ثورة نسويّة تتشكّل
11
دقيقة

إلى جينا، إلى نيلوفر، إلى الهى، إلى مهسا، إلى الميرا، وإلى كلّ اللواتي لم أنده بأسمائهنّ بعد.

هل الإنتفاضة في إيران ثورة نسويّة؟

يحاول هذا النصّ فهم حدسٍ وُلد من اختبار هوّة فاصلة ما بين مشاهدة صور وفيديوهات الاحتجاجات عبر الإنترنت، والتواجد في الشارع. هو جهد لتفسير «الماس الكهربائي» الحاصل في الثغرة المفتوحة ما بين الحيّز الافتراضي والواقع في الشارع في هذه اللحظة التاريخية. الماس الكهربائي (short-circuit) هو عبارة عن تلامس غير مألوف بين نقطتين تحملان توتّراً كهربائياً مختلفاً. في تحليل الدورات الكهربائية، يُنظر إلى الماس كتلامس بين نقطتين مختلفتَي التوتّر، ويفرض هذا التلامس عليهما تساوياً بالتوتّر. في الواقع، الماس الكهربائي مسار اتصال بين نقطتين، بامكانه توليد تيّار أكبر بآلاف المرّات من ذلك المتوقّع من الدورة الكهربائية.

 

صور الشارع وواقع الشارع

وصلت الاحتجاجات إلى مدينتي الصغيرة بعد بضعة أيّام من اندلاعها في كردستان، وبعد يومين فقط من امتدادها إلى طهران. شاهدت فيديوهات احتجاجات الناس في الشارع. سمعت أغانيهم الحماسيّة. ونظرت إلى صور النساء وقوامهنّ. فعلت ذلك لعدّة أيّام. وفي نهار الأربعاء، وجدت نفسي أخيراً وسط تظاهرة في الشارع. كانت اللحظات الأولى لتواجدي «هناك»، في الشارع، محاطة بالمحتجّين والمحتجّات، شديدة الغرابة. كنت قد شاهدتهنّ على شاشة هاتفي الخليوي منذ يوم واحد فقط، مبديةً إعجابي بشجاعتهن، متابعةً أفعالهنّ. غصّيت حينها، وبكيت. نظرت من حولي في محاولة لتكييف صور الشارع مع واقع الشارع. ما كنت أراه مباشرة يتشابه مع ما سبق أن شاهدته على الشاشة، لكنّني اختبرت هوّة، لاحظتها سريعاً، أدخلت مسافة ما بين أنا-المشاهدة وأنا-في-الشارع. لم يعد الشارع بالنسبة لي مصدر خوف، بل بات مكاناً عادياً. بات كلّ شيء عادياً؛ حتّى هجوم القوى الأمنية علينا بهراواتهم ورصاصهم وعصيّهم المكهربة. لا أعرف كيف أفسّر كلمة «عادي»، أو بأي عبارة أفضل يمكنني استبدالها. تقلّصت المسافة الفاصلة بيني وبين الصور، حتى أصبحتُ أنا نفسي تلك الصور. بدأتُ أرى نفسي فجأةً وسط حلقة تحرق أحجبة، كما لو أنّنا كنّا دائمًا نحرق الأحجبة. أتنبّه فجأةً لنفسي، فألاحظ أنني تعرّضت للضرب للتوّ.

التعرّض للضرب في الواقع كان أكثر عاديةً مما شاهدته على الشاشة. لا وجود لآثار الألم التي تخيّلتها عند مشاهدتي أفلام الفيديو. الجسد «دافئ» عند تعرّضه للضرب. لا نختبر الألم بالطريقة التي نتوقّعها. شاهدنا فيديوهات عديدة لأجساد أمطرت بالخردق. لكنّ أولئك الذين أصيبوا بها يقولون إنها ليست مؤلمة إلى هذه الدرجة، أو مروّعة إلى هذا الحدّ.

