يلعن أبو الخوف

لبنان جمهورية خوف.
قد تبدو استعارة هذه العبارة في السياق اللبناني غريبة للوهلة الأولى. فالعبارة استخدمت للدلالة على آليات عمل الأنظمة العربية التي روّعت مواطنيها وتغلغلت أجهزتها الأمنية في المجالات العامة والمجالس الخاصة. لبنان، حتى إشعار آخر، ليس دولة لكل مواطنٍ ملفّ. ولا تحتلّ ساحاته أصنامٌ فولاذية ضخمة للأب القائد. لا يمكن تخليد انكسار حاجز الخوف في لبنان بعدسات تلتقط مشهد الإسقاط الجماعي لتمثال صدام حسين أو دحرجة رأس حافظ الأسد.

لا وجه للخوف في لبنان، بل رائحة تُغرق البلاد وتقسمها. تشمّها رأساً عندما يرفض سائق إجرة أن يقلّك من منطقة إلى أخرى. تشمّها عندما يفرز أحد من معارفك بين المناطق التي لا يرتاح ارتيادها بالمطلق، وتلك التي لا بأس بالمرور بها خلال النهار فقط. تلتصق جغرافيا الخوف الموروثة عن حروبنا الأهلية بجلدنا الذي يفرز تلك الرائحة ما إن يخرج عن منطقة الأمان. تفرزه أيضاً المجالس البلدية عندما تأخذ قرارات بمنع اللاجئين السوريين من التجوّل في قراها ليلاً. شاركنا سلطة الحرب الأهلية طويلاً عملية صناعة الخوف الذي التهمنا وزاد من عنصريتنا. كانت النتيجة تقلُّص قدرتنا على تخيّل عالم لا يرتكز إلى عقد الحماية مقابل الطاعة.


أخذ العهد صناعة الخوف إلى حدّها الأقصى. العونية السياسية بالأخص هي الدرجة صفر من السياسة. لا تنم ممارستها عن أي مسعى لخلق مساحات مشتركة تتقبل الاختلاف. يمكن تلخيصها بمعادلة تخويف زائد عجرفة ذكورية:

شدّ العصب المذهبي من خلال التخويف الدائم من استيلاء المسلمين على الدولة وتنطّحهم لمهمة إعادة التوازن المذهبي من مأموري الأحراج إلى صلاحيات رئيس الجمهورية.

تخويف المسيحيين اللبنانيين من السنّة اللبنانيين والأكثرية السنّية العربية والسعي إلى اقناعهم بحلف الأقليات كحماية لهم.

السعي إلى الحد من الاختلاط ما بين اللبنانيين (رفض بلدية الحدت تأجير المسلمين).

التهويل من اللاجئين السوريين والفلسطينيين والافتخار بالعنصرية اللبنانية.

ذكورية بلا حدود (جبران باسيل/ كارولين زيادة، غسان عطاالله/ بولا يعقوبيان)

تحويل المثلية الجنسية إلى تهمة (شربل خليل)
أبلسة الموسيقى (ناجي حايك/ مشروع ليلى)

يصعب على من تابع ممارسات العهد أن يقتنع بخطاب الرئيس الثاني. مصداقية عون الذي يريد إرساء أسس الدولة المدنية توازي مصداقية الحريري الذي يريد إصلاح الاقتصاد. صفر مصداقية، في الحالتين. يبدو وكأن تقسيم العمل بين أركان السلطة أسند إلى عون دور بيّ الكلّ العطوف، الذي يقدّم جزرة الإصلاحات، بينما يلوّح برّي- نصرالله بعصا الحرب الأهلية.

صناعة الخوف هي الثورة المضادة. رافق التهويل الانتفاضات منذ البداية: الخوف من المجهول، من الانهيار المالي، من المؤامرة، من السفارات، من التمويل المشبوه، من المخدرات، من خطف مطالب الشعب المحقة، من ركوب موجة الاعتصامات، من فقدان الأدوية من المستشفيات، من انقسام الشارع.


الثورة هي التغلّب على صناعة الخوف التي تتقنها السلطة، ونعيد إنتاجها في حياتنا اليومية. شعارات يلعن أبو الخوف وثورة على خوفنا المرشوشة على جدران بيروت تكثّف الفكرة: صراعنا ضدّ السلطة هو أيضاً صراع تحرّر ذاتي.

تذمّرنا طويلاً من مربّعاتهم الأمنية، من دون الانتباه أننا حجزنا أنفسنا في مربعات أمنية بملء إرادتنا. الاعتصام في الساحات وقطع الطرق والنقاشات في الخيم والانتقال بين المناطق، كلها ممارسات تحرّرنا من سطوة الخوف الذي حجّر قلوبنا وأسرنا في إحباط مزمن. هي تمارين على الحبّ والفرح الثوري، على استعادة مدننا وجسورنا وعلى إعادة تشكيل الروابط السياسية التي تجمعنا، كما فعل وفد جل الديب الذي شارك في اعتصام ساحة النور في طرابلس. الخروج من الساحات الآن هو بداية العودة الطوعية إلى منازل الإذعان المسيّجة التي ثرنا عليها.

لم تكتفِ الثورة باسترجاع الأمكنة، بل احتلّت الزمن أيضاً. استعادت الليل الذي لطالما كان صنو الفزع وحواجز القوى الأمنية الساهرة على سلامتكم وأمن الوطن، وشرعت بشطب الخوف من سجل النفوس.

المصارف وجدت الحلّ: الضغط الأخلاقي

المشهد في البنوك والإجراءات غير رسمية زبائنه بحسب أموالهم بتفادي الانهيار رغم الضغط أيّ صدمة إيجابية الاحتياطي الآخذ بالنفاد بوقف التصويب على الحاكم واشترى بعض الوقت

دفاعاً عن الشتيمة

«محنًا» لغويًا ستستعيد اللهجة اللبنانية مكانتها لتزعزع مركزية اللهجة تخفّ النزعة الفكتوريّة رغم أنف الإعلام هي عربيّة أصيلة وفصيحة ألا نتجاهل الذكورية السخرية اللاذعة الجاحظ الذي قال