عن الدواء المقطوع والمستورد والمهرَّب

بات التطبيع مع كلّ ظاهرة هجينة يشهدها لبنان، ومع كلّ الأزمات بمختلف صبغاتها وتشعباتها، مستساغاً وهيّناً ويحيطه نفس إستسلامي قسري. فما يتصدّر القطاع الصحي والإستشفائي الآن من فضيحة صحيّة حول الأدوية المهربة والمقطوعة وأسعارها المرتفعة، بات لا يثير الاستغراب.

تهريب الأدوية يماثل بألفته تهريب المواد الغذائية المدعومة أو تلفها أو تخزينها. وبات هذا الوضع يتفاقم يومًا بعد يوم، إذ فضح زمن الإنهيار المعارك السوريالية الطاحنة في معترك شراء الإحتياجات الأوليّة من السوبرماركات. وفي نفس المشهديّة الإذلالية، بدأت طوابير المواطنين المصطفة على أبواب الصيدليات تتزايد.


تشهد الصيدليات في لبنان بأغلبها موجة إنقطاع بارزة لأدوية مختلفة، من أدوية الصّحة النفسيّة وأدوية الأمراض المزمنة وصولاً إلى المسكنات وأجهزة التنفس اليدوية وقوارير الأوكسجين. يعود ذلك النقص إلى صعوبة استيراد الأدوية من الخارج بالدولار في ظل أزمة مالية خانقة وتخوف من رفع الدعم عن المنتجات الأساسية.

تبلغ قيمة الفاتورة الدوائية نحو مليار وتسعمائة مليون دولار (1.9 مليار دولار) سنوياً، وتبلغ نسبة حصّة الدواء المنتج محلّياً سبعة بالمئة (7%) فقط من حصّة السوق الدوائي المستهلك في لبنان. وتبعاً للانقطاع المتوقع للأدوية، يخزن بعض المواطنين الدواء، تخوفًا من الموت، المتوقع أيضًا، على أبواب المستشفيات.


في سوق يسيطر عليه الاستيراد الذي بات مأزومًا، بات طبيعياً أن ينتعش دواء السوق السوداء كطاقة النجاة الوحيدة. فالكميات الموزعة، والمستوردة أصلاً بكميات قليلة، فتحت طاقة السوق السوداء على مصراعيها، وخاصة سوق الأدوية المختصة بالاضطرابات النفسيّة والمزمنة. فبات فاقدوها ملزمين بشراء هذه الأدوية من السوق السوداء، ولو بأسعار خيالية.

اعتبر نقيب مستوردي الأدوية كريم جبارة أن بروز هذه السوق السوداء هو النتيجة المباشرة للتهافت العشوائي على الأدوية لتخزينها. فهلع المواطنين وقلقهم دفعهم إلى شراء الأدوية اللازمة وغير اللازمة، ما أدى إلى حرمان آلاف المحتاجين من المرضى لهذه الأدوية.

عززت هذه الفوضى الصارخة المفارقة الطبقية المتجذرة في صلب هذه المنظومة، وسمحت للميسورين تخزين ما أمكن لهم تخزينه وحرمان المفقَرين وأصحاب الدخل المحدود حتى من حقهم الأوليّ في الحصول على الدواء.


أجبر هذا الوضع غير القادرين على شراء الدواء من السوق السوداء، أو الذين لم يجدوا وسيلةً لذلك، إلى اعتماد توصية معارفهم في الخارج لشراء الأدوية المفقودة، وذلك بأسعار خيالية بالليرة مقارنة بسعرها الأساسي بالدولار.

لكن الخارج يعمل بالاتجاهين. فتهريب بعض الأدوية خارج المعابر الرسمية، إلى سوريا وبيعها بأسعار منخفضة، أو إلى مصر، يزيد من أزمة الدواء.

ومن أبرز هذه الأمثلة، تهريب البنادول وبيعه بما يقارب 13 دولاراً في حين أن سعره في لبنان لا يتجاوز الـ4000 ليرة، إن توفّر. ذلك أنّ معظم الصيدليات تعرض فقط 10 علب منه يوميًا فقط.


ليست هذه الفوضى الصحيّة فريدةً من نوعها، إذ يشهد لبنان بكل قطاعاته فوضى عارمة وهمجية استثنائية. وهذه الأزمة هي نتيحة تقاعس الدولة على مدى أجيال عن تقديم الثقة والأمان للمواطن، على الأقلّ في ما يخصّ أمنه الغذائي والصحيّ كمدخل لكرامته الإنسانية.

الموت البطيء: هل ينهار القطاع الصحي في لبنان؟

تقنين معالجة المرضى استيراد المعدات الطبية المتبقّي لا يكفي التعميم رقم لا ضمانة للمستورد العديد من الأدوية تحت رحمة المصارف