«النقابة تنتفض» وتاريخ انتخابات نقابة المهندسين

تشكّل انتخابات نقابة المهندسين محطة جديدة أساسية في استعادة العمل المهني بين الطبقات الوسطى. بعد الانتخابات الطلابية في الجامعات الخاصة، تأتي انتخابات المهندسين، في ظل الانهيار الكبير، لتؤكّد أن حقبة المحاصصة التي دخلت متأخرة في نقابات المهن الحرة قد انتهت.

ما هو تاريخ نقابة المهندسين، وما هي المصالح المتنوعة التي تحرّكها، وكيف تجلّت في الانتخابات النقابية، خصوصاً بعد اتفاق الطائف.

ولادة النقابة

تأسّست نقابة المهندسين في العام 1951، بعد إصدار قانون مزاولة المهنة.

كانت «الجمعية اللبنانية للمهندسين المدنيين والمهندسين المعماريين» قد تأسّست في العام 1934 على أيدي مجموعة من المهندسين الذين عملوا على وضع إطار قانوني لمهنة الهندسة، وصولاً لتأسيسهم النقابة. كما شهدت تلك المرحلة وضع قانون البناء اللبناني في العام 1940، الذي نتج عن عملية تبنٍّ للقانون الفرنسي بعد تحديثه وإعادة كتابته وصدوره لاحقاً في العام 1954. وقد قامت بكتابة القانون المجموعة ذاتها التي أسّست النقابة، والمؤلفة من مهندسين معماريين عاشوا ودرسوا في أوروبا في ظل النهج الحداثي وقتها.

كان روّاد الحداثة في لبنان، مثل أنطوان تابت وفريد ​​طراد وعاصم سلام، حريصين على إدخال الحداثة وطرق عيشها الى لبنان. حاولوا من خلال المباني التي صمّموها اللحاق ببقية دول العالم «المتقدّم»، وكان خطابهم – المحلي في المحتوى – جزءاً من خطاب أكبر عن حداثة أوروبية، ما يضع قانون البناء اللبناني في سياقٍ دخيل أو مستورد، وليس وليد التجربة المحلية ومفاهيمها. فتمكّن هؤلاء المهندسون والمعماريون — من ذوي الصلات العائلية بأشخاص نافذين في سلطة الدولة — من طبع بدايات نقابة المهندسين بنخبويتهم. وقد استمر هذا النهج النخبوي لما يُسمى بـ«المهندسين الروّاد» لعقود عديدة، آخذاً أشكالاً متعدّدة وتاركاً أثره على العمل النقابي.

كانت القاعدة المهنية – وطبعاً المقنعة بالمصالح – هي التي تفرض النقيب ومجلس النقابة. وكان عدد المهندسين قليلاً، ولم يكن متنوعاً، بمعنى أنه كان نخبوياً وممركزاً حول مركز القرار في بيروت. يشرح المهندس والنقابي ميشال عقل، في مقابلة معه، أنّه في فترة ما قبل الحرب اللبنانية:

كان مجلس النقابة مؤلّف من زملاء بيعرفوا بعضهم ومن مناطق قريبة وعددهم محدود. الطبقة المتخرّجة كانت معيّنة ومحصورة جغرافياً. بيعرفوا بعضهم وكلهم خريجي جامعة واحدة في فرنسا وجامعتين في لبنان (الأميركية واليسوعية). الجامعة اللبنانية للتسعينات لصار فيها كلية هندسة.

طغى الشقّ المهني بمعناه «التكنوقراطي». فكان من مؤسّسي النقابة وأول نقيب لها جوزيف نجار، وكان في الوقت نفسه مستشاراً دائماً للدولة. أما أنطون تابت، أحد المؤسسين أيضاً، فهو مَن قام ببناء فندق السان جورج ومبنى الأونيون في وقتها، وكان من داخل الطبقة البرجوازية الوطنية. كذلك أصبح بعض النقباء لاحقاً وزراء.

كانت هناك مصالحةٌ ما بين الدولة وطبقة نقباء المهندسين وأعضاء مجالس النقابة التي دعت إلى الإصلاح في البلد.

المعارك النقابيّة ما بعد الحرب

بعد الحرب اللبنانية، ازداد أفواج المتخرّجين بشكل كبير، وتنوّعت التركيبة الاجتماعية والسياسية والطائفية للنقابة بشكل لم يعد ممكناً معه التمثيل على قاعدة مهنية فقط، أو على قاعدة العلاقات الشخصية. تنوّعت الجامعات التي تخرّج المهندسات والمهندسين، مثل جامعات الإتحاد السوفياتي والجامعة اللبنانية والجامعة العربية، ممّا أدّى إلى دخول طوائف جديدة الى النقابة لم تكن موجودة في السابق.

تبدّلت القاعدة النخبوية باتجاه القاعدة السياسية، وأصبحت الأحزاب والطوائف تتحكّم بالساحة والبنيان النقابي، ومن ضمنه العملية الانتخابية، بواسطة تكريس آليات المحاصصة، الى جانب تأثير محدود للتيارات المهنية.

كانت أوّل معركة نقابية فعلية بعد الحرب في العام 1996، مع انتخاب عاصم سلام نقيباً. كان واضحاً الاصطفاف السياسي الحزبي في وجهه. وتكرّر الاصطفاف الحزبي العام 1999 مع انتخاب النقيب سمير ضومط. ظهرت الحالة السياسية بوضوح في هاتين الدورتين، وكانت نتيجة للتركيبة الجديدة التي تتناغم أو تتقاطع مع تركيبة البلد وتتأثر بما يجري على الساحة السياسية.

