نص رثاء
خالد صاغيّة

ألعابٌ صغيرة لأبٍ تَوارى 

10 أيلول 2023

أصيب أبي بسرطان الرئة قبل ثماني سنوات. منذ ذلك الوقت، أصبحنا عائلةً. أو، بالأحرى، عُدنا إلى حياتنا كعائلة، بعد سنين طويلة على مغادرتنا المنزل الأبويّ كي نلتحق بالجامعات. صرنا نهتمّ بأعياد الميلاد، ونتحلّق حول أبي وهو يطفئ الشموع. يومها، قيل لنا إنّ ما تبقّى له يتراوح بين ستّة أشهر وثلاث سنوات. لكنّه تجاوز المُهل، سنةً بعد أخرى، وعاش أيّاماً هادئة وأخرى مليئة بالألم. انتشله أخي الطبيب من الموت أكثر من مرّة، واختبر معه قوّة العِلم حتّى نهاياته. ورفضت أمّي الاستسلام لمرضه، واختبرت معه قوّة الحبّ، فعادت إلى بداياته. أمّا أبي، فاختار طريقاً آخر لمواجهة المرض. اختار أن يلعب.

على طريقة فيلم «لايف إيز بيوتيفول» حيث يحوّل روبيرتو بينيني تجربة معسكرات الإبادة النازيّة إلى لعبة حتّى لا يكتشف ابنه الحقيقة، حوّلت أمّي جلسات العلاج الكيميائي إلى مناسبة ترفيهيّة. تقود به السيارة من طرابلس إلى بيروت، وحين تنتهي جلسة العلاج في المستشفى، يتوجّهان إلى الكازينو الواقع في منتصف طريق العودة. هناك، كان يراهن بفلوس قليلة، لكن كمن يراهن على حياته. فإن عاد من الكازينو رابحاً، عرف أنّه سينتصر على المرض، وإن عاد خاسراً، ضعفت معنويّاته واشتدّت عليه الآثار الجانبية لجلسات العلاج. كانا يذهبان سرّاً. ولم تعترف أمّي في البداية إلا لأختي، وطلبت منها ألا تُخبرنا. فالكازينو كان هوايته السريّة التي لا تشبه ما نعرفه عنه. 

ككثيرٍ من الهوايات الأخرى التي توقّفا عن ممارستها، توقّف أمّي وأبي عن الذهاب إلى الكازينو مع بداية الحرب الأهليّة. كأنّ الحرب علّقت حياتهما وباتا متفرّغَيْن للأولاد والهرب بهم من مكان إلى آخر كلّما اشتعلت المعارك. فأبي الذي أعرفه، ما كان يحبّ أن يفعل أشياء كثيرة. أو كان يستمتع بألا يفعل شيئاً. كأنّه يستنبط سعادته من داخله، ولا يعنيه من الخارج إلا حياة أولاده. حتّى عمله في بيع المفروشات لم يرُق له يوماً. أفكّر أحياناً أنّ مَتجَره لو لم يكن تحت البيت مباشرةً، ما كان ليذهب إليه. 

لم تكن الأمور كذلك قبل الحرب. دليلي على ذلك كاسيتات بصوته يتبارى فيها بالشعر مع ابن عمّه، وأسماء أصدقاء ما عادوا يظهرون، وذكريات منزل صيفيّ في إهدن، وألبومات لجمع الطوابع وعلبٌ من العملات القديمة. لكنّ كلّ ذلك أسمع به أو أرى أثَره، لكنّي لم أعشه. كلّ ما أذكره من متعه الشخصيّة هو شرب كأسين من الويسكي مساءً والتدخين طيلة النهار وحلّ الكلمات المتقاطعة في الجريدة. كانت الشبكات الكبرى في نهاية الأسبوع مناسبةً لاجتماعنا حوله ومشاركته هوايته، واحد إلى يمينه، وواحد إلى يساره، وواحد فوق رأسه، نتعلّم أسماء العواصم ومرادفات اللغة.


