يبدو إنّو هيك شكله

يبدو أنّ شكله هكذا، العصيان المدني.

يتلاءم تزامنه مع أجواء عطلة نهاية الأسبوع، ولكنّ الناس فرضوا بدءها فجأةً منذ يوم الخميس.

الشوارع العريضة كلها مقطوعة، الأوتوسترادات بين المحافظات والمدن مقطوعة، من دون تدخّل إسرائيل لقطعها بالقصف. هي اليوم مقطوعة بحلقات الدبكة، بمسبح بلاستيكي يتشمس فيه شاب، بكومة تراب وحديد، بدولاب محروق… بالنتيجة: مقطوعة.


الشوارع الداخلية لها شروطها. مستوعبات النفايات مرمية ومحروقة، تفرض على كلّ سيارة تعبر داخل شوارع المدينة اعترافاً بأنّ شيئاً ما يجري واعترافاً بأسباب ما يجري. صعوبة المرور الهادئ بين الأجسام الحديدية التي لا تزال تتصاعد منها رائحة حريق تبدو كترجمة حرفية لصعوبات العيش. ليست تظاهرةً كالتي تحدث في الساحة بينما الحياة تسير معتادةً خارجها. مرّ، مرّي، ولكن بعد تسجيل حالة الإعتراض.

المستوعبات محروقة والشركة لا تلم الزبالة، ولكن بقدرة قادر تبدو الشوارع ممكنة وواضحة، فعلياً لا مجازياً. فيها نظافة خارج مواقع المستوعبات: بقعة محروقة، ثم بقية الشارع نظيفة. ربما لانها لا تُستعمَل كثيراً منذ الخميس، ومعظم روادها في بيروت يستعملونها إما ذهاباً إلى أو اياباً من إحدى الساحتين. من مختلف الأعمار والطبقات والأذواق وبوضوح الفوارق، يختارون وقتاً من النهار يقضونه هناك.


الوظائف مقفلة، المصارف مقفلة، الشوارع مقفلة، المدارس مقفلة، والمحال الصغيرة تسيّر الحياة في الأحياء فلا نعاني وطأة انقطاع فعليّ لشيء، حتى معظم الدليڤري شغّال.

الحياة معلّقة في لبنان، كامل لبنان. والشاشات تنقل تعليقها هذا مباشرةً على الهواء. في الصورة، في السردية، وفي الواقع، الخبر الوحيد في البلد هو تعليق الحياة في البلد، وبفعل فاعل.

كبار الدولة وعظماء التاريخ يخطبون في الناس تباعاً. وكأنهم عطسةٌ في الهواء. من صور والنبطية إلى طرابلس مروراً بجونيه وجبيل، يُمنحون وقت الإصغاء والمتابعة، ليتلقّوا بعده ردوداً مباشرة من كلّ فم ولكلّ سبب، بلا تنسيقٍ مباشر لكن بقوة تنسيق العيش هنا. اعتقد النظام أن الناس مقتنعون بأنهم مختلفون جينياً، بينما الناس يلاحقون مصالحهم، والأيام تصعّبها. الخنادق تحت الزعامات المزمنة باتت غير مقنعة، والخطاب مستمر في فرض الولاء وكأنه غير مطالب بمصلحةٍ مقابل الولاء. أسقط مسؤولياته تجاههم فنزلوا إلى الشارع ليُسقطوه. نفض الناس عنهم ثلاثة خطابات وأكثر من تلك التي كانت تصنع حديث البلد ليوم أو أكثر. ونفضوا معها الهجوم الأمني الرسميّ، ثم هجوم ميليشيات النظام في صور. لقد نفضوا النظام عنهم.


سؤال الـ«أما بعد» سقط بدوره عن الناس. ندرك جميعاً عمق الأزمة وصعوبة أي حلّ. لا نريدهم ولا وجود راهناً لسواهم. أخطبوط يمتلك كافة أوجه الدولة، الأمن، البزنس، المال… والناس يعرفون. ولذلك، لن نتشاجر حول «الخطة». أساساً، من سيطبقها، مهما كانت هذه الخطة؟ لم يذهبوا في خيالٍ لاجتراح الحلول، مثلما حصل مع ناشطي/ات حراك 2015. ربما لأن المتظاهرين/ات حينها كانوا يقعون اجتماعياً بقرب الأدوار الرسمية، فكان يسهل توريطهم بمسؤولية «حلّ أزمة النفايات» (الذي لم نصدفه بعد). ناس اليوم هم الشعب العريض، والشعب يعرف أنه ليس الدولة. لها موقعها وله موقعه. ليست وظيفته أن يحلّ محلها، ولا وظيفتها أن تحلّ محله. ولذلك، كمّ الاسئلة النقدية من إعلام السلطة حول الأمّا بعد، قضى الناس عليه من أول يوم بمسبّة، بنكتة، بسخرية، لا أكثر. ولم يدخلوا في بوتقة وجودية لاجتراح الحلّ، وبالتالي تقسيم الهتاف والمطلب والشارع.


إذاً، شو صار عنّا؟

الوظائف مقفلة، الشعب في الشارع، الدولة خارج السياق، والإعلام يروي قصص الساحات، والساحات غير معنيّة باختراع «الأما بعد»، فهي تَصنع «الآن».

يبدو أنّ هذا شكلٌ من أشكال «العصيان المدني» الذي كنا نسمع عنه ولم نعرفه في حياتنا هنا.

وإذا بادر «المدني» للعصيان، فهذا لا يعني أننا كمختلفين رمينا اختلافاتنا وأصبحنا كائنات جديدة، وإنما يعني أننا شعرنا بجسمنا «المدنيّ» للمرة الأولى بعد الحرب.

لقد عرفنا امتدادنا كأصحاب مصالح مشتركة، وتذوّقنا لذّته.

مكسبٌ وقد تحقّق، مهما كانت التتمّات.

الاقتراح كفعلٍ سياسي

لكنّ «الاقتراح» قد يكون، في خروجه عن حدود الممكن، هو المطلوب اليوم: اقتراحات قد تفرز، واقتراحات قد تزعج، واقتراحات قد تنقلنا من لحظة «الثورة» الجامعة إلى لحظة الفرز السياسي…

من أزمة النظام إلى أزمة معارضيه

رسم حدود فاصلة بين قوى المعارضة نفسها النزعة الإصلاحية حركة إسقاط النظام الطائفي حصرها بقانون انتخابات جديد مالت لناحية حزب الله انعكست الانتخابات هزائم تتصدّر المشهد في ساحة رياض الصلح تأسيس جبهة سياسيّة مستقلّة متجانسة