نصر الله يفاجئ المتفاجئين


مرّةً أخرى، يتفاجأ المتفاجئون بالنظريّات الاقتصاديّة للأمين العام لحزب الله.

في خطابه الأخير، لم يخرج بأفكار تسطيحيّة حول زراعة البلاكين وتصدير البطاطا، بل غرف ممّا تيسّر له من أدبيّاتٍ اقتصاديّة دأب المتفاجئون على مهاجمتها. وإذا تغاضينا عن الوجهة الشرقيّة للدولارات التي يبحث عنها نصر الله، وجدنا أنفسنا أمام نسخةٍ مُعمَّمة من رياض سلامة. نسخة تداوي جرح المصارف وتلهث وراء الاستثمارات.

ليس غريباً أن يتفاجأ المرء من مواقف يطلقها نصر الله بين الحين والآخر. الغريب أن يستمرّ المرء في التفاجؤ ممّا سبق أن فاجأه.

غالباً ما يبرّر المتفاجئون لسيّدهم هفواته الاقتصاديّة بحجّة غرقه في شجون «الأمّة (؟)» الأخرى. ومنهم مَن يتمنّى لو يسنح وقت السيّد ولو لساعةٍ واحدةٍ في الأسبوع كي يشرح له مبادئ الاقتصاد التحرّري وسيرورات الصراع الطبقي. غير أنّ مشقّتَيْن تعترضان طريق هذه الحصص الاقتصاديّة المشتهاة:

أوّلاً،

يسير وقت السيّد من ضيّق إلى أضيق بسبب حروبه العابرة للحدود والآخذة بالاتّساع، وكثرة المدن والشعوب التي بات عليه تدميرها وتهجيرها ليعبّد طريقه نحو القدس.

ثانياً،

ربّما كان صحيحاً أنّ السيّد ليس ضليعاً في الاقتصاد، لكنّه ضليع تماماً بالتحوّلات السياسيّة والعسكريّة التي جعلت الإذلال الاقتصاديّ للمقيمين في لبنان شرطاً من شروط مقاومتهم الباسلة. وبخلاف ما يتّهمه محبّوه وخصومه، يعرف موزّع بطاقات «السجّاد» المسافةَ التي تفصل بين حزب الله و«التحرّر الاقتصادي»، مثلما يعرف المسافة التي تفصل حزبه عن «التحرّر الاجتماعي».

يعرف أنّ المصارف ليست فاعل الخير الذي عمل على إعادة دولاراته من الخارج، قبل أن يمنعه الحصار الكونيّ من فعل ذلك. ولا بدّ أنّه قرأ أو شاهد في وسائل الإعلام المقاوم كيف عجزت المصارف حتّى عن جمع 3٪ من قيمة الودائع لديها. ويعرف أنّ دولارات الخارج ليست في حسابات المصارف، لأنّها في حسابات أصحاب المصارف وحسابات كبار المودعين الذين جنوا أرباح الهندسات الماليّة. لا تنقص السيّد المعرفة، لأنّه يعرف أنّ تلك الهندسات استفاد منها الحلفاء المخلصون كما الخصوم، وما كانت لتمرّ لولا رضا المقاومة على خدمات القطاع المصرفي. رضا ساهمت في ترسيخه صدفة انفجار صغير في حوض زرّيعةٍ أمام فرع «بلوم بنك» في منطقة الصنائع. لم يكن ذلك الحوض قد دخل بعدُ في حسابات «الجهاد الزراعي».

يعرف أنّ طوابير البنزين، أو طوابير الذلّ كما يحبّ أن يسمّيها، ليست نتيجة الاحتكارات وحدها. لأنّه يعرف أنّ شبكة الاحتكارات تنام في السرير نفسه مع شبكة التهريب. وهو يعرف أنّ التهريب إلى سوريا جزء من المعركة التي يخوضها في وجه الحصار الكونيّ (على سوريا). وهو يعرف أنّ تركيبة الكارتيل نفسه قد تبدّلت لمصلحة حلفائه وأصدقاء حلفائه الذين يجنون الأموال الطائلة من خوض المعركة ضدّ قوى الاستكبار العالمي، عبر تجفيف السوق اللبناني من البنزين من أجل خرق قانون «قيصر».