في الشارع، تلاحظين فجأة أنّ عليك الركض، قبل أن تنتبهي أنك كنتِ قد بدأتِ بالركض. تقولين لنفسك، عليّ أن أشعل سيجارة. فتلاحظين أنك «هناك»، بين الناس، تدخنين سيجارة. اقتبست هذه الجملة من مقطع كتبته لحبيبي بعد مشاهدتي لفيديو انتشر كثيرا عن فتح بوابات سجن القصر وتحرير السجناء السياسيين قبل أشهر من ثورة 1989. كتبت ذلك في 2 آب 2020:
--------------
شاهدت الليلة فيديو تحرير السجناء على الانترنت.  مرة بعد مرّة. هل يمكن أن أكون أنا مَن رفع شعر تلك المرأة عن جبينها. كيف يمكن للمرء أن يشعر بالسعادة؟ كم ذلك ملتبس. في اللحظة التي تحسّ فيها بشيء يشبه الإلهام في قلبك، تظنّ أنك سعيد، لكن في لحظة رفعك لرأسك، تلاحظ أنك شخص كان سعيداً يوماً ما. واستحالتك على فهم ذلك الإحساس العابر الآن يجعل كلّ شيء غير مفهوم. احتوى هذا الفيديو على الكثير من الفرح. يا لها من لحظة. لا داعي لقول أي شيء. يكفي أن ترفع الشعر من الجبين المقابل لك لتتعرّف عليها وتتأكّد أنها هنا، وأنك أنت من يكشف عن وجهها. 

هل هذه أنت؟
نعم، هذه أنا

وجه للجميع. وجه محرّر. يبكي. يضحك. مشاعره غير مكبوتة. تبكي بينما هي تضحك. نوع من النوبات العاطفية. وجه لا قدرة له على تمييز الفرح أو تبدّل الظروف. تلك اللحظة عندما يكون كلّ شيء بحالة تغيّر مستمرّ. لحظة الثورة. لا لحظة قبل ولا لحظة بعد. حالة قلق. حالة صيرورة. كيف يمكنك التعرّف على شخص وسط حشد في لحظة الثورة؟ عندما يتجاوز كلّ عضو في الجسم وعيه بذاته وما تعلّمه.  تفعل ذلك برفع الشعر عن الجبين والبحث عن ذكرى مغمورة. شامة سوداء بالقرب من الأذن اليمنى. ثم تقول لنفسك، عليّ أن أشعل سيجارة، لترى نفسك هناك، تدخّن سيجارة. تقول: عليّ الذهاب، لترى نفسك هناك وسط الحشد. لقد كنت هناك طيلة الوقت.

--------------
ها أنا الآن أجعل من هذه الرسالة الخاصّة ملكاً عاماً في هذه الظروف الثورية :) لم تعد هذه الرسالة ملك حبيبي. بل أصبحت ملكاً لجميع الأجساد في الشارع التي أحببتها من كل قلبي.
 حركة الجسد أسرع من عملية الإدراك. لم تتمّ عملية التزامن بينهما بعد. حتى الموت، باعتقادي، لا يخيف مَن يتواجد في الشارع. فتعلّق تجربة الشارع التفكير بالموت. وذلك ما يخيف المراقبين: مشاهدة أشخاص مستعدّين للموت. نحن مستعدّات للموت. لا. ولا حتّى مستعدّات، نحن تحررنا من التفكير بالموت. تركنا الموت خلفنا بعد لقائنا الحميم بمخاوفنا وتجاوزناها في الأجساد الدافئة، في ساحات الواقع.  

