ألاعيب خطرة في زمن الانهيار

اعتاد اللبنانيّون على امتلاك القطاع المصرفي الهامش الكافي لممارسة شتّى أنواع المناورات الكفيلة بحماية مصالحه، وأصبح تحرُّر هذا القطاع من أيّ شكل من الضوابط من المسلّمات. لكنّ ما جرى من ألاعيب ماليّة خلال الفترة الماضية فاق كلّ التوقّعات، وخصوصاً لجهة إقدام المصارف على إجراء عمليّات ستكلّف الدولة كثيراً على مستوى قدرتها على التعامل مع ملفَّيْ استحقاقات اليوروبوند وتناقص السيولة المتوفّرة بالدولار. لقد أثبتت المصارف أن بإمكانها في أي لحظة أن تفعل ما تشاء في سبيل حماية مكتسباتها، مهما كانت الكلفة على الدولة والمجتمع.

بيع السندات بالجملة

بسحر ساحر، ارتفعت خلال الفترة الماضية حصّة الدائنين الأجانب من سندات اليوروبوند التي تستحق في شهر آذار من 300 مليون دولار لغاية 720 مليون دولار، من أصل 1,200 مليون دولار. وبذلك، أصبح الدائنون الأجانب يملكون 60% من هذه السندات، بعدما كانوا يملكون أقلّ من ربعها. حدث ذلك بعدما قامت المصارف المحليّة بعمليّة بيع كبيرة لهذه السندات لصالح المصارف وصناديق الاستثمار الأجنبيّة.

خطوة استباقيّة

تدرك المصارف اللبنانيّة جيّداً أنّ هناك عدّة سيناريوهات مطروحة لإعادة جدولة سندات اليوروبوند التي تحملها والتي تستحق خلال الشهر القادم، أو استبدالها بسندات أخرى يملكها مصرف لبنان بآجال أطول. كما تدرك أنّ الدولة ما زالت متردّدة في الذهاب إلى هذا النوع من الخيارات مع الدائنين الأجانب، إذ أن التخلّف عن الإيفاء الفوريّ لسندات اليوروبوند التي يملكها هؤلاء سيعني الدخول في مرحلة التعثّر الصريح والتفاوض وفقاً لأطر قانونيّة واضحة.

لبنان في موقف أصعب

هكذا، عمدت المصارف بكل بساطة إلى مباشرة الانسحاب التدريجي من ملكيّة هذه السندات، لتنقلها إلى أيدي مصارف وصناديق استثمار دوليّة. وبينما تحاول المصارف اللبنانيّة بهذه الخطوة التملّص من إمكانيّة إعادة جدولة سندات اليوروبوند التي تملكها، سيكون على لبنان في حال رضخ للدائنين الدوليّين أن يتخلّى عن دولارات بالغة الأهميّة، في مرحلة تعاني فيها القطاعات الاقتصاديّة الحيويّة من شحّ السيولة بالعملة الصعبة.

المضاربة باليوروبوند

المشكلة الأكبر في خطوة المصارف هذه تكمن في فتح الباب أمام المضاربة السهلة على سندات اليوروبوند، وهو ما سيمكّن الدائنين الخارجيّين اليوم من تحقيق أرباح طائلة من عمليّة محدودة الإطار الزمني. فأمام مخاطر إعادة الجدولة، أقدمت المصارف على بيع سندات اليوروبوند التي تستحق في شهر آذار بأثمان بخسة، تبلغ حدود الـ77$ للسند الواحد، فيما سيكون على الدولة إيفاء السند عند الاستحقاق بقيمة 100$ للسند الواحد. وبذلك، سيتمكّن المشترون الدوليون الجدد من تحقيق ربح سريع بنسبة 30% خلال فترة شهر واحد فقط في حال إيفاء قيمة السند عند الاستحقاق.

مصرف لبنان: الحاضر الغائب

أغرب ما في الموضوع اليوم هو انسحاب مصرف لبنان كليّاً من المسألة، وكأنّ موضوع هذه السندات لا يعنيه. فبينما تفرض المصارف اللبنانيّة على مودعيها ضوابط صارمة في كلّ ما يتعلّق بالسحب النقدي والتحويل إلى الخارج لحماية سيولتها، لم يجد مصرف لبنان نفسه مضطرّاً للتدخّل إزاء خطوة ستزيد من ضغوط الدائنين الخارجيّين على الدولة، وستزيد من استنزاف سيولة لبنان بالعملة الصعبة من خلال السداد لهم.

الدولارات من أجل اليوروبوند

حتّى الآن، يصرّ كل من رئيس الحكومة وحاكم مصرف لبنان على الدفع باتجاه سداد قيمة سندات اليوروبوند التي ستستحق خلال الشهر المقبل، وخصوصاً تلك التي تملكها أطراف خارجيّة، مع وجود أفكار لإعادة جدولة السندات التي تملكها أطراف محليّة أو استبدالها بسندات أخرى. لكنّ المناورات المناسبة كانت حاضرة لتقلّص المصارف قدر الإمكان حصّتها في هذه السندات، فترمي كرة النار في يد الدولة التي سيكون عليها التعامل مع استحقاق لسندات يوروبوند بات يملك الأجانب غالبيّتها. ومع إصرار سلامة ودياب على السداد للأجانب، سينفق اللبنانيّون ما تبقّى من دولارات في مصرف لبنان على سداد مستحقات اليوروبوند، بدل تمويل واردات الدواء والقمح والمحروقات.

المصرف

تحوّلت من معابد لعقلنة اقتصادية، إلى عصابة من اللصوص غير الكفوئين. لم تكفِهم الأرباح التي جنوها بالماضي، كما لم تكفِ الودائع لإرضاء جشعهم غير المحدود. فأصبح أي تفاعل مع مصرف هو عملية سرقة، يحاول صاحبه نتش ما يمكن شفطه من عمولات

الجمهوريّة الزومبي

البنوك الزومبيالخسائر غير القابلة للإستيعابتمتص من المال العامطبع النقدلا هي قادرة على الإقتراضقيمة الأجور وهي تتهاوى