وزير التربية يكشف المحظور


تُسَجَّل لوزير التربية في حكومة تصريف الأعمال، طارق المجذوب، مداخلاته الأخيرة على برنامج «يسقط حكم الفاسد» على قناة الجديد. طبعاً، هذا لا يغيّر شيئاً من الموقف المضاد لحكومة حسّان دياب، حكومة المصارف والدُّمى وشراء الوقت. إنّما يتوجّب علينا إعطاء كل ذي حقّ حقّه.

لا أعرف الكثير عن الوزير، ولا عن خلفيّاته السياسيّة أو المحفّزات التي جعلته يعلن الحرب في وزارته علانيّةً (ثقتنا بمؤسّسات الدولة وإدارييّها معدومة لدرجة أنّنا بتنا نبحث عن المبرّر الذي قد يكون دفع الوزير للقيام بواجباته!). لكن لا يهم الدافع، في هذه الحالة، بقدر ما تهمّ الخلاصة.

الخلاصة، وعمليّاً، لم يتحقّق شيء. كانت الحدود في كشف الملفّات فقط، دون تحسين الشروط أو تحقيق تقدّم في مجال السياسة التعليمية والتربوية. لكن تصحّ أن تكون هذه الحلقة بمثابة «دروس وعِبَر» حول نقاطٍ أربع:

أوّلاً،
على المستوى القاعدي، يتبيّن أنّ الحركة الطلابيّة، تحديداً في الجامعة اللبنانية، كانت فعلاً البوصلة، وكانت هي الحريص الأوّل على حسن سير الجامعة. إذ أنّ الملفات التي عارضها الطلّاب وتظاهروا ضدّها، وهوجِموا بسببها من قِبل الإدارة ومجالس الفروع غير الشرعية، تبيّن حقّاً أنّ فيها شوائب. والمثال الأبرز هو العقد مع شركة «دنش» التي اعترك الطلّاب معها في غير مرّة بسبب فسادها وسوء تأديتها لعملها في مجمّع الحدث، والتي تبيّن مثلاً حسب ما عرضه الوزير أنّها حصلت على مبلغ 2.5 مليون دولار بدل أتعاب لأعمالٍ لم تنجزها. رفض وزير التربية توقيع العقد، ثم رفعه إلى مجلس الوزراء، ووافق المجلس.

ثانياً،
على المستوى الإداري، تؤكّد المقابلة المؤكّد: ضرورة تنحية فؤاد أيّوب من مهامه في رئاسة الجامعة اللبنانية. تسأل ليال بو موسى:

  • هل يحقّ لرئيس الجامعة أن يرفض قرار وزير؟
  • فيجيب الوزير: صراحة؟ بما استعرضته في الوزارة، وما عرضته من قرارات: كلا. لكن، بما أنّني لست وزيراً مسَيّساً، يستقوون عليّ، على ما يبدو.
  • هل لأنّه رئيس مدعوم سياسياً؟ يستقوي بمن يدعمه؟
  • أكيد.

 

في أي بلد يكون هذا المنطق مقبولاً؟ الكلام الذي عُرض، على قلّته، كفيل بتعيين رئيس جديد للجامعة اللبنانيّة. أضف إلى ذلك إشكاليّات ملف التفرّغ، وغيره؛ فماذا فعل رئيس الجامعة؟ فرض على الطلاب تعهّداً يمنعهم من التعبير عن آرائهم على شبكات التواصل الاجتماعي حفاظاً على سمعة الجامعة. فأين سمعة الجامعة من تجاوزاتك يا أيّوب؟

ثالثاً،
على المستوى الإداري- السياسي، العبرة في أنّ وزيراً لوحده، مهما بلغ من نظافة الكفّ والاستقلاليّة عن المنظومة، سيبلغ في نهاية المطاف حائطاً مسدوداً. وهذا بذاته مدخل للتفكّر بالشعارات المطروحة، لا سيّما تلك التي ترى في أنّ حل الأزمة سيكون بالإتيان بوزراء «نضاف»، أو كذلك الشعارات التي تقول بإنشاء حكومة هجينة بين قوى السلطة وقوى الانتفاضة.

رابعاً،
على المستوى السياسي: قوّة ما يُسمّى «شبكة العلاقات الزبائنيّة». طيلة الحلقة، يشرح الوزير معاناته مع عرقلة مطالبه، من قبل موظّفي الوزارة أنفسهم، فقط لأنّها لا تراعي الجهة السياسيّة التي وظّفتهم. كما يشكو ممّا ورثه من تعييناتٍ طائفيّة وتحاصصيّة قام بها أسلافه، وصعوبة التخلّص منها.

هذا النمط من العلاقات، هو ما جاهدت أحزاب السلطة ثلاثة عقود لإرسائه. فإذا كانت العلّة في هذه الشبكة الزبائنيّة، فالحلّ هو في إلغائها. لكنّ ذلك لا يتمّ لا عبر انتخاباتٍ نيابيةٍ مبكرة، ولا عبر وزيرٍ نظيف، بل بإرساء شبكة علاقات نقيضة لها. شبكة علاقات شعبيّة. ولا يمر ذلك إلّا بكسر الشبكة الزبائنيّة. هنا تحديداً، يجب أن نفكّر و«نكسّر راسنا» لحل هذا التناقض الذي يمهّد لحل الأزمة، أو بالأحرى الحدّ من تداعياتها. فأين المدخل إلى هذه الشبكة؟