في مقابلة مشتركة مع المهندسين والنقابيين ميشال عقل وعصام بكداش، رَوَيا معركة الـ1996 والعشر سنوات التي تلتها على الشكل التالي:

سنة 1996، كانت معركة عاصم سلام المعروف بتوجّهه المعارض لمشروع إعادة إعمار وسط بيروت. عاصم عمل جبهة فيها مستقلين وأحزاب يسارية وأشرف على ولادة «الخيار المهني». وعنده مجموعة كبيرة من المعماريين. شخص عاصم كان طاغي. الجبهة المقابلة كانت السلطة: مستقبل وحركة أمل والشركات الكبرى.

سنة 1999، كانت معركة ميشال عقل المرتكزة على الخيار المهني. في المقابل، كان سمير ضومط مرشّح تحالف السلطة الذي ضمّ «كتلة مهندسي المستقبل»، الى جانب قوى طائفية. خلال السنوات، نشأت شبكة من المصالح جعلت من تيار المستقبل طبقة، بمعنى أن معظم الأشغال التي تمر عبر المهندسين ترتبط بهذا التيار الذي أصبح قاطرة اقتصادية أكثر مما هو تيار نقابي.
بعدين ضلّت النقابة مستقبل أو عونيين باستثناء صبحي البساط سنة 2002 يللي ربح مقابل بلال حمد (مستقبل) بتحالفه مع أحزاب (العونية وحزب الله وأمل) لأنهم كانوا ضد خط الحريري بالسياسات الاقتصادية بوقتها. بعدين ربح بلال علايلي يللي كان مستقبل، وبالـ2006 ربح إيلي بصيبص يللي كان عوني، وهيدا كان بعد اتفاق مار مخايل بالعام 2006.

استمرّ الأمر على حاله حتى الـ2016 وانتخاب جاد تابت نقيباً. كتبت الصحف حول فوز تابت في انتخابات النقيب «جيلا عاصم سلام وبيروت مدينتي معاً». وحلّل العديد أن جاد «هو إرث عاصم»، وأنّ انتخابه جاء نتيجة تلاقي جيلَيْن، وساهم في ذلك شخص جاد تابت وبرنامجه والمجموعة المهنية والمجموعة السياسية والموقف من الإعمار والسياسات الإنمائية.

دور النقابة الذي نطمح له اليوم

إنّ قصة فوز جاد تابت بمركز النقيب مدعوماً بـ«نقابتي للمهندسة والمهندس» تستحقّ أن تُسرد. ولكن الوقت يفوتنا. أهم ما تعنيه «نقابتي للمهندسة والمهندس» هو أنّ تياراً من المهندسين قرر أن يرفع رأسه. إزاء أنفسهم، بدايةً.

مع «النقابة تنتفض»، أخذ هذا التيار شكلاً مختلفاً. فقد سعى الى توحيد الجهود وجمع القوى المعارضة للمنظومة في ائتلاف واحد، فعرّف عن نفسه على أنه ائتلاف (لا حملة أو لائحة) وإطار منفتح، قرّر أن يخوض الانتخابات على أساس معايير وآليات ومبادئ مشتركة.

ليست ميزة معركة انتخابات نقابة المهندسين اليوم في الشكل الذي قرّرنا أن نخوض به هذا الاستحقاق فحسب، بل في التوقيت أيضًا. فالمشكلة اليوم ليست مشكلة قطاع هندسة فحسب، إذ نعيش انهياراً يصيبُ كافة الفئات من المجتمع. وبالتالي، فإنّ دور النقابة اليوم يتخطّى مصالح المهندسين ليشمل مصالح المجتمع حيث على النقابة أن تكون في مقدمة الدفاع عنه.

وهذا ما يطرح علينا – كمهندسات ومهندسين – عددًا من التساؤلات عن النخبوية «الهندسية» المتأصّلة في نقابة المهندسين، وعن طبيعة قطاع الهندسة بعلاقته بالنظام، حيث يجد المهندسون أنفسهم مضطرّين لشبك علاقات (من البلدية مروراً بالتنظيم المدني وصولاَ للمتعهّدين الكبار)، وعن العلاقة العضوية بين المهندس ورأس المال، وأخيراً عن نقابةٍ تحوي في آن واحد الشركات الهندسية وأرباب العمل والمهندسين العاملين لديها، ومدى تأثر المهندسين عموماً بأصحاب العمل.

«النقابة تنتفض» هي حراك نقابي يبدأ بعد 18 تموز.

دروس النقابة تنتفض: الانتصارات بالأرقام والمنهجية

المسار والعمل القاعدي يصنع الانتصار أولوية البرنامج على المرشحين/ات اختيار المرشحين/ات من القواعد السياسة خلف النقابة سقوط الطائفية: أعرافاً وتوازنات نقابة للناس لا للمقاولين أهمية العمل اللامركزي سقوط نظريات الوحدة سقوط آخر لعنوان «المستقلين» معضلة الكتائب: نجاح المعايير وفشل بناء الثقة

أن تنتفض النقابة وسطَ الانهيار

كان واضحاً: معركتنا سياسيةانتفاضة حدودها الطبقة الوسطىلن تشكّل الانتخابات المقبلة ضربةً قاضية للسلطة«وحدة الطبقة العاملة»تحديد موقع النقابة في المجتمع