نظرة ثوريّة للانتخابات النيابيّة

أعاد الانتصار الساحق لقوى الانتفاضة في انتخابات نقابة المهندسين الأمل لكثيرين بإمكانية التغيير في لبنان.

فخلال الاحتفال في ساحة النقابة في بيروت، هتف بعض ناشطي لائحة «النقابة تنتفض» أخدنا النقابة وجايين عالنيابة، مؤكّدين أنّ معركة النقابة تشكّل جزءاً من مسار يتضمّن استرجاع المجلس النيابي والمؤسسات السياسية. كما رأينا في هذا السياق تغريدات وتصاريح تمجّد اجتماع قوى التغيير في لائحة واحدة، من اليمين لليسار حسب تعبير النائب بولا يعقوبيان، على اعتبار أن هذه الوحدة مدخل لأي انتصار انتخابي.

تمثّل هذه الوجهة إحدى أبرز المقاربات الموجودة في فلك الناشطين بما يخصّ الانتخابات النيابية القادمة، وتتنافس مع مقاربات أخرى تشكّك في جدوى الانتخابات أصلًا، انطلاقًا من أنّ نتيجة الانتخابات لن تغيّر بالواقع.

بهدف طرح مقاربة جذرية وواقعية في آن واحد للانتخابات، مقاربة تتجنّب الوقوع في البراغماتية المفرطة والانتهازية من جهة، وتستفيد من الفرص السياسية من جهة أخرى، علينا البدء بعرض المقاربات المطروحة اليوم على قوى الانتفاضة في ما يخصّ موضوع الانتخابات.


الانتخابات هي الوسيلة للتغيير، واللائحة الموحّدة هي الحلّ

تبرز هذه المقاربة عند «الليبراليين» في قوى الاعتراض في لبنان والاغتراب، حيث تُعتبر الانتخابات الوسيلة الوحيدة للتغيير، لكون «الثورة الحقيقية» تمرّ من خلال المؤسسات الدستورية. وهذا الموقف ليس حكرًا على قوى الانتفاضة، بل تتبنّاه أيضًا أحزاب المنظومة كالقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر على سبيل المثال.

من أهمّ خصائص هذه المقاربة ترحيبها الدائم بكامل الجهود الساعية الى توحيد قوى الاعتراض تحت مظلة انتخابية واحدة، بغضّ النظر عن الاختلافات الجذرية بين الأحزاب والمجموعات في رؤيتها للسياسة والاقتصاد والمجتمع. فهذه المقاربة براغماتية، تركّز على النتائج أكثر من المسار والفكر.

قد تكون من أكبر مشاكل هذا الطرح، الى جانب كونه يفتح المجال للانتهازيين ويلخّص الخيال السياسي بالاستحقاق الانتخابي، ميله إلى تشكيل جبهات انتخابية رمادية ذات سقف سياسي محافظ يمكن لأي قوة أن تعتمده، بما في ذلك قوى السلطة الطائفية. فما الفرق بين خطاب القوى المعارضة «السيادية» وخطاب حزب القوات اللبنانية إذا ما تمّ التركيز في الحملة الانتخابية على تغيير «المنظومة» وليس النظام، ولم يكن من جامع إلّا رفض الفساد والمحسوبية وسلاح حزب الله؟


الانتخابات وسيلة لتجديد النظام ويجب عدم خوضها

تُعتبر هذه المقاربة النقيض التام للمقاربة الأولى، إذ ترى أنه من المستحيل تحقيق التغيير السياسي الحقيقي من خلال قوانين النظام نفسه ومؤسساته. يرى هذا التوجّه الذي يبرز في الأوساط «الراديكالية» (اليسارية الجذرية)، أنّ الانتخابات مناسبة لتجديد شرعية النظام، وهي بذلك تهدم ما تم بناؤه في انتفاضة 17 تشرين.

تنطلق هذه المقاربة من حقيقة أنّ النظام لا يعمل من خلال مؤسساته السياسية الرسمية فحسب، بل من خلال شبكات مافيات وجمعيات وشركات وميليشيات، وبالتالي لن يغيّر انتخاب بضعة نوّاب في الموازين الفعلية للقوى. إذا كان هناك دور للمعارك الانتخابية، فهو في التشكيك بالنظام الموجود بكليّته. فالأمثلة التاريخية عديدة لتيارات ثورية استخدمت الانتخابات النيابية كوسيلة لاستقطاب الناس وبرهنة مشروعيتها الشعبية وتعطيل مؤسسات النظام القائم من الداخل.


لا ثقة بأيّ انتخابات تديرها المنظومة الحاكمة

تتميّز هذه المقاربة بالتركيز على الناحية الإجرائية من الانتخابات، أي الخوف من احتمال تزوير النتائج أو غيرها من الممارسات التي تجعل نتائج الانتخابات غير شرعية. هذه المقاربة ليست ايديولوجية بل واقعية بحت، تركّز في نقدها على الفساد المتجذّر في ممارسات السلطة ومؤسساتها.

إذا كان من البديهي التشكيك بالمنظومة الحاكمة ونواياها، خصوصًا في ظل سلسلة الفضائح التي ارتكبتها في الجولات الانتخابية السابقة، لا يمكن تلخيص الانتخابات بـ«الزعبرات» التي تتخللها. فالانتخابات فترة عراك سياسي وليست إجراءً إدارياً. وفي ظل وجود تصارع على السلطة بين المكوّنات المهيمنة، لن يستطيع أي منها تغيير النتائج بشكل جذري من خلال الفساد.


