وقاحة سماسرة الموت

مع كلّ خطوة نخطوها نحو الانهيار الشامل، تطوف الوقاحة على السطح، كما تطوف المجارير بشهر أيلول بعد أول شتوة، لكي تفضحهم، واحداً تلو الآخر. فيظهرون على حقيقتهم، عراةً من أي خطاب كان يحتويهم أو دورٍ كانوا يختبئون وراءه، عراة ولكن منقوعين بوقاحة عطِنة.

يظهرون على حقيقتهم، كسماسرة الموت الذين لم يبقَ لهم إلّا الوقاحة ليتاجروا بها.


الممانع الوقح

أن ينشغل كل شعب من شعوب المنطقة بقضاياه الداخلية ومشاكله الداخلية بخبزه وبنزينه ومازوته والغاز في بيته وحليب اطفاله وراتبه وعملته الوطنية حتى لا يبقى لأي شيء أخر يعني الأمة وفي مقدمها فلسطين والقدس (حسن نصرالله)

أطّل نصرالله مجدّدًا على اللبنانيين المنهمكين بأزمتهم. لكن هذه المرة، لم يكن عند سيد المقاومة أي نظريات اقتصادية ليطرحها أو اقتراحات عملانية ليقدّمها لحل الأزمة. انتهى المزح والزرع على البلكون. فلم يجد نصرالله في جعبته المهترئة إلّا «الحصار» لكي يبرّر فشل عهده.

لا داعي لتكرار خطابه الذي يلخَّص ببضع كلمات: حصار، أميركا، فلسطين… حتى نصرالله لا يصدّق الكلام الذي يقوله. فهو يعرف تمامًا معنى كلمة «الحصار»، بعدما أطبقه على مدن سورية عديدة وجوّع سكّانها.

يعرف نصرالله أنّ ما من حصار. لكن لسماسرة المقاومة الذين تُدفَع رواتبهم بالدولار الأميركي كما طمأننا نصرالله في خطاب سابق له، يبرز الحصار مادّةَ ابتزاز جديدة. فما يريده نصرالله هو استغلال مصائب الناس للاتجاه شرقًا، أي تحويل لبنان إلى محمية صغيرة في محور الممانعة. فطالب الإدارة الأميركية بفك حصارها عنه وإلّا سيذهب شرقًا، طالبها بتخفيف ضغوطها لكي يجد متّسعاً في الفكر والعقل والإرادة لكي يدمّرها، طالبها بأن تسكت عن فساده كما سكتت عن فساد الآخرين لسنوات.

نصرالله غير مبالٍ بالبنزين أو حليب الأطفال. فهناك «بطاقات السجّاد» لإسكات من باله في تلك الأمور الآنية من جمهوره. وهناك فلسطين لتبرير هذا السكوت. هو يحتاج إلى بعض الهدوء اليوم، والحفاظ على ما تبقى من صورته. فالوقاحة تقتضي أن يتسوّل منتصرٌ من الغرب المهزوم.


الموظّف الوقح

إن الاستمرار بحصار ومعاقبة اللبنانيين، سيدفع حكماً لتغيير في التوجهات التاريخية لهذا البلد، وسيكتسب هذا التغيير مشروعية وطنية تتجاوز أي بعد سياسي، لأن لقمة العيش وحبة الدواء ومقومات الحياة لا تعرف هوية جغرافية أو سياسية (حسّان دياب)

التقط الموظف الأبله، حسّان دياب، إشارة حاكمه. مستقويًا بخطاب الحصار، استدعى سفراء دول الحصار لكي يوبّخهم على حصارهم، طالبًا منهم فك حصارهم. أضاف إلى خطاب نصرالله ابتزازه المعتاد باللاجئين، هذا التهديد الذي لم يبقَ للنظام غيره لكي يفاوض به الغرب. فلسماسرة الموت، لا حدود للوقاحة، وقاحة تنظر إلى خيم اللاجئين كالمصدر الأخير للعلاقة مع الخارج.