في إحدى المرّات، لقيت تشجيعاً حارّاً بعد تمكّني من الهروب من مسرح المواجهة مع القوى الأمنية، راكضةً نحو الناس المحتشدة. أعود وحيدة نحو البيت في الليل، فأصادف عامل دليفري على دراجة ناريّة. يرفع شارة نصر خاطفة باتجاهي أو يصرخ: أحسنتِ. كنت ما زلت مشغولة باللحظة. ولم أدرك تماماً دوافع الإشادة والتشجيع. في الصباح التالي، وبينما كنت أتفحّص كدماتي في المرآة، ظهرت تفاصيل المواجهة فجأة أمام عينيّ. كأنني استذكرت مناماً، لم أكن على علم به قبيل لحظة من مباغتته لي. برد جسمي وبدأ ذهني بالعمل. ضُربت. لكنني قاومت أيضاً، ببعض اللكمات والركلات. نفّذ جسمي لاشعورياً ما كنت قد رأيت الآخرين يقومون به. تذكّرت الوجوه المندهشة للحرّاس وهم يحاولون إخضاعي. وصلت ذاكرتي الآن، بعد فترة، إلى جسمي.

الانتقال من «حركة الناس المحتشدة» إلى «ابتداع الموقف» 

الاختلاف الملموس، بالنسبة لي، بين هذه الاحتجاجات وتلك التي شاركت فيها من قبل، يكمن بالانتقال من «حركة الناس المحتشدة» إلى «ابتداع الموقف». في الفترة القصيرة المتاحة قبل وصول قوى القمع، يجتمع متظاهرون ومتظاهرات حول موقف معيّن ويبتدعون شيئاً. مع وصول قوى القمع، ورهناً بموقع الشارع والأزقّة المحيطة به، تتصدّى الجماعة لقوى الأمن، قبل أن تتفرّق وتعيد تشكُّل نفسها في مكان آخر. ابتدعت هذه المواقف عندما قام المتظاهرون والمتظاهرات بإغلاق شارع، وإشعال حاوية نفايات في وسطه شلّت حركة السير. في الفرصة القصيرة المتاحة، يتّجه الحشد النشيط، دون أن يكون كبيراً، إلى الإسراع بابتداع موقف آخر: «لنحرق الأحجبة الآن». تقفز امرأة على سطح حاوية النفايات. تلتفت باتجاه السيارات وترفع قبضتها أوّلاً. تبقى ثابتة في هذا الشكل لثوانٍ. تقفز امرأة أخرى على سطح سيّارة وتلوّح بحجابها في الهواء. بينما لا تترك بعض النساء اللواتي هنّ في منتصف العمر، مركز المجموعة المتشكّلة. يتحرّكن بسرعة لمحاولة تحرير مَن يُعتقَل.  
أراد الجميع الالتحاق بمجموعة الصور التي رأوها في مقاطع فيديو لاحتجاجات الأيام السابقة ولأشخاص من مدن أخرى. قلّة فقط هتفت وأطلقت الشعارات في هذه اللحظات. تراءت لي بوضوح «الرغبة» بأن نصبح «تلك الصورة». تلك الصورة للمقاومة التي شاهدها أهل مدينتي في الأيام الماضية. 

في ما يلي أريد تتبُّع هذه «الرغبة» للإجابة على سؤال ما الذي يجعل من تلك الانتفاضة ثورة نسوية. 

النقاط المتفرّقة والمتعدّدة لبعث الرغبة

نساء كرديّات في مدافن منطقة أيچي.

كما كتبت، لا تتمحور هذا الاحتجاجات حول الحشود والشعارات، بل حول المواقف والأشكال. بإمكان أيٍّ كان، وأعني ذلك فعلاً، أن يبتدع موقفاً مقاوماً مذهلاً وراديكاليًا، بحيث يدهش من يشاهده. انتشر هذا الإيمان بالقدرة على الفعل بشكل كبير. فالكلّ يدرك أن باستطاعتهم ابتداع موقف لا يُنتَسى من خلال صياغة أشكالهم المقاومة. فالناس، وخاصّة النساء — الساعيات العنيدات وراء رغباتهنّ — يسعون جاهدين لتحقيق هذه الرغبة. وتثير تلك الرغبة نفسها سلسلة من الرغبات لابتداع أشكال مقاومة ومواقفها: أريد أن أكون تلك المرأة صاحبة الشكل المقاوم، تلك المرأة التي رأيت في الصورة. فأخلق شكلاً. كلّ تلك الأشكال كانت مقيمة في لاوعي المحتجّات دون أن يتمّ التمرّن عليها إطلاقاًَ؛ كما لو تدرّبنَ عليها لسنوات. هذا الشكل المقاوم، هذا الجسد المحفوظ في الصور، يصبح في الحلقات اللاحقة محرّكاً لرغبات نساء أخريات، في سلسلة إثارة الرغبات، لابتداع أشكالهن الخاصّة. آه كم من الرغبات تحرّرت من سجن أجسادنا نحن النساء في هذه الأيّام!


