القاضي والتدخّل المشروع: فرضيّات تدين حزب الله

يوم صدر قرار تنحية القاضي فادي صوان، تراءى لي أنّ ملف انفجار المرفأ سيتمّ طمسه كسائر الجرائم ذات الخلفية السياسية في لبنان.

كان صوان قد رمى «الفتّيشة» الكبرى بادّعائه على رئيس حكومة وثلاثة وزراء. فهبّ مختلف الأفرقاء والخصوم السياسيين لنجدتهم تحت عباءة الطائفة وحجج الحصانة. وبعد حملة طويلة، نجح المتّهمون بإزاحة القاضي المسؤول عن التحقيق. وانطلاقًا من انتصارهم هذا، توقّعوا أنّ القاضي الذي سيستلم الملف بعد صوان سيكون «محسوباً عليهم». فانهالوا على القاضي بيطار بالمديح وشهدوا له بنظافة كفّه، ثم ذهبوا إلى بيوتهم طنّاً أنهم قضوا على التحقيق.

فاجأهم القاضي بيطار باستكمال مسار التحقيق الذي بدأه صوان. لم يُسقِط ادّعاء صوان على المتّهمين، لا بل طالب بملاحقة واستجواب اللواء عباس إبراهيم أيضا، وأصدر مذكرات توقيف بحق المدّعى عليهم. ففُتحت جبهة الحرب على القاضي مجدّداً واتهموه بالاستهداف السياسي، وباتوا مصرّين اليوم على التخلّص من القاضي لأنه، بلسان محامي المتّهم فنيانوس، يحظى بدعم شعبي.


المريب في هذه الهجمة كلها هو دور حزب الله الإعلامي فيها.

أستطيع أن أفهم تخوّف الحريري من سابقة التحقيق مع دياب كونه رئيس حكومة سابق، أو تخوّف حركة أمل وتيار المردة كون الوزراء المتهمين كوادر مهمة لديهم. لكن، كما نعلم رسمياً، ليس لأيٍّ من المتّهمين ارتباط مباشر بحزب الله، ولا خبر لدينا لضلوع أي من عناصر أو قيادة الحزب بالانفجار.

فلماذا يخرج علينا نصرالله لشيطنة القاضي ولعب دور رأس الحربة عليه؟
لماذا يعتبر مجرّد التحقيق مع المتّهمين الذين ثبت علمهم وتقاعسهم عن النيترات خطّاً أحمر؟
لماذا يستدعي صدور مذكرة إحضار بحق دياب تدخّلاً من وفيق صفا شخصياً وحضوره إلى قصر العدل؟

لن أدّعي أنّ هناك تحليلاً يوصلنا إلى قناعة تامّة تفسّر تصرّف حزب الله المريب في هذه القضية التي، أكرّر، ليس للحزب أي علاقة فيها رسمياً ـ ولكنه لسببٍ ما يبدو معنيّاً بأدقّ تفاصيلها بشكل كبير. وهنا، يمكن البحث بفرضيات تفسّر موقف الحزب هذا.


فرضيّة 1: التحقيق سيكشف تورّط الحزب بطريقة ما.

يريد الحزب تبرئة حسان دياب، رغم أنه علم بوجود النترات ولم يخبرنا عن هوية من اتصل به وطلب منه إلغاء زياراته للعنبر 12 قبل شهرين من يوم الإنفجار. إن كان المتّصل شخصاً عادياً التقى به دياب في الشارع، فيبدو أنّ لديه قوّة إقناع كبيرة لتغيير جدول أعمال رئيس الحكومة. وإن لم يكن المتّصل شخصاً عادياً، فهل كان شخصاً من قِبل حزب الله، وهل الدفاع عن دياب هو لمنع كشف ضلوع الحزب؟


فرضيّة 2: التحقيق سيكشف أنّ الانفجار كان اعتداءً إسرائيلياً، ما سيحرج الحزب.

