قطيعة 4 آب

انكسار حياة

مهما حاولنا أن ننسى، أو اعتقدنا أنّنا نسينا، لا يحتاج الوضع إلى أكثر من كلمة أو سؤال، حتى تعود الذكريات:

أوّل انفجار، الثاني، الزجاج، انقطاع النفس، الزجاج مجددًا، الصدمة، زجاج على الأرض، في كل مكان، ومن ثم الذعر، المحاولات البائسة للفهم، للاتصال، الاتصال مجدّدًا، الاكتشاف التدريجي لمدى الدمار، الجميزة، عشرة طوابق بالعتمة، دم، الزجاج مجدّدًا، جثث أو جرحى، أخبار عن سموم بالهواء، طريق المرفأ لم تعد موجودة، إسعاف على زجاج، البحث في المستشفيات… 6 الصبح محاولة للنوم،

… ولكن ندرك تمامًا أنّها كانت آخر ليلة من حياتنا، من حياتنا كما عرفناها حتى تلك اللحظة، من حياتنا قبل أن تنكسر.

مهما حاولنا أن ننسى، أو اعتقدنا أنّنا نسينا، تعود كل الذكريات المقموعة على هذا الدرج المعتم: ملجأ الطفولة، انفجار 4 شباط، قصف حروب التحرير والإلغاء، اللحظات التي تلي خبر انفجار أو اغتيال، القصف الإسرائيلي، السيارات المفخخة، انتظار الأهل بالمدرسة بعد اندلاع الاشتباكات… عشرة طوابق بالعتمة كفيلة لاسترجاع حياة بأكملها، لا يربطها إلّا سلسلة من الأحداث العنفية، نخيط بصعوبة من حولها ما يشبه حياة.

لكنّ عشرة طوابق كفيلة أيضًا بقتل أي رغبة للخياطة بعد اليوم. في هذا النهار، في هذه اللحظة، تكثّف تاريخنا، ومستقبلنا، تاريخ الحرب والإنهيار والعنف والفساد والقتل والفقر، تكثف بلحظة كسرتنا، بلحظة تحوّلنا إلى كائنات مكسورة، هشّة، مشعورة، مقطّعة… في هذه اللحظة، رأينا في الزجاج على الأرض بقايا حياتات لم تلملم بعد اليوم.

مراسلات الصمت

سنة على هذه اللحظة، بقي هذا الطيف من العنف والقتل والذكريات والدمار والتواريخ بلا أي جواب رسمي. بقيت السلطة صامتة، مختبئة وراء بحر من المراسلات أرادت من تعقيداتها أن تكون مهربًا لها. فتحوّلت إلى شبكة من الإدانات، تفضح إجرام وإهمال وغباء معظم من طالته تلك المراسلات، أي معظم من حكمنا منذ عقود، أي معظم من كان يعلم. كيفما تحرّك التحقيق، وجد السلطة، إمّا بعلاقتها مع براميل النظام السوري أو بفسادها الوفاقي أو بإهمالها الممنهج، وجميعها يختبئ وراء حصانات مزيّفة.

ففي اللحظة نفسها التي انشطرنا فيها إلى أشلاء مقطّعة، تكثّف النظام ليصبح كائناً صلباً وموحّداً، تربط بين أعضائه المتفرّقة والمتناحرة شبكة مراسلات، تجعل من الإجرام البرميلي والفساد التوافقي كائنًا واحدًا وقاتلًا. كائنًا قاتلًا ولكنّه صامت. فليس للسلطة ما تقوله بعد هذا اليوم للمقيمين على أرض إجرامها: ليس هناك ما تقوله عن الإنفجار غير أنّها فعلته. وليس هناك ما تقوله عن الانهيار المالي إلّا أنّها تسببت به. وليس هناك ما تقوله عن انحلال الدولة إلّا أنّها مسوولة عنه. فسكتت السلطة وقرّرت الصمود من خلال العنف والحاجة. ليس لديها ما تقدّمه غير ذلك. هي تدرك، قبلنا نحن، أنّها قاتلة.

قطيعة

في وجه سلطة قاتلة وصامتة، مجتمع قتيل ويتألّم. وبينهما قطيعة، أو فجوة، لم يعد من الممكن تجاوزها بعد اليوم. فالمحاسبة تحتاج إلى كلام، والمصالحة تحتاج إلى كلام، والتفاوض يحتاج إلى كلام. حتى الاستسلام للسلطة يحتاج إلى بعض من الكلام. لكنّ الكلام مع سلطةٍ لم يعد لها ما تقوله إلّا أنّها قاتلة، بات مستحيلًا. فلم يكن رفع المشانق وشعار الإنتقام في التظاهرة التي تلت جريمة المرفأ مجرّد تعبير عصبي عن غضب وألم. كانت لحظة الاعتراف بالقطيعة وتأكيدها.

ربّما كان لا مجال للإطاحة بهم الآن. لكن لا مجال أيضًا للعيش معهم بعد اليوم. بات هناك «مجتمع 4 آب»، وهو ليس بالضرورة المجتمع بأكمله، في وجه «نظام 4 آب»، وهو النظام بأكمله، وبينهما علاقة قطيعة. ربّما كانت القطيعة لا تؤسس لسياسة بعد، ولكنّها الخطوة الأولى لتحرير مجتمع الرهائن والضحايا، على الأقلّ من أي وهم إصلاحي أو خلاصي. القطيعة، بهذا المعنى، ليست الخطوة الأولى فحسب، هي الخطوة الوحيدة الآن.

يوم الخميس

يوم الخميس، سنستفيق لكي نعاين هذه الأرض التي يسكنها كائنان يتعايشان جنبًا إلى جنب في علاقة إلغائية. سنستفيق على حالة الحرب المفروضة علينا، حرب قد لا تشبه حروبنا القديمة، ولكنّها حرب بكل معنى الكلمة. سنستفيق على مجتمع يتفكّك يومًا بعد يوم على أثر هذه الحرب، عنفًا وفقرًا وهجرة. ولكنّنا سنستفيق أيضًا على قطيعة، على بوادر مجتمع محرّر من هذه السلطة. ماذا نفعل بهذه القطيعة هو سؤال يوم الخميس.

لماذا يا نديم؟

فسمعتُ، سمعتُ جيّداً، انا مستمعةٌ جيّدةٌ يا نديم، فذُعِرت. قدّمتَ لنا «المارد»، كما أسميتَه. نصبك التذكاريّ على المرفأ، تمامًا فوق موقع الانفجار. شرحتَ مطوّلاً عن مشاعرك مستخدماً كلمات مهمّة، كـ«التروما» و«الوجع» و«الفنّ»

أعلنوها حربًا

كتيبة المساطيلفهم لم يكونوا يعلمونكتيبة السَّفَلَةأن تتسلّل إلى التحقيق وتحوّله إلى هيئة غير موجودةكتيبة الجدّدقّت ساعة الحربفالعدوّ هم الناس، وعليهم أن يخرسوافهموا معنى 4 آب، فأرادوها حربًا