هذا الشكل المقاوم، هذا الجسد المحفوظ في الصور، يصبح في الحلقات اللاحقة محرّكاً لرغبات نساء أخريات، في سلسلة إثارة الرغبات، لابتداع أشكالهن الخاصّة.

أريد أن أضع القوّة الموجّهة التي حرّكت الحشود في احتجاجات 2009، على سبيل المثال، وجهًا لوجه مع مواضع الإثارة هذه أو النقاط المتفرّقة والمتعدّدة لبعث الرغبة. مثل الرعشة الجنسية عند النساء، لا تتركز مواضع الإثارة تلك في نقاط محدّدة من الجسد/الشارع، ولا تقتصر على بعضها. إذا أردت تسمية هذه الانتفاضة انتفاضةً نسويّةً، يتوجّب عليّ البحث عن شيء أبعد من شعار «نساء، حياة، حريّة» ودعوة الناشطات داخل البلاد إلى التجمّع الأول، اللذَيْن شكّلا نقطة انطلاق الاحتجاجات. فبالإضافة إلى كلّ ذلك، ما جعل الانتفاضة تتمدّد باتجاه نسائي ونسوي، وما يثير الآن رغبات النساء في كلّ العالم، هو ما يتمحور حول تعدّد نقاط إثارة الرغبات التشكّلية في الأجساد المحتجّة. ترغب المحتجّات بشكل واضح أن يصبحن تلك الأشكال، لدرجة أنه لم يعد النزول إلى الشارع ممكناً دون اتخاذ شكل تلك الأجساد المتمرّدة، الثائرة، المقاومة. سواء تمّ ذلك على سطح سيّارة أو حاوية نفايات، أو من خلال حرق الحجاب، أو تحرير معتقل، أو الوقوف بجرأة في وجه قوى القمع.

الزمن المحبوس داخل الصور

أقرباء جينا (مهسا) أميني في مستشفى. الصورة للصحافية المعتقلة نيلوفر حميدي.

منحتنا الصور التي شاهدناها نحن النساء، صور نساء مقاومات أخريات، معرفةً جديدةً بأجسادنا. باعتقادي، حوّلت خصوصية تلك المقاومة النسويّة وطابعُها الشكليّ الصور الفوتوغرافية ولقطات الشاشة، وليس مقاطع الفيديو، إلى أيقونات. انتشرت الصور على نطاق واسع وحُفِرت سريعاً في ذاكرتنا الجماعية لدرجة أنه بات بإمكاننا تأريخ أحداث الانتفاضة من خلال تاريخ الصور المنشورة كلّ يوم. الصور التي حرّكت هذه الانتفاضة ودفعت بها إلى الأمام: صورة جينا (مهسا) أميني على فراش المستشفى.

صورة عناق أقارب جينا المفجوعين في المستشفى. صورة النساء الكرديّات الملوّحات بحجاباتهنّ في الهواء في مقبرة أيجي. كلّ ما نريد أن نراه من هذا الحدث هو تلك اللحظة التي تلتقط رفرفة الحجابات وتمايلها في الهواء. شكل قبر جينا. شكل حاملة الشعلة على جادّة كشاورز. شكل إمرأة وحيدة في الشارع تواجه رشاش المياه في ميدان ولي نصر.

