13 نيسان بعد 17 تشرين

تبدو المسافة الزمنيّة التي تفصل ما بين 13 نيسان 2019 وحاضرنا أبعد بكثير من سنة واحدة. كثافة الأحداث (الانهياران الاقتصادي والمالي، 17 تشرين، الوباء)، وسرعة وتيرتها وعمق تأثيرها المتفاوت على الحياة اليومية للمواطنين والمقيمين، تجعل من ذكرى تاريخ الرواية الرسمية لاندلاع حروبنا الأهلية هذه المرّة أكثر ضبابية بكثير من سابقاتها.

كيف نتذكّر 13 نيسان بعد 17 تشرين؟

يمكن المجازفة بالقول إنّ الذكرى الخامسة والأربعين لـ13 نيسان خلخلت سطوة ذلك التاريخ الذي يتربّع على سدّة الحدث الرئيس في تاريخنا الحديث. ففاضت تلك الذكرى هذه المرّة عن معانيها المكرّسة لتحيل إلى تاريخ آخر (17 تشرين) أعلن أنه بداية نهاية الأوّل. فأعاد بذلك ترسيم الحدود ما بين زمنَي الحرب والسلم من خارج رواية النظام الذي يتّفق على تاريخ بداية الحروب الأهلية والإقليمية ويترك مسألة حسم انتهائها مبهمة.

تحول التناقضات الداخلية للنظام وصراعات أجنحته دون تمكينه من تعيين تاريخ محدّد لبداية السلم الأهلي.

هل 13 تشرين الأوّل 1990، مثلاً، يؤرّخ لبداية زمن السلم الأهلي أو لفترة إحكام نظام حافظ الأسد قبضته على لبنان؟

عندما يذكّرنا أمين عام تيّار المستقبل أحمد الحريري بـ«كيف صُنِعَت الحرب وكيف صنع رفيق الحريري السلام»، هل يدخل تاريخ حزب القوّات اللبنانية وسجن رئيسه في تلك الفترة ضمن صناعة السلام؟

ليس القصد من تلك الأسئلة الاستفزاز، بل الإشارة إلى استحالة الاتّفاق على تاريخ لانتهاء الحروب الأهلية من داخل التواريخ الخاصّة لأجنحة النظام المتصارعة.


بالرغم من صراعاتها الكثيرة والمتجدِّدة، تعيد نُخب النظام إنتاج لغةٍ فقيرة موحَّدة كلّما حلّت ذكرى الحرب.
لغة تتأرجح ما بين:

الماضي
تجهيل الفاعل: نبذ الفتنة، التشديد على عبثية الحرب وفظاعتها، طيّ صفحة الماضي الأليم.
إلقاء اللوم على الغريب: حروب الآخرين على أرضنا.
إعادة التأكيد على صوابيّة القرار بالمشاركة في الحرب: حماية القضية، الدفاع عن الحق بالوجود.

الحاضر
نبذ الطائفية: التشديد على أهمّية الوحدة والتضامن والمصلحة الوطنية من أجل الخلاص.
استعادة إرث الآباء المؤسّسين لإعادة إنتاج شرعيّة سياسيّة: الإمام موسى الصدر، الرئيس رفيق الحريري.

المستقبل
دروس التاريخ: استخلاص العِبَر، تنذكر وما تنعاد.
حلم الدولة الآتية: الجامعة، العادلة.

لا يتطلّب تفكيك لغة 13 نيسان الرسميّة جهدًا كبيرًا. تكفي الإشارة إلى تناقضها مع المحاصصة الدائمة والتجييش الطائفي والحروب الأهليّة الصغيرة المتنقّلة في فترة ما بعد الحرب والإعاشات الحزبية في زمنَيْ الانهيار والوباء. وظيفتها السياسية الأولى ليست التذكّر أو التصالح مع الماضي، بل عكسهما، محوه والتملّص من المسؤولية. وكلّ ذلك لا يؤسّس إلّا لإعادة إنتاج نظام الحروب الأهلية الدائمة.


بعكس لغة 13 نيسان الرسميّة، سمّت 17 تشرين الفاعل بدون مواربة، داعيةً إلى المحاسبة. ويمكن قراءة شعار إنتو الحرب الأهلية ونحن الثورة الشعبية خارج التأويلات الأخلاقيّة الطهرانيّة التي ترى فيه صراعاً بين مَن لوّثتْه الحروب ومَن حافظ على نصاعته بمجرّد ولادته بعد الحرب وأتى الآن للمحاسبة. لا تقدّم تلك القراءة التقدّمية التبسيطيّة التي تحمل في طيّاتها بذور قتل الأب أيّ ضمانة بعدم إنتاج آباء جُدُدٍ متسلّطين.

تبدو قوّة الشعار السياسيّة في سلخه عن المعطى الجيليّ والسياق التاريخيّ المباشر. فهي تكمن في دلالته على التناقض الأساسيّ ما بين نظام الحروب الأهلية الذي يعيد إنتاج نفسه في مراحل مختلفة ومشروع الثورة الشعبيّة الذي يشكّل قطيعةً مع النظام، والذي جسّدته 17 تشرين.

يسمح ذلك الانزياح بوصل 17 تشرين بعمق تاريخي من خلال ربطها بتجارب ماضية، وبعدم الاكتفاء بالقراءة الآنية التي ترى فيها حدثاً معزولاً، مع ما يصاحب ذلك من أحكام متسرّعة عن الفشل والنجاح، وتوسيع أفق تجدّدها بأشكال مختلفة مستقبلاً.

جاءت ذكرى الحرب الأهلية الخامسة والأربعون فردّتْنا إلى الخريف الماضي… شبحٌ ما ينتاب النظام.

عودة الحرب؟

لم تعد الفتنة كافية الحرب الأهلية هي كل ما يهدّد مواقعهم خيال السلطة لحماية هيكل الجمهورية تحذيرًا من الفراغ استهدافًا لجماعةٍالمقابر الجماعية عودة نظام الحجز

عن أجيال الحرب

تحوّل هذا الجيل إلى «الضحية المثالية»، وتجربته إلى رواية المواطن القابع تحت وطأة الطوائف المتقاتلة، والذي يجب أن يرث البلاد مع انتهاء الحرب الأهلية كما بدأنا ندرك كم أنّ خيالنا السياسيّ محدود بالحرب التي باتت تشكّل نقطة المقارنة الوحيدة لنا. فلم نفهم أي حدث إلا من منظور الحرب