C’était trop tard وأخواتها

كان قد فات الأوان، جملة رهيبة. هكذا، وبكلّ بساطة، برّر رئيس الجمهوريّة عدم مبادرته لإزالة نترات الأمونيوم من المرفأ بعدما علم بوجودها قبل أسبوعين من تفجير العاصمة. جملة رهيبة بخفّتها التي لا تُحتمَل. نعم كنتُ أعلم، يقول الرئيس، لكنّ المهلة الزمنية القصيرة لم تسعفني؛ لذا لا تقع مسؤوليّة التفجير على كتفيّ. أربع كلمات غسل بها رأس الهرم دماء الآلاف عن يَديه.

ليست كان قد فات الأوان جملة عرضيّة، خرجت بالصدفة من فم الرئيس. هي نهج يعتمده نظام إنتاج الكوارث والتنصّل الدائم من مسؤوليتها. فالبعض لم يكن يعلم، والبعض الآخر يدّعي أن المرفأ خارج إطار صلاحيّاته… وصولاً إلى إخراج تهمة الإرهاب الجاهزة للصقها بأحد عاملي الحدادة في العنبر رقم 12.

أمّا خصوصيّة فوات الأوان، فتكمن في إلقائها اللوم على الزمن، وليس على الأخوة الأعداء والأعداء الخارجييّن، لتبرئة النفس. فالسلطة تصل دائماً متأخرة. تلهث وراء الحدث. تأتي دائماً بعدما يغضب الأهالي، بعدما تنزلق الأطراف المتخاصمة نحو الفتنة، بعدما لم يعد بالإمكان حقن الدماء. تتكلّم عن نفسها كشخصيّة مسرحيّة تزاحم شخصيّات أخرى وليس كمخرج الحدث ومنتجه. تريد إقناعنا بأنّها فرقة إطفاء تطارد مهووسي إشعال حرائق يسبقونها دائماً بخطوة.


لا تكتفي ألاعيب السلطة الزمنيّة بالتنصّل من أفعالها في الحاضر من خلال ادّعاء التأخّر الدائم عن الحدث. فلفوات الأوان صورة معكوسة هي «لم يحن الوقت بعد». فـ«البَعد بكّير» هي ما تبّرر به السلطة إرجاءها للفعل. تضع نفسها في موقع الوصيّ المتفهِّم على مجتمع «متأخّر» ليس جاهزاً بعد لتقبّل التغيير. فالطائفية يجب أن تلغى من النفوس قبل إلغائها من النصوص. وفيما يظهر تفهمّه لخصوصيّات المجتمع الذي قد لا يتقبّل تشريع قانون زواج مدني اختياري، يعيد النظام إنتاج سلطانه الطائفي من خلال سنّ قوانين انتخابيّة على قياسه. سياسات الإرجاء الدائم إلى مستقبل لا (ولن) يأتي هي ما اتّبعه المستعمرون في مواجهة الحركات الاستقلاليّة الأولى. لستم مستعدّين بعد للحكم الذاتي، قالوا لمن نادى بالاستقلال حالاً. سنتنازل لكم عن الحكم حينما نقرّر نحن أنكم بلغتم سنّ الرشد.

ولكلّ صيغة زمنيّة تتّكئ عليها السلطة فوائدها. فتستعين بفوات الأوان للتهرّب من المسؤولية وتسعى إلى إخفاء مصالحها السياسيّة الخاصّة خلف الـ«بعد بكيّر». فلا مصلحة شخصيّة مفترضة للأب الوصيّ الذي يهمّه فقط رعاية أولاده القاصرين. وقد يضطر الوصيّ إلى اللجوء للتهديد والعقاب والإذلال كما يفعل الأب- الأكبر، إيمانيول ماكرون، مع آبائنا المحليين. هؤلاء الذين يسحبون النور من عيون المنتفضين بسلاح وتمويل فرنسي، ربما أعتقد ماكرون أنّه من أساسيات إصلاح النظام، قبل أن يطأطئوا رؤوسهم في قصر الصنوبر.


أمّا الآن، وبعدما نهب النظام البلاد وفجّر عاصمتها، وبينما يستعدّ الألوف لموسم هجرة جديد، يقوم أركان النظام بالتأكيد أنّ الوقت قد حان لإقرار الدولة المدنيّة. لا تعارُض بين إرسال شبّيحة تصرخ شيعة، شيعة لضرب المنتفضين على نظام المحاصصة القاتل ومناداة رئيس المجلس النيابي بإنقاذ لبنان من خلال قيام دولة مدنية. كذلك تحوّل ميشال عون بين ليلة وضحاها من المدافع الأوّل عن استعادة حقوق المسيحيين ومواقعهم في الدولة إلى رأس حربة محاربة موروثات الطائفيّة البغيضة وارتداداتها. لا جدّة في كلّ هذا الهذر الخبيث للّذين يسعون الآن إلى الاستلاء على مطالب المنتفضين والمنتفضات بعد عقود من السطو المنظّم على كلّ ما على هذه الأرض.


قدرنا أن نتغلّب على الأحزان والأوجاع وننهض باستمرار بوطننا، هكذا صارحنا مصطفى أديب البارحة في أوّل تصريح له بعد التكليف. لا شيء جديداً تحت الشمس. جيل بعد جيل، لم يسفر التغلّب على الأحزان والنهوض المستمرّ بالوطن إلّا عن إعادة انتاج نظام الكوارث. أحياناً كثيرة، يكبّل الحزن الحياة ويجعل من كلّ نفس مشقّة. ربما من الأجدى عدم التغلّب عليه بل السعي إلى إعادة تدويره، إلى تحوير طاقته وجعلها محرّكاً لحياة ترفض تكرار المأساة. وقد تكون الخطوة الأولى في هذا الاتجّاه هي إعلان العصيان على أدبيّات السلطة عن إعادة الاعمار والنهوض بالأوطان والقيام من تحت الردم التي تبتزّ في لحظة ضعف شديد رغبة التشبّث بالحياة من أجل إعادة ترميم سلطتها والبداية بتأسيس كارثة الأيّام الآتية.