شكل المرأة الجالسة. المرأة الواقفة. شكل المرأة الحاملة للافتة والمحدقّة بعيون قوى القمع في تبريز. شكل المرأة التي تربط شعرها. شكل الحلقة الراقصة حول النار في بندر عباس. وصور وأشكال أخرى عديدة. 

نساء في مواجهة خراطيم المياه في مدينة طهران.

ما الذي يمنح الصورة تلك القدرة المذهلة للإثارة والتحفيز مقارنة بالفيديو؟ الزمن المحبوس داخلها. يكثّفها ذلك الزمن المحاصر في داخلها، ويجعل منها حاملاً لتاريخ إخضاع الجسد. انتفاضة النساء في إيران تتمحور حول الصورة. ما الذي يوسّع ذلك الاتجاه النسوي؟ ويحميه من الضياع؟ من بعد اسم جينا، من بعد «نساء، حياة، حريّة»، وفيما يتزايد القمع لدرجة غالباً ما تمنع الحشود من التشكّل، تحافظ أشكال النساء المقاومات على نسوية الانتفاضة. ذلك الزمن المحاصر في الصور يصعّب الارتكاز على سرد خطيّ متسلسل للتاريخ. بدلاً منه، يسلّط الضوء على طوبولوجيا المواقف: إيماءات الجسد وحركاته، اللحظات والنضالات الصغيرة (الميكرو) التي نخوضها كلّ يوم. #من_أجل تلك اللحظة وكل تلك اللحظات. ملاحظة المترجم إلى الإنجليزية: #براى (من أجل) إشارة إلى ترند على تويتر شارك به الآلاف الذين كتبوا عن كلّ ما دفعهم لدعم الاحتجاجات. «من أجل» الطلّاب الذين حرموا حقّهم في الدراسة. «من أجل» الفرح الذي حرم منه جيل الحرب. «من أجل» عمال مصنع قصب السكّر في هفت تبه. وآلاف أخرى من الـ«من أجل». بعدما انتشر الترند، سجّل المغنّي الشاب شروين حاجى پور أغنية عنوانها «براى» (من أجل) استجمع أكثر كلماتها مما كتب على تويتر. انتشرت الأغنية سريعاً واعتقل المغني بعد ذلك بقليل، لكن أغنيته أصبحت أحد أناشيد الانتفاضة.  ليس من أجل تلك السردية الكبرى، بل من أجل كلّ شيء صغير. من أجل تلك اللحظات المجهرية (ميكرو) العابرة. من أجل استردادها. من أجل تلك الغصّة في الحلق. من أجل ذلك الخوف. ذلك الانفعال. تلك الكلمة. من أجل تلك اللحظة المستمرّة حتى الآن. تلك التي جرجرت نفسها إلى اليوم. تلك التي أخفت نفسها تحت جلدنا. تحت أظافرنا. في غصّة الحلق. المضارع التامّ: زمن الصور. يثير الرغبات. يُحيي الماضي ويصله بالثانية التي مضت للتو. أمّا الآن، فهو يسلّم ماراثون اللحظات للّحظة الآتية. الصورة الآتية. الشكل الآتي.

نسويّة الانتفاضة هي فعلياً حصيلة تمحوُرها حول ابتداع الأشكال. قدرتها على خلق صُور لا تلتقط بالضرورة شدّة النزاع ووحشية القمع وتعاقب الأحداث، بل، بدلاً من ذلك، تنقل تلك الصور تاريخ الأجساد. انقطاع. وقفة. أنظري إلى هذا الجسد، عايني كلّ ذلك التاريخ. الآن. شكل المرآة حاملة الشعلة ناقلٌ مكتفٍ بذاته للتاريخ، بلا أي إشارة للّحظة التي سبقتْه وتلك التي تلتْه. لا يُروى تاريخ الجسد من خلال تسلسل زمني خطّي مسجّل على أفلام فيديو تنقل القمع او المواجهة أو الفعل، بل يتبلور في لحظة ثورية. يتركّز في اللحظة التي ترفع فيها المرأة حجابها المشتعل، وتُبرز فجأة شارة النصر. حركة العينَيْن على طول الصورة. بريق أضواء السيّارة خلفها. الأيدي المرفوعة. ابتسامة الرجل الواقف إلى يمينها. الأشجار على طرفَي الشارع. شكل. وقفة. لا ضرورة لما قبل هذه اللحظة وما بعدها في تسجيل فيديو، لأن الشكل لا يبتدع في تسلسل زمني، بل في انقطاع، في توقّف تاريخي. 