بعد العلاج الكيميائي، بدأ أبي علاجاً من نوع آخر هو العلاج المناعي الذي يهدف إلى مساعدة الجسم على التعرّف على الخلايا السرطانيّة ومهاجمتها للقضاء عليها. لا تختلف جلسات العلاج من حيث الشكل. كان عليه أن يجلس في غرفة المستشفى نفسها، ليعلّقوا له الدواء كالمصل. وحين تنتهي الجلسة، تعود به أمّي إلى طرابلس مروراً بالكازينو. لم تكن لجلسات المناعة آثار جانبيّة، لكنّ العثور على الدواء كان مهمّة صعبة. فثمنُه ليس من النوع الذي يمكن للأفراد أن يتحمّلوه. كان ذلك قبل الانهيار الاقتصادي. وكانت وزارة الصحة توفّر الدواء في مستودعاتها في الكرنتينا. تطلّب الأمر في البداية بعض الانتظار، ثمّ صار الانتظار يطول، ثمّ صار الدواء ينقطع، ثمّ صارت المهمّة تشترط موافقةً خاصّةً من وزير الصحة. 

منذ أن تكفّلت شركة التأمين بالدواء وتوقّفت رحلاتي إلى الكرنتينا، لم يعد لديّ ما أقدّمه له إلا لعب الطاولة. وحين فقدَ قدرته على المشي، بات للطاولة وظيفةٌ أخرى، أشبه بوظيفة الأوكسيميتر، تلك الآلة الصغيرة التي تقيس الأوكسيجين وسرعة ضربات القلب. يمدّ إصبعه للأوكسيميتر، فنعرف مستوى الأوكسيجين، ويرمي زهر الطاولة، فنعرف مستوى الألم. فإن لعب بشغف، وأتقن العدّ، فهذا يعني أنّه لا يشعر بالألم اليوم. وإن بدأ يضيّع بالمربّعات، ويكرّر السؤال مَن يلعب بالأسود ومَن يلعب بالأبيض، فهذا يعني أنّ الألم يتمكّن منه. ورغم معرفتي بأنّه يشعر بقليل من السعادة حين يربح، غالباً ما كنتُ أرفض أن ألعب بخفّةٍ. لم أشأ أن أعامله كطفل. لكنّه بات يتصرّف كطفلٍ فعلاً كلّما جاءته حتفة أو كلّما صرخ «درجي يا جرجي». مع الوقت، ما عاد ينتظرني حتى أتهاون باللعب. بدأ يعبّر عن ضيقه كلّما عانده الزهر، فيُعيد رميه. رضختُ للأمر، فهذا هو، ربّما، لعب الطاولة على حافّة الموت. أن تبدّل الزهر كمن يسعى إلى تبديل القَدَر. في الدقّ الأخير، كان فاقداً للتركيز إلى حدّ كبير، وفاقداً لمتعة اللعب. أغلق الطاولة وقال: 

  • خلصِت.
  • شو هيي اللي خلصِت؟
  • الحياة خلصت.
  • لا ما خلصت. صارت أصعب بس.

هزّ برأسه ولم يقتنع. كان يعلم أنّها «خلصت»، كما يخلص كلّ شيء. عرف ذلك من الطاولة وليس من الأوكسيميتر، وكان راضياً وحزيناً في الآن نفسه.


