وكأنّ 17 تشرين الأوّل لم يكُنْ

في مُستهَلّ جلسة مناقشة الموازنة، تبنّى حسّان دياب بكلماتٍ مقتضبة مشروع قانون الموازنة الذي أعدّته حكومة سعد الحريري كما هو، باصماً بذلك على الصكّ التشريعي الأهمّ الذي ستُنفِق وتجبي بموجبه حكومتُه على مدى السنة المقبلة. تابع دياب الجلسة بصمت، مكتوف اليدين، دون أن يتكلّف حتّى عناء إبداء الرأي في أيٍّ من بنود الموازنة المطروحة للنقاش، والتي ستشكّل أهمّ عناصر السياسة الماليّة لحكومته المقبلة. بكلماته المعدودة وصمته طوال الجلسة، ورث دياب ببساطة الرؤية الماليّة للحكومة السابقة.

كان من الممكن تفهّم صمت دياب، وتسامحه مع موازنة الأمر الواقع، لولا أنّ دياب نفسه كان قد سمّى حكومته فريق عمل الإنقاذ الذي جاء ليعبّر عن تطلّعات المعتصمين على مساحة الوطن، وهي العبارات التي تذرّع بها البعض للمطالبة بإعطاء دياب فرصةً للعمل. وفي أوّل فرصة كهذه، ظهر رئيس فريق عمل الإنقاذ كواجهة تكنوقراطيّة للنهج المالي والاقتصادي نفسه للحكومة السابقة. علماً أنّ عدم نيل الحكومة الثقة حتّى الآن لا يمنع دياب من التعبير عن رأيه في موازنة تعبّر عن سياسات حكومة أسقطتْها ثورة 17 تشرين الأوّل في الشارع.


لم يكن على المتابعين انتظار هذه المناسبة للتأكّد من أنّ توجّهات الحكومة المقبلة لن تكون سوى إعادة تدوير لنفس التوجّهات السابقة من ناحية السياسات الماليّة والإقتصاديّة. فوزير الماليّة الجديد مثلاً، ليس سوى الخبير الاقتصادي الذي تنقّل بين وسائل الإعلام في بدايات الثورة للتسويق للورقة الإصلاحيّة التي أعلنت عنها حكومة الحريري في ذلك الوقت، لكونها تلبّي مطالب سيدر ووكالات التصنيف والدول المانحة.
ليس وزير الماليّة الجديد إلا المستشار السابق للجنة المال والموازنة النيابيّة، ناهيك بكونه أيضاً المستشار الاقتصادي الخاص برئيس مجلس النوّاب. وهو يشكّل بذلك نموذجاً لظاهرة توزير المستشارين التي تكرّرت في هذه الحكومة، مع العلم أنّ هؤلاء المستشارين أنفسهم كانوا مسؤولين طوال السنوات السابقة عن صياغة ومتابعة سياسات الأحزاب التي عملوا فيها أو معها.

أمّا ما تميّزت به الحكومة الجديدة عن سابقاتها، فكان عدد المُنغمِسين في شبكة المصالح المصرفيّة، وهو ما يدلّ بوضوح على نوعيّة المنافع التي ستقوم الحكومة بحماياتها. ففي صفوف الوزراء، كما بات معروفاً، مديرٌ تنفيذيّ في أحد المصارف اللبنانيّة، وهو نفسه شريك مع أبناء جميل السيّد في ملكيّة مصرف قبرصي. كما تضم الحكومة عضو مجلس إدارة مصرف لبناني آخر، وحتّى وزير الداخليّة والبلديّات- المقرّب بدوره من جميل السيّد- عمل في السنوات الماضية مستشاراً أمنيّاً لمجلس إدارة مصرف لبناني.


تعلم القوى السياسيّة التي أنتجت حكومة دياب أنّ ذهابها باتّجاه تشكيل حكومة لونٍ واحد من حزب الله وحلفائه، سيقلّل من حجم الدعم المالي الدولي الذي راهن الحريري في السابق على تأمينه لحماية النظام المالي اللبناني ومصالح الفئات النافذة فيه. ربّما، لذلك، اندفعتْ هذه القوى إلى تعزيز تمثيل الفئات النافذة ماليّاً، والتي تملك ما يكفي من خبراتٍ وعلاقاتٍ لمحاولة إنعاش النموذج الاقتصادي، أو على الأقلّ تأجيل سقوطه النهائي، وفق أساليب الحكومات السابقة ورهاناتها نفسها.

هكذا، ستتأثّر السياسات الاقتصاديّة المقبلة بعاملَيْن متوازيَيْن: عامل الاستمرار في التوجّهات السابقة من خلال توزير المستشارين والأخصّائيين الذين أشرفوا على صياغة وتسويق السياسات الرسميّة في السابق، وعامل تعزيز تمثيل مصالح القطاع المصرفي والنخبة الماليّة لتأمين ما يلزم من دعم للنموذج الاقتصادي المُتهالِك. وبينما تحاول القوى السياسيّة التي شكّلت الحكومة حماية نفوذها السياسي من خلال العامل الأوّل، تحاول في الوقت نفسه تفادي سقوط النموذج الاقتصادي الكامل وتأجيل البحث عن البدائل من خلال العامل الثاني.

وبين هذا وذاك، تتصرّف هذه القوى ومعها حسّان دياب وكأنّ 17 تشرين الأوّل لم يكن!