مش وقت انتخابات، وقت حكومة انتقالية

تبرز هذه المقاربة في خطاب حزب «مواطنون ومواطنات في دولة» على سبيل المثال، وبشكل عام في السرديات التي تعتبر أنّ قوى السلطة لم تخسر شرعيتها السياسية- الطائفية جرّاء الأزمة الحالية وانتفاضة تشرين، بل خسرت «الشرعية الوظيفية». بكلام أبسط ، تعتبر هذه المقاربة أنه لن يحين الوقت للنزاع مع المنظومة على مسألة «من يمثّل الناس» لأن هذه المعركة خاسرة. المطلوب إذن التركيز على أولوية تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات استثنائية (أي أنها لا تحتاج الى مجلس نيابي حليف)، تدير الأزمة الاقتصادية وتؤسس لمسار تغيير النظام، وذلك قبل الخوض بمسألة الشرعية الديموقراطية.

تكمن المشكلة الأكبر في هذه المقاربة في اعتبارها الديموقراطية مسألة ثانوية في مسار التغيير السياسي. فرفض الانتخابات والإصرار على تسلّم السلطة مع صلاحيات استثنائية يعتبران أن المشروعية تأتي من الفشل الوظيفي للسلطة. وهذا المنطق قريب من منطق الانقلابات اللاديموقراطية، بغضّ النظر عن الجهة المنقلبة. فإذا لم يكن النهج البديل ديمقراطيّاً في الصميم، فهل هو «بديل» فعلًا؟


تبرز الإشكالية الأساسية في كل المقاربات المطروحة في ساحة الاعتراض، الداعمة منها لخوض الانتخابات والمشككة بجدواها، في كونها تنطلق من «نتائج» هذه الانتخابات المرتقبة، أي النجاح أو الفشل في انتخاب نواب مستقلين معارضين. لكنّ الانتخابات النيابية ليست مجرد استحقاق لاختيار ممثلين، بل هي ساحة معركة سياسية تتواجه فيها التوجهات السياسية المختلفة.

هنا تكمن الأهمية الاستراتيجية للانتخابات في السيرورة الثورية. فالفرص المتاحة لإيصال خطاب سياسي جذري وتقدّمي قليلة في لبنان، خصوصًا وأنّ إقصاء الناس عن العمل السياسي قلّص الاهتمام بالمبادرات السياسية الجديدة. شكلت الانتفاضة الشعبية فرصة نادرة لتكريس الخطاب الثوري، وستكون الانتخابات النيابية (إن عقدت) فرصة أخرى لذلك، إذا ما تمّ استغلالها من قوى التغيير بالشكل المطلوب.

تنطلق هذه المقاربة الجذرية-الواقعية من واقع الصراعات المصيرية التي يعيشها لبنان اليوم، وأهمّها الصراع الطبقي والصراع حول طبيعة النظام:

  • الحرب الطبقية على الناس من قبل عصابة المصارف والسياسيين بدأت منذ أول أيام الانتفاضة، ولا مهرب من مقاومتها للدفاع عن مصالح الفقراء والمهمشين وما تبقّى من «الطبقة الوسطى»، وبناء اقتصاد عادل وديموقراطي.
  • الصراع حول طائفية النظام ومركزيّته يحتاج الى قوى سياسية غير مساومة تجذّر مطالب العلمنة واللامركزية في الخطاب العام، وتوضّح أهمّيتها للتغيير الحقيقي في لبنان.

نسستنتج أنّنا في حرب وجودية مع النظام، حرب تتضمن معارك متعدّدة ومحطات يتجلى فيها الصراع الذي نحمله. الانتخابات النيابية هي إحدى أهمّ هذه المحطات. فلننظر إليها بالعين الاستراتيجية، من منطلق جذري يؤمن بالتغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي الشامل، ويستفيد من الواقع والفرص التي يتيحها لخوض النضال من أجل هذا التغيير.

مــــــلــــــف
مخــتبر الثــــورة

يقترح هذا الملف مساحة مفتوحة لطرح اقتراحات تخصّ مسار الثورة، بعضها سجالي أو خارج الحدث، وبعضها الآخر عملي. يدعو هذا الملف كتّاباً وكاتبات للمساهمة باقتراح في السياسة، بمفهومها العريض، ليصبح نقطة سجال أو نقاش أو بحث، تنشر مرة كل أسبوع. وتطمح هذ المساحة أن تشكّل مساهمة بسيطة بعملية التفكير الجماعية التي تُعرَف بالثورة، كمحاولة لتأمين بعض الاستمرارية لهذا المختبر الذي لم يتوقّف عن مفاجأتنا.


إعادة الاعتبار لشعار «كلّن يعني كلّن»

جرى تقزيم شعار «كلن يعني كلن» من شعار يشمل جميع أقطاب النظام السياسي الحاكم بشكل يحمّلهم المسؤولية عن القرارات الاقتصادية والسياسات المالية وقرارات السلم والحرب والتحريض الطائفي وغيرها، ليتحوّل مادّةً سجالية حول مقدار انخراط الأشخاص بملفات أو شبهات فساد

بدنا نسترجع الوقت المنهوب

معادلات الوقت انتظار فرص العمل أمام أبواب السفارات نتيجة التحقيق البضائع المدعومة نهبت الوقت واعمار الناس معه ابتداع سلوكيات تطال تعاملنا مع الآخرين ومع الأشياء والمقتنيات، ومع الزمن كذلك