وهمُ الانتخابات وعدم ضرورتها

إلهي،
لينبُتَ دودٌ مكانَ البَلَحْ.
ذهبنا جميعاً إلى الانتخابِ،
ولم ينتَخب أحدٌ مَن نَجَحْ!

— «إلهي»، محمد الصغير أولاد أحمد

ما لا ضرورة فيه

كتب سامر فرنجية الشهر الفائت عن وهم الانتخابات، وهي وهم؛ كما كتب عن ضرورتها، لكنّ لا ضرورة فيها.

اعتبر الكاتب أنّ الانتخابات النيابية المقبلة [صارت] المحطّة المركزية للسياسة اللبنانية، إلّا أنّ هذا هو بالتحديد المُنزلَق الذي جرّتنا السلطة إليه، وكرّسته. ذلك أنّ مركزة الانتخابات جعلتها المحطّة المحورية على حساب جملة قضايا جاهد الرأي العام لترسيخها منذ 17 تشرين وحتّى اليوم.

لا ضرورة للانتخابات. أو أنّ لها ضرورة بالفعل، إنّما لجهة السلطة والأحزاب التي تنتظر بفارغ الصبر صناديق الاقتراع لتجديد ما فقدتهُ من شرعيّة عشيّة الانتفاضة.

حاجج فرنجيّة أيضاً أنّ الانتخابات مرحلة قد لا تكون حاسمة، ولكنّها مهمّة إذا عرفت قوى المعارضة كيف تستفيد من حالة الشرذمة القادمة، وهذا صحيح. غير أنّ العطب في هذه الـ«لكنّها»، إذ ندرك جميعنا، سلفاً، بأنّ قوى المعارضة لن تعرف كيفيّة الاستفادة من حالة الشرذمة في صفوف السلطة؛ لا بل، بشيء من الغطرسة التكتيكيّة، ستُسدي المعارضة بممارستها خدماتٍ للسلطة لتتجاوز شرذمتها.


الأوهام الثلاثة

1

قياس الانتخابات الطلّابية والنقابية، حيث حقّقت المعارضة تقدّماً نوعياً وكمّياً، على الانتخابات النيابية. يغفل هذا التصوّر أنّ معظم الفئات الاجتماعية التي تقترع نيابيّاً هي من الفئات «الأدنى» للمجتمع  (ضمناً «البروليتاريا الرثّة»)، ولا تُشبه الفئات المُقتَرِعة في الجامعات الخاصة ونقابات المهن الحرّة.

2

نظرية «الخرق بنائبٍ للمعارضة هذا العام، ونائبَين بعد أربعة أعوام، وثلاثة بعد ثمانية أعوام». ويتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، حتّى تصبح هذه النظرية مجرّد جدول ضرب كاريكاتوري. المشكلة ليست بالنوّاب نفسهم- فحسب، المشكلة في أنّ مركز السلطة خارج البرلمان. وعليه، تصبح الخروقات في البرلمان مجرّد قنبلة دخانية، تركّز على إصلاح أفرادٍ في جسدٍ معطوبٍ بنيويّاً.

3

نظرية أنّ المعركة الانتخابية تدور، زمنيّاً ومكانيّاً، في فلك المعركة الانتخابية فحسب. والحقّ، أنّ المعركة الانتخابية هي الحياة السياسيّة اليوميّة، ومراسيم الانتخابات ليست سوى محطّةً فيها. فالمعارضة التي لا تظهر سوى عند الحديث عن انتخابات، والتي لا تظهر سوى في الإعلانات وأمام عدسات الكاميرا، ليست بمُعارضة، ولن تستطيع يوماً أن تخرج عن قواعد الاعتراض التي رسمتها لها السلطة سلفاً.


الاغتراب عن اليوميّ

حملات المُعارضة الإعلامية المُمَوّلة، ليست اعتراضاً. والشعارات التي تقول نحن الشعب، لا تمثّل الشعب.

طامة المعارضة أنّها تفصل الانتخابات عن النضال اليومي. والطامة الأكبر، أنّ كل هذه المعارضات تريد توظيف نضالات الناس في البرامج الانتخابية.

سنرى غداً، في 27 آذار، المعارضات التي ستخوض الانتخابات على أنّها هي «17 تشرين والثورة والغضب»، من دون أن يكون لأي من هذه المعارضات حجم تمثيليّ يُقارب حجم الكتلة الشعبية الرافضة للنظام عشيّة 17 تشرين.

ولأنّ المُساءلة مشروعة، والنقد الذاتي ضروري، يحق لنا السؤال: 

أين كنّا ما بعد 17 تشرين وحتّى اليوم؟ 

لا جلد للذات في هذا السؤال، فعدد من المعارضين استمرّ في نضاله، وعدد انتكس، أو هاجر، أو دخل في الـsurvival mode، وكل هذا مشروع. لكنّ غير المشروع، هو الاستيقاظ الفُجائي من الثبات، لا لشيءٍ سوى لخوض الانتخابات، وكأنّها مفصولة عمّا سبق.