أجساد أرادت أن تصبح «ذلك» الشكل

نساء ترقص حول النار في مدينة بندر عباس.

هذه اللحظات والأشكال تكتفي بذاتها لتمثيل تاريخ قمع أجساد النساء. هذه ميزة الانتفاضة. انتفاضة الأجساد والأشكال. يكمن طابع الاحتجاجات النسوي بإتاحة إمكانية ابتداع هذه الصور والأشكال. هذه الصور الأيقونيّة تؤثّر بدورها على الرغبة بملء المساحات بصور مثلها. أنا شخصياً شهدت على انتشار هذه الرغبة بعرض الصور. أجساد أرادت أن تصبح «ذلك» الشكل. رأينَ أن أجسادهنّ تمتلك تلك القدرة. أجساد خاطرت بنفسها، دخلت إلى ميادين الاشتباك وأصبحت هذه الأشكال. اقتنصنَ الفرصة لخلق لحظات مقاومة في مجال لا يتيح إلّا فرصاً ضئيلة للانتشار والتموضُع. 

رأينا صوراً لنساء مقاومات من قبل. صور وحدات حماية المرأة في كردستان السورية مثلاً. الفَرق بين تلك الصور وأشكال النساء في الاحتجاجات الأخيرة يكمن في محورية الوجه في الأولى واختفائه في الثانية. خصوصية الصور الأولى الكامنة بإبراز الأسلحة والبدلات العسكرية، أمّا في الصور الثانية، فهو في عمومية ثياب الحياة اليومية. استُبدلت الصور المقرّبة لوجوه جميلة ببدلات المقاومة في الأولى، ما يعكس رغبة المصوّر، بصور أشكال المقاومة التي تُظهر رغبة الذات. «أريدك أن تراني هكذا: مكشوفة الشعر، مقبوضة اليد.» شكل الأجساد على حاويات النفايات وسطوح السيارات. 

فيدا موحّد.

تذكّر تلك الأشكال بفيدا موحّد وبـ«بنات شارع انقلاب». ملاحظة المترجم إلى الإنجليزية: فيدا موحّد قامت باعتراض صامت على الحجاب الإلزامي، وألهمت موجة من الأفعال المشابهة لمحتجّات عُرفن بـ«فتيات شارع انقلاب (ثورة)». في أواخر كانون الأوّل 2017، اعتلت موحّد علبة صيانة وسط تقاطع مزدحم في شارع انقلاب، وربطت حجابها على عصا رفعتها للأعلى. تمّ اعتقالها وحكم عليها بسنة سجن. فيما اختفت موحد من المشهد العام بعد ذلك، أصبحت وقفتها وحجابها المربوط بالعصا أيقونة بصرية للعصيان المدني النسائي. يبدو أن فيدا شكّلت انعطافاً في تطوّر تمثيلات صراع النساء الإيرانيات ضدّ الحجاب الإلزامي. فشكّلت هذه الأشكال نقطة تحوّل بعيداً من فيديوهات «الأربعاء الأبيض» التي تمحورت حول الوجوه وتوجيه الرسائل، والتي كانت بمعظمها «سيلفي» لنساء يصفن أوضاعهن ورغباتهن بينما يمشين في الشارع.  ملاحظة المترجم إلى الإنجليزية: «الأربعاء الأبيض» حملة بدأتها مسيح علي نجاد في 2017، تمحورت حول تصوير نساء لسيلفي فيديو يخلعن خلاله أحجبتهن في أماكن عامة في إيران، ومن ثمّ يرسلن المقاطع المسجلة إلي علي نجاد التي تنشرها بدورها على الانترنت. أصبحت فيدا موحّد الشكل المكثّف لكلّ مقاطع الفيديو التي نشرتها النساء الماشيات دون حجاب قبلها. بخلاف تلك النساء، كانت فيدا صامتة، ثابتة في مكانها. نقطة الانتقال من الفيديو إلى الصورة. انتقال من سرد الأوضاع اليومية إلى خلق موقف تاريخي. انتقال من امرأة تتكلّم عن نفسها ورغباتها إلى الشكل الصامت، الثابت في مكانه. شكل المقاومة. في هذه الحالة، تنتزع صورة المرأة المحتجّة نفسها من تسلسل الزمن في الفيديو، تقفز من تمثيلات أوضاع الحياة اليومية وتهبط على المسرح المكثّف للأداء التاريخي. فيدا موحّد، تلك المرأة المجهولة، لم تكن فيدا موحّد، بل صورة للشكل الثوري.

