة لم تقدّم أي تصوّر للإصلاحات المطلوبة يكسر مع معايير النيوليبرالية وسياسات التقشّف والسوق، وهي معايير يشترك بها صندوق النقد الدولي وجيوش التكنوقراط التي تحاصر أي تصوّر جديد للإصلاح.


بدأت إذاً معركة وراثة نظام الطائف، وأخذت منحىً اقتصادياً.
فنطق البروفيسور كاقتصادي يساريّ ينتقد سياسات الحكومات السابقة (التي شاركت فيها معظم القوى السياسية التي تقف وراء الحكومة الحالية)، مطالبًا بالابتعاد عن نموذج الاقتصاد الريعيّ (باللحظة ذاتها التي يحتفل بها رئيسه بدخول لبنان إلى نادي الدول النفطية) من أجل اقتصاد منتج. وهذا الخط «الاقتصادي» الفاصل بين فَيْلَقَيْن من الطبقة السياسية ليس بجديد. فهو تكرار بمكان ما لتجربة إميل لحود في أواخر تسعينات القرن الفائت، وإن كان يحدث هذه المرّة في ظلّ أزمةٍ خانقة.

يمكن اعتبار الانقسام ضمن التحالف الحاكم إنجازًا آخر للثورة، يضعف قدرة هذا التحالف على التماسك في وجه الاعتراض المتزايد. ولكنّ ثمن هذا الإنجاز هو سقوط المقولات الجامعة التي طوّرتها الثورة، كفكرة «النظام» كجسم متجانس أو شعار «كلن يعني كلن»، والذي لا يلحظ نقاط الخلاف الداخلي لـ«كلّن».

كما أنّ هذا الانقسام يفتح المجال أمام مقولات أخرى، أطلقتها بعض أطياف الثورة، لتبرير تحالفات مع أجزاء من السلطة تحت شعار محاربة المصارف. الخطر هنا هو تحويل الثورة، أو جزء منها، إلى مجرّد سلاح في يد بعض أحزاب السلطة لاستخدامها في معركة الوراثة هذه.


أن تصبح المصارف هدفًا للانتقاد الشعبي والرسمي هو إنجازٌ حقّقتْه الثورة في «ليالي المصارف»، إنجازٌ مفاده دخول النقد الاقتصادي والاجتماعي إلى وسط النقاش العام. ولكن لعدم استغلال هذا النقد وتحويله لمجرّد دعاية في أيدي أحزاب السلطة وحكومتهم الحالية، ينبغي على هذا النقد أن ينطلق من الموقف الرافض للسلطة السياسية الراهنة، لا أن يشكّل عودةً عن هذا الموقف، عودة تردّنا إلى اصطفافات الماضي التي ما زالت تؤمن بقدرة بعض أطياف السلطة على حمل برنامج تقدّمي.

المطلوب اليوم التفكير بمشروع سياسيّ يستطيع حمل هذا النقد الاجتماعي، من دون الوقوع في عموميات «كلن يعني كلن» أو تنظيرات أخرى، تنتهي بنا كـ«تكنوقراطيّين يساريّين» عند أحزاب السلطة.

بكلام آخر، المطلوب مشروعٌ سياسيٌّ يمكن أن يؤسّس لمعركة وراثة نظام الجمهورية الثانية، يشكّل أكثر من حصر إرثٍ بين أحزاب النادي الواحد.