أذكر أنه في الأيام القليلة التي تلت الانفجار، انتشرت مقاطع فيديو مركّبة تفيد بوجود صاروخ جوّي أدى إلى تفجير المرفأ. ورغم أن هذه المقاطع كان مصدرها إيران، كانت نخب حزب الله أول من سارع إلى نفي هذه التركيبات، خصوصاً وأنّه في الأشهر التي سبقت 4 آب 2020، حصل عدد مشبوه من الانفجارات في معامل نووية إيرانية، ثم توقفت هذه الانفجارات كلياً بعد أواخر تموز 2020.


فرضيّة 3: الحزب رغم خطاب ضدّ «الفساد»، متمسّك بالنظام وأفرقائه.

نستذكر حين وقف نصرالله مدافعاً عن ورقة الحريري «الإصلاحية» التي تضمّنت إجراءات يدّعي الحزب محاربتها، وغزوات مناصريه للرينغ ورياض الصلح التي تلت سقوط حكومة الحريري. إن أدان التحقيقُ رموزَ النظام، سيترك هوّةً في أساساته ويفتح الباب لمحاسبة حقيقيّة. ولن ينسى الناس أنّ تركيبة النظام هي من قتلت أهلهم وأولادهم وأحبّاءهم، ولن تنطفئ محاولات التغيير الجذريّ لهذا النظام الساقط بسهولة.


فرضيّة 4: الحزب يتدخّل فقط من باب الحرص على نزاهة التحقيق.

نسأل الحزب هنا: إن كان تدخّلك المباشر هو لحماية الناس، لماذا لم تتدخّل لحماية مدخرات المودعين، أو لإقرار خطة اقتصادية تجنّبنا الانهيار، أو لإقرار قانون كابيتال كونترول في أول أيام تشرين، أو لمنع الزيادات على الضرائب غير المباشرة التي تطال ذوي الدخل المحدود بشكل غير عادل، أو لحماية ثرواتنا ومواردنا الطبيعية التي يقع جزء منها تحت نفوذ بلدياتك ونوابك مباشرة؟ لماذا استفقتم فجأة لتحقيق «عدالتكم» على قاضٍ يتّبع المسار القانوني للتحقيق؟


ليس مهمّاً أي فرضية هي التي تحرّك الهجمة على التحقيق. لكنّ هذه الفرضيّات كلّها تدين الحزب على الأقلّ بمحاولة عرقلة مسار المحاسبة والعدالة لمصالحه الشخصية. وهذا ما يطرح أسئلة حول ضلوعه في جريمة 4 آب. لو لم يجيّش الحزب كل هذه الطاقات، من إعلاميّين ومحلّلين وأجهزة وقنوات ومواقع وجيوش إلكترونية لمحاربة التحقيق، لما كنّا وضعنا هذه الفرضيات لتفسير هذا التصرّف المريب. لو لم يتدخّل الحزب بالتحقيق بوجه قاضيَيْن بهذا الشكل الفاضح، لما كان لأيّ أحد ذريعة لاتهامه.

لكنّ هذا الهجوم الشرس على أيّ قاضٍ يتخطّى الخطوط الحمراء، يدين مهاجميه أكثر فأكثر، حتى بالنسبة للمراقب الحيادي.

اليوم، بات المطلوب تنحية القاضي مجدداً لتحقيق نسختهم من العدالة – عدالة المتّهم الذي يصدر قرار الحكم على نفسه.

كلبٌ-كلابٌ-تكالبٌ… وقاضٍ عنيد

7 أيّار جديدتغيير هذا النظام القبيحتخطّى بيطار مرحلة «الوحش»حكّ هذا الموفَدُ منخاره عند مدّعي العامأن يعلك هذا المخاطتكالب الجميع عليهم

فشر بإصبعه ومنخاره: دولتي فعلت هذا

القنص القانونيفُتِحت الشاشات للفارينكيله طفح من «هذا القاضي»بتهديد بتحرّكات بالشارعالأبواق الإعلاميةبنظرية مؤامرة كونيةليس من تحت منخار وفيق صفاالإمساك بالأمورلم تعد فعّالة