فيدا موحّد، تلك المرأة المجهولة، لم تكن فيدا موحّد، بل صورة للشكل الثوري.

شكل كلّ النساء اللواتي سبقنَها وحافز لكل الأشكال النسائية التي أتت بعدها. 

في دورة لا نهاية لها،  تتحوّل الصور إلى الأشكال، والعكس بالعكس. تُنشَر الصور وتُوزَّع، فتحفّز خيال الأجساد. لا ينزلن إلى الشارع بأجسادهن، بل بالأجساد التي بإمكانها أن تكون، وبتلك التي يردنها أن تكون. ينزلن بخيالهن. ففعلهنّ الثوري هو تجسيدهنّ لذلك الخيال. في الحقيقة، يتيح الربط ما بين الصورة والشارع للواقع وتمثيلاته بتوجيه بعضهما بعضاً. بإمكان الحلم والتمثيلات والتجسيد أن تفرض نفسها على الواقع. أصبحت تلك الصورة، وبالتزامن، أثير رغبات الأجساد الأخرى. سلسلة الصور: «الماس الكهربائي الذي يربط الشارع بالحيز الافتراضي».  

إضافة إلى تلك الأشكال الفردية، شهدنا أيضاً أشكالاً جماعية. حلقة حرق الحجابات. حلقة الرقص حول النار، التي انتقلت من ساري إلى مدن أخرى. نشاهد تكرار الأشكال الجماعية بلا أي قدرة على تحديد مواقعها الجغرافية. في الأيّام الأولى للاحتجاجات، انتشر فيديو قصير لنساء يتظاهرن في بافيه. مجموعة صغيرة، وحيدة، تمشي من نهاية الشارع. كانت هذه المجموعة الصغيرة، والتي بدا التقاؤها للتظاهر محفوفاً بالمخاطر، شبيهة بتجمّعات النساء في أفغانستان.  يجمع الوضع التاريخي الصورتين. يربط المجموعتين.

ضريح جينا (مهسا) أميني. الصورة للصحافية المعتقلة إلهه محمدي.

أنا أيضاً أريد أن أكون هذا الشكل

صور عديدة لم تلد لأنها لم تُلتقَط. وصور عديدة لم «تلتقط» لأنها لم تتسبّب باحتجاجات. لماذا إذاً تمّ التقاط تلك الأشكال، بدلاً من أن تكون مجرّد صور التقطت؟ تمّ التقاطها لأنها مرآة تاريخية للنساء. باعتقادي، أنه بدلاً من الإقرار الأولي: «كان بإمكاني أن أكون جينا»، (أي، كان بإمكاني أن أقتل تحت الاعتقال عند شرطة الآداب)، أثارت صورة حاملة الشعلة رغبة عارمة بالتماهي: «أنا أيضاً أريد أن أكون هذا الشكل». الرغبة في إظهار ذلك الشكل المجسّد للوعد. لم يكتف ذلك الشكل — حاملة الشعلة — بإثارة الرغبة، بل حفّز أجساد النساء للتعبير وإزالة الصدأ عن المرآة الموضوعة أمامهنّ. بالرغم من أنّ تلك الرغبة أثيرت من خلال صورة، فإنها صارت رغبة ثورية مزدهرة بفضل التاريخ الذي يحمله الجسد.  تلك الرغبة هي السمة المميزة للانتفاضة النسوية. تفشّي التاريخ المكبوت. إنجاب جسد حملنا به لسنوات.