في تلك الليلة، رأيتُه في المنام. كنت جالساً وأختي في الصالون حين نهض عن كرسيّه وبدأ يسير نحونا. نظرتُ إلى أختي وابتسمنا معاً، ثمّ رأينا ابتسامةً عريضةً على وجهه. كان فرحاً باستعادته قدرته على السير على قدميه آتياً إلينا، ومع كلّ خطوة إلى الأمام، كان الشيب يفارقه شيئاً فشيئاً حتّى بات شعره أسود وعاد وجهه شاباً كما في إحدى صوره القديمة. لكن قبل أن يصل، تلاشى تماماً واختفى. من عادات أبي أن يختفي. أو، بالأحرى، ألا يحضر إلا حين تستدعيه. كان حاضراً دائماً، ومتوارياً دائماً. كأنّ الأبوّة، بالنسبة له، لعبةٌ هي الأخرى، تتحرّك داخل مربّعات محدّدة ولا تحتلّ سائر المساحات. 

لم يكن المنام مؤشّراً على تحسّن صحّته، بل على تدهورها. فهذه المرّة، توارى أبي نهائياً. وحين أدركت أمّي الأمر، انشغلتْ بمسألةٍ واحدة: أن يبقى فمُه مُغلقاً. لم أفهم هذا الهاجس، ولم أمانعه. فأبي لم يكن يحبّ الكلام أصلاً، لا المسايرة، ولا التعبير عن الآراء أو العواطف. لا أذكر مكالمةً هاتفيّةً معه استغرقت أكثر من بضع ثوانٍ، كان يردّد خلالها كلاماً عامّاً عن الصحّة والعمل. لم يكن الكلام نقطة قوّته، يستعيض عنه بتلك القدرة على الحضور المتواري. حتّى آراؤه السياسيّة كانت تخفت قبل أن تبلغ درجة الحماسة، أو أنّه كان يتحمّس لها على طريقته بين الجدّ واللعب، كحداده على عبد الناصر من خلال برواز شكّله من طوابعه: طابع كبير في الوسط يُظهر صورة الريّس مزهوّاً بحصوله على 99.999٪ من الأصوات، تحته طوابع تخلّد إنجازاته، وفوقه طوابع على كلٌّ منها صورة وردة ذات لون مختلف، وضعها أبي داخل البرواز كأنّه يحملها في زيارة إلى الضريح. 

في زياراتي الأخيرة إلى المستشفى، كان قد أصبح ممنوعاً تماماً عن الطعام. كلّ ما يدخل إلى جسمه من دواء وغذاء، يدخل عبر الأنابيب. وحين توقّف عن طلب القهوة، عرفنا أنّه يهجر آخر ملذّاته. وددتُ أن أودّعه بجملة بسيطة من النوع الذي يقوله الأبناء للآباء. تمرّنتُ أكثر من مرّة. جلستُ إلى السرير وناديتُه، لكنّ الكلمات لم تخرج من فمي. كأنّ خروجها خيانة له ولما أورثني إيّاه. كان عليّ أن أنتظر لحظة ما بعد الموت. أن أتحدّث معه وهم يقومون بغسله وإلباسه بدلةً مع كرافات. قبل إدخاله إلى البرّاد، طلبتُ منهم أن يتوقّفوا. أزحتُ الشرشف الأبيض عن وجهه، وتمكّنتُ من التحدّث إليه أخيراً. لم يكن بحاجة لسماعي. لكنّ قدرتي على التعبير عن الحبّ كانت هديّته الأخيرة لي. هدية من رجُلٍ رمى زَهرَه للمرّة الأخيرة، لم يترك وراءه وصايا ولا أدوار بطولة. لكنّه ترك لي الحياة أنظر إليها كلعبة.

آخر الأخبار

تعليق

تسليع البشر

ميغافون ㅤ
جباليا: أهل المخيّم وصحافيوه ومقاوموه
18-05-2024
تقرير
جباليا: أهل المخيّم وصحافيوه ومقاوموه
حدث اليوم - فلسطين الجمعة 17 أيار 2024
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 17/5/2024 
الدرك والموتوسيكلات: ممنوع التسجيل مسموح الحجز
17-05-2024
تقرير
الدرك والموتوسيكلات: ممنوع التسجيل مسموح الحجز
قصيدةُ رفعت العرعير هتافاً في جامعة أوترخت الهولندية