يعرف أنّ الفساد والسرقات ما كان يمكن لها أن تستمرّ كالمعتاد، وأنّها منذ العام 2011 باتت تستنزف دولارات الداخل من دون القدرة على تعويضها. لكنّ الفساد والسرقات استمرّت، بعكس المعتاد، كمغرياتٍ لفرض استسلام خصوم حزب الله وضمان ولاء حلفائه. فمَن تراه يكترث لفساد الفاسدين حين يؤدّون واجب الخضوع للسيّد الأعلى. ومَن تراه يكترث لعتمة البيوت حين يتقاذف مسؤوليّتها حليفان لصيقان.

ليس غريباً أن يتفاجأ المرء من مواقف يطلقها نصر الله بين الحين والآخر. الغريب أن يستمرّ المرء في التفاجؤ ممّا سبق أن فاجأه.
يوحي الاعتراض الممانع الخافت على الطروحات الاقتصاديّة لنصر الله، وكأنّ الممانع السعيد سعيدٌ بطروحات حزب الله الأخرى، ولا يؤرّقه إلا هذا الخلاف البسيط حول بعض المسائل التفصيليّة. لكنّ السقوط الاقتصادي لنصر الله جاء ملازماً لسقوطه في مسائل أخرى:

أوّلاً،

موقفه من جريمة 4 آب واستقباله الأخير لطلبات الادّعاء على نوّاب ووزراء سابقين وقادة أمنيّين. لنتمعّن في «التحذيرات» التي أطلقها في وجه المحقّق العدلي، وفي رفعه مبكراً حجّة التوظيف السياسي. لا يمكن فهم ذلك، كما لا يمكن فهم الخفّة حين أطلق بها النكتة المرّة حول معرفته بمرفأ حيفا وجهله بمرفأ بيروت، من دون سياق ما أظهرته التحقيقات الاستقصائيّة عن علاقة نترات الأمونيوم المخزّن في المرفأ بنترات الأمونيوم الذي وصل إلى يدَي النظام في دمشق. كلّما تقدّمت التحقيقات أكثر، كلّما بدا أنّ تخزين النترات، مثله مثل طوابير البنزين، بات جزءاً من التضحيات المطلوبة في سبيل «الأمّة (؟)».

ثانياً،

ماذا عن «الأمّة (؟)» نفسها، وعن الصراع العربي الإسرائيلي الذي يريد نصر الله تحويله إلى صراع غيبيّ، فلا يقف أكلنا وشربنا وفرحنا وحياتنا اليوميّة حائلاً دون تكريس الوقت لقضايا «الأمّة (؟)»، وعلى رأسها فلسطين والقدس. لكن هل من معنى أصلاً للصراع من أجل فلسطين، إن لم يكن مرتبطاً بأكلنا وشربنا وفرحنا وحياتنا اليوميّة؟ ليست المسألة في تحديد الأولويات، بل في جرّ الصراع العربي الإسرائيلي من أرض الواقع إلى أرض الغَيب. هناك، تغيب مصالح الفلسطينيّين وتُخدَم باسمهم مصالح السَّفَلة من السياسيّين اللبنانيّين والسوريّين والإيرانيّين، ومنهم مَن ارتكب المجازر بحقّ الفلسطينيّين، ومنهم من ارتكب إعداماتٍ في إيران، إعدامات طالت آنذاك مَن رفضوا تحديداً أن تحمي العماماتُ حاكمي المصارف.

المربّي حسن نصر الله

منذ أن ترك زعرانه ينهالون على شبابنا بالهراوات علينا ألا نتجرّأ. ألا نفتح أفواهنا. أن نصدّق فحسب فلتمتْ بيروت وأهلها، ولتحيا المقاومة يعلّمنا كيف نجيد الخوف منه

زرّيعة نصر الله

شيءٌ مشابه في مخياله بالحديقة الخلفية للحروب الإقليمية باستعارته من جبران خليل جبران مقولةً مهترئةً وفضفاضة ازرعوا وسيأتي السيّاح، لكنّهم حين يطأون أرض المقاومة لا نريدهم بالمايوه فتتدلّى منه شتول الكرامة والعزّة والشعب العنيد