تلك الرغبة هي السمة المميزة للانتفاضة النسوية. تفشّي التاريخ المكبوت. إنجاب جسد حملنا به لسنوات.

حال شكل التعبير الذي عرفناه سابقاً، المرتبط بنساء ناشطات ومعروفات، دون تفعيل القدرة السياسية وانتشارها، لأنه سلّط الضوء على الوجوه والأسماء. فهذه الأخيرة تجهض القدرة على إثارة رغبات نساء أخريات لأنها تميّز أوضاع تلك الوجوه عن الأوضاع العامّة للنساء. أمّا الآن، فالشكل (التعبيري) حرّر نفسه من أسر الوجه. هو شكل عام. بلا وجه. مقنّع. ممحوّ. مصوّر من الخلف. بلا إسم. مجهول. ينتشر الجسد السياسي للنساء الآن في كلّ الشوارع. 

من الجسد الجميل إلى الشكل المُلهم. من الجسد المسجون في البهاء إلى الجسد المحرّر في الشكل. ليس ذلك عملية تحوّل الذات إلى جسد مثالي، بل عملية خلق لشكل مقاوم جديد في كلّ مرّة، وفي كلّ جسد. تحفّز الأشكال السابقة الجسد وتلهمه بعدما شاهد صورها في الحيّز الافتراضي، فيخلق شكلاً جديداً، يلهم بدوره أشكالاً مقبلة: سلسلة التحفيز والإلهام. ذلك الشكل حرّر المرأة من أسرها في الجسد ومن قهرها التاريخي. فأشرق جسدها. جسد اكتشف الآن فقط إمكانية مقاومته وجماليّتها: بلوغ ثانٍ. 

ثورة نسويّة تتشكّل
ملحوظـــــــــــــــــــــــــــة

عن L.

قرّر حبيبي عنونة أحد المشاريع L، الحرف الذي قد يشير إليّ أو لا. بعدما استحوذت عليّ التجربة الثورية التي تشبه إلى حدّ كبير تجربة الحب، قرّرت وضع حدّ لشكّي الدائم حول رمزية الحرف L، فاعتنقته واحتضنت مبادرة حبيبي. توقيعي هذا النص بحرف L هو مصادرة ثورية لمبادرته. لا يحميني هذا الاسم من تهديدات القوى الحكومية وحسب، بل يحرّرني أيضًا في فكرتي الخاصّة عن الحب، في الوقت الذي تحوّلت فيه الأسماء إلى رموز.*

* ملاحظة المترجم إلى الإنجليزية: «الأسماء إلى رموز» إشارة إلى اسم مهسا أميني، والشعار المتداول، والذي من شبه المستحيل ترجمته : أصبح اسمك رمزاً.


ترجمة

ترجمة النص من الإنجليزية إلى العربية: فادي بردويل.

اخترنا لك

تعليق

حتّى لا تموت حركة «المرأة، الحياة، الحرية»

ناشطون إيرانيّون وسجناء سياسيّون سابقون في المنفى

آخر الأخبار

الإفراج عن الأكاديمية نادرة شلهوب كيفوركيان
خوفاً من مذكّرة اعتقال دولية
هكذا يعذّب الاحتلال الدكتور إياد شقّورة
جندي إسرائيلي يسرق جرواً من أمّه
إسقاط 3 مسيّرات في أصفهان
إسقاط مشروع عضوية فلسطين كدولة في الأمم المتّحدة