ربّما كرز، ربّما دَمّ
8
دقائق

تفّاح، درّاق، خوخ، عنب، لوز، نجاص…
هذا كلّ الثمر الذي قطفته يدا لورنس الصغيرتان.
والكرز؟ لأ أوّل مرّة. أوّل مرّة… وآخر مرّة، يقول.

ربّما كان الأحمر القاني على يدَي لورنس الصغير أحمر الكرز الممعوس.

ربّما، كان دم التعذيب الفظيع الذي ارتكبه المجرم شربل طربَيه بحقّه وحقّ دزّينةٍ من العمّال، بين الجنسيّتَين اللبنانية والسورية، وبين أعمار الطفولة والكهولة، في بلدة العاقورة.

ثم قصدنا بلدة العبدة حيث يسكن العمّال المعنيّون، بعد أسبوعٍ من الجريمة، والتقَينا عدّة عائلات وقع أفرادٌ منها ضحيّة طربَيه. روى من قابلناهم تفاصيل الفظيع، ورَووا عن حياتهم، ويوميّاتهم، من دون خلو حديثهم من استذكار فظائع أخرى، تُعرَض في المقال الجاري ضمن قسمَين: الفظيع الموروث والفظيع المرئي، مع احتمال التقاطع بينهما.

الفظيع الموروث: أجيال تسلّم أجيالاً

يختم أحد الضحايا شهادته بتعليقٍ سريع، خفض صوته تلقائياً إذ تفوّه به: بشار ما عمل فينا هيك.

لكن اللافت أنّ الشخص المذكور لم يتخطَّ العقدَ الأوّل من عمره، ووُلد في لبنان لا في سوريا، من والدَين يعيشان هنا منذ مطلع الـ2000. لم يعش هذا الطفل إذاً- بالمباشر- حرب النظام على السوريّين.

لكنّه، بالمقابل، عاش هنا فظيعاً ارتكبه بحقّه المدعوّ شربل طربَيه الذي نقدّر أنّه، للمفارقة، من كارهي النظام السوري، غير أنّ هذا الكره قد تعمّم ليطال جميع السوريّين، ضمناً الأطفال، وقد تعمّم لدرجة التماثل مع الجلاّد: تتشابه أساليب التعذيب التي اعتمدها طربَيه مع نُسَخٍ مخفّفة من أساليب التعذيب التي أرساها البعث في المنطقة.

تتشابه أساليب التعذيب التي اعتمدها طربَيه مع نُسَخٍ مخفّفة من أساليب التعذيب التي أرساها البعث في المنطقة.

إجا أوّل شي عالشباب الكبار، معه كرباج هيك أسود ومفتول عالميلتين، صار يقتلهم يقتلهم يقتلهم ت حتّى الجلد هون فتح هيك.
شهادة من الأطفال المعذّبين في العاقورة عن شربل طربيه.

 

الضابط كان حامل كرباج عامله من شرايط كهربا، 4 شرايط ومجدّلن هيك. ودجّ ضربني، راسي صفّا شقفتين. أوّل ضربة فتح راسي، تاني ضربة مدّيت إيدي ت إحمي راسي، فتحت إيدي، الجلد هون فتح هيك.
شهادة مقاتل من الحرب الأهلية في لبنان عن ضابطٍ في الجيش السوري.

هذا ما قيل في مسألة الكرباج، والأمر لا يختلف كثيراً في أساليب التعذيب الأخرى: كرباج، ماء بارد، كهرباء، تنكيل وإذلال، ولذّة ما بعدها لذّة خلال التعذيب. نحمد الله، أو المصادفة، على أنّ شربل طربَيه لم يتملّك الوقت الكافي لبلوغ مرحلة قلع الأظافر.
وعليه، فإنّ طفل التسعة أعوام المُعذَّب بالضرب والشحنات الكهربائية، لم يجد مرجعاً لتفسير ومقارنة هذا العنف سوى الفظيع الذي ارتكبه بشّار بالسوريّين، والذي لم يتعرّض له هو، بل ورثه من شعبه، هناك، خلف الحدود، خلف بستان الكرز الملعون.
هذا من جهة الضحية، والفظيع المُنزَل عليها.

أمّا من جهة الجلّاد، شربل، فقد أنزل بضحاياه فظيعاً لم يأتِ من عدم، بدوره، بل ورثه أيضاً من آخرين– وطوّره بنفسه خلال الممارسة.

تقاطعت الروايات حول شربل: شبّيح، تذرّع بالسرقة للتهرّب من دفع مستحقّات العمّال– إذاً هو فردٌ يستحقر هذه الطبقة، يستحقر عمّالها، كما وجد محفّزاً لـ«لذّة التعذيب» في كون معظم العمّال سوريين.

لذّةٌ معجونة بالحقد، ورثها شربل من محيطه؛
ومن تاريخٍ مليء بالعنصرية المضادّة لكل ما هو غير لبناني (غير «فينيقي» للدقّة)؛
ومن التصريحات المحرّضة على السوريّين؛
ومن الأجهزة الأمنية اللبنانية التي سبق لها أن عذّبت معتقلين سوريّين ولبنانيّين– ومن هنا اعتقد شربل أنّ له شرعيّةً مطلقة في فعله هذا، وأنّه يرتكب «فظيعاً شرعيّاً»، فهو ما ارتكب سوى الفظيع الذي ارتكبته الأجهزة الأمنية الرسمية من قبل. وللمفارقة، شاركت هذه الأجهزة هذه المرّة أيضاً في التعذيب، عند وصول عناصر المخابرات إلى مسرح الجريمة.

قام هون دقّوا [جماعة شربل] للمخابرات، وكان معهم سكاكين. وقت إجت المخابرات زتّوا السكاكين لتحت، وشافوهم المخابرات للسكاكين تحت، بس ما حكوا شي. إجوا وصاروا المخابرات يضربونا معن.
شهادة من الأطفال المعذّبين في العاقورة عن شربل طربيه.

فظيعٌ ورثه شربل من التاريخ والحاضر، من الأفراد المحيطين به ومن جهاز الدولة.
هذا من جهة الجلّاد، والفظيع الذي أنزله بالضحايا.

عودة إلى جهة الضحية مع أحمد البعريني– لبناني الجنسية. هنا، الفظيع الموروث ليس من عند النظام. في سؤالنا الأوّل لأحمد حول حياته وعائلته، أجاب:

كنّا ساكنين عند بيت جدّي، وبيي ما كان منيح معنا. وتركناه وإمّي تعذّبت