لكن وقفة العز لم تدم كثيرًا. انقطع البث تفاديًا للشرشحة. يقال إنّ البروفيسور أكل بهدلة، مفادها أن يسدّ نيعه. فالبروفيسور لا يحظى ببرنامجه الخاص الخالي من أي جمهور أو محاور، كحسن نصرالله. كما أن بطاقته التمويلية (الذي يطلب من هذا العدو الخارجي أن يموّلها) لم تنطلق كبطاقة السجّاد. لا يمكن أن يختبئ بصالته المغلقة، لكي يهدّد العالم إن لم يعطوا بعضًا من المال. فتراجع البروفيسور عن كل ما قاله بالعلن، ليسأله أحد ممثلي دول الحصار: فلماذا دعوتَنا إذن؟

البروفيسور هو مصير حسن نصرالله إن خرج من عزلته، مصير العنتريات عندما تواجه العالم الحقيقي، مصير هذا الابتزاز المقاوم الذي ينتهي تسوّلاً عند الأعداء.


النوّاب الوقحون

بعد الاطلاع على طلب إذن ملاحقة 3 نواب من المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت، ومراجعة المواد الدستورية، والنظام الداخلي للمجلس النيابي، يجب طلب خلاصة عن الأدلة الواردة في التحقيق وجميع المستندات والأوراق التي من شأنها إثبات الشبهات (إيلي الفرزلي).

لم يكتفِ نصرالله في خطابه بمحاولة ابتزاز العدوّ من أجل بعض المال. لكنّه أطلق أيضًا المعركة ضد التحقيق بجريمة المرفأ، وهو الخبير في «التشكيك» بالقضاء والتحقيقات. فهو، كالعادة، يرفض التوظيف السياسي للتحقيق، ولكنّه استنتج سريعًا أن العدالة بعيدة، والحقيقة مخفية في قضية المرفأ. فأطلق تهديده الشهير، يبنى على الشيء مقتضاه، ليعلن افتتاح موسم التملص من التحقيق.

أعلن نصرالله أن العهد ضد التحقيق. أو بكلام أدّق، هو ضد التحقيق ولكن مع تحويل الجريمة إلى فرصة لفك الحصار. فجاءت جوقة هيئة المجلس برئاسة النائب الملقَّح إيلي الفرزلي لتفسّر بعنهجية كيف أنّ التعقيدات الدستورية والقانونية تتطلب المزيد من المستندات، قبل أن يتم التحقيق مع نائبين ونصف. ما لم تقله هيئة سماسرة الشرعية المهترئة، عبّر عنه أبو خشبة. فأخد «حراس المجلس» «برايك» صغيراً من عمليات السطو على محطات البنزين في بيروت والجنوب، لكي ينهالوا ضربًا على أهالي ضحايا انفجار المرفأ.

ليس من منظر معبّر عن الوقاحة أكثر من أولئك المرتزقة ينهالون ضربًا على أهالي الضحايا. ليس من صورة أوضح عن ثنائية الخير والشر غير هذه الصورة.


الأمن الوقح

كان مسلسل الوقاحة قد بدأ قبل اجتماع هيئة المجلس، عندما قرّر الوزير القاتل محمد فهمي تبرئة «موظفه» ومنع التحقيق معه. لم ينتظر هذا الموظف قرار وزيره لكي ينقضّ على التحقيق. فأطلق ميليشيا الأمن العام، لكي تطلس شوارع بيروت بيافطات تمجّد نبالته ورجولته وعظمته. هل يستطعم عباس إبراهيم بطعم الوقاحة عندما يرى هذه اليافطات؟

في اللحظة ذاتها التي كان جهازان من أجهزة الدولة يحاولان الانقضاض على التحقيق، كان جهاز ثالث يطلق ما يشبه حربًا أهلية على خلفية السيطرة على محطة بنزين. فبعد تخصّصها بتعذيب الأبرياء، قرّرت مديرية أمن الدولة أن تتخصّص بعمليات السطو على السوق السوداء بالبنزين. غير أنّها لم تنسّق مع باقي الأجهزة، مما انتهى باقتتال مسلح حول المحطة، كاد أن يسقط ضحايا جراءه.

الجيش اللبناني يؤجّر طوافاته «بالفريش»، الأمن العام يرفع يافطات لمديره العام، حرس المجلس يتعدّى على ضحايا عزّل، أمن الدولة يسرق البنزين… عهد الميليشيات ببدلة بدأ. هو كالحرب السابقة ولكن بوقاحة أكبر.


الوقاحة ليست نتيجة انحلال أخلاقي أو طبع شخصي. هي نتيجة انفصالهم عن الواقع. فمهما فعلوا أو قالوا، سيبدون وقحين، لأنّ مجرّد بقائهم في مكانهم هو وقاحة، وقاحة سماسرة الموت في ظل الانهيار.