لن تنجح المعارَضة في أن تكون معارَضة، طالما أنّ ممثّليها لا يعترضون إلّا في دوائر حدّدتها السلطة (ساحة الشهداء، استوديوهات البرامج السياسية…). لن تنجح في أن تكون معارَضة، إلّا عندما يقصد ممثّلوها قهوة أبو عسّاف على الطيّونة وخطبة يوم الجمعة في مساجد طرابلس وعظة الأحد، وعند دخولهم المخيّمات الفلسطينيّة وخيَم اللاجئين السوريّين من دون فوبيا، وعند تدخينهم سجائرهم في ساحة الضَيعة، لا على شرفة المنزل… للأمانة، لم أرَ بعد أيّ مُرَشّح للانتخابات يخطو هذه الخطوات.


شبكة العلاقات: مفتاح السلطة والمعارضة

في الشارع كنّا — مجموعة من الرفاق وأنا، نُطالب أحزابَنا ومجموعاتنا المُعارِضة بتبنّي شعار شبكة علاقات شعبية نقيضة لشبكة العلاقات الزبائنية.

لا حياة لمن نادَيناه.

طوّرنا الشعار، وقلنا إنّ خوض الصراع مع السلطة يدور وفق مساراتٍ ثلاثة:

  1. النضال في الشارع والمشاركة في التظاهرات والحملات المطلبية.
  2. تأسيس شبكة علاقات شعبية، من تعاونيّات زراعية ومؤسّسات تقدّم خدمات بسعر الكلفة وشبكات أمان غذائي واجتماعي… وهي مدخل لخرق جماهير أحزاب السلطة، قبل خرق البرلمان.
  3. الإطار السياسي الجامع — أو الأطر، وهي تقرّش المسارَين الأوّلَين بشكل مؤسّستيّ لخوض النضال السياسي بالمعنى الضيّق للكلمة، ضمناً الانتخابات.

لم يأخذ أحدٌ بهذا الطرح، وخاض المعارضون نضالهم بشكلٍ ارتجاليّ بأسوأ الأحوال، وبأفضلها وفق مسارَين فقط، وغالباً ما كان مسار شبكة العلاقات الشعبيّة هو المُغَيَّب. يُدرك كُثر من جماهير أحزاب السلطة أنّ زعماءهم منافقون، لكنّهم سيصوّتون لهم في كل الأحوال، لأنّهم محكومون بشبكة العلاقات الزبائنية. تفتيتها إذاً مدخلٌ لفكّ ارتباط القاعدة بالقيادة.


المقاطعة: لا لشرعيّة النِترات

لا يزال منطق مقاطعة الانتخابات خجولاً، ويُختزل بـ«عدم المشاركة» فحسب، في حين أنّ المقاطعة تقوم على حملةٍ تجعل من «عدم المشاركة» فعلاً إيجابيّاً قائماً بذاته، لا فعلِ رفضٍ فحسب، وتبني كتلةً شعبيّةً ضخمة إلى حدّ أنّ عدم مشاركتها في الانتخابات يفقد الانتخابات شرعيّتها، عوضاً من أن تُختَزَل هذه الكتلة بعبارة «الأكثريّة الصامتة».

أمّا بعد،
ما زلتُ أجد أنّه من الكاريكاتوري أن نشارك في انتخاباتٍ تقوم عليها سلطةٌ فجّرتنا. فالمشاركة في هذه الانتخابات، حتّى ولو من باب معارَضة النظام، هي بمثابة إعطاء شرعيّة لهذا النظام. والمجلس الذي يُعادي اليوم تحقيقات المرفأ، هو هو المجلس الذي صاغ القانون الانتخابي.

كل هؤلاء، الرئيس الذي «كان يعلم»، ثنائيّة «حزب الله- القوّات» التي يسعى النظام لتكريسها، التيّار الذي أفقدته «الهيلا هو» شرعيّته الشعبية، المردة والمستقبل والجنبلاطيّون والبقيّة المُنافِقة، كل هذه المافيا هي خصمنا وهي ما يُكوّن «سلطة الاحتلال»، فهل يُواجَه الاحتلال بالانتخاب؟

الجواب لا. «سنذهب جميعاً إلى الانتخاب، ولن ينتخب أحدٌ من نَجَح». أمّا كيف نُواجه؟ فهي سيرورة ثورية طويلة، على الانتخابات أن تبقى على هامشها في الوقت الراهن.

عن خوض المعارضة للعمل البرلماني

أمّا إذا تمكّن طرفٌ ناشئ من إضعاف قوّة هذه الأحزاب في البرلمان إضعافاً مُعتبراً، فإن ذلك سيؤدي إلى تعطيله، عبر استعمال النظام لأدوات الهيمنة التي يحوزها.

ماذا بعد نقابة المحامين؟

الصفعة نقد ذاتي أو محاسبة على مشارف الانتخابات النيابية مجموعات الثورة غير شرعيّ التمثيل المؤسستي لحركة الاعتراض الشعبية التحالف مع الكتائب موضوع توحيد اللوائح أي رؤية لكيفية خوض هذا الاستحقاق الهذيان الثوري المسيطر المعضلة قرار مقاطعة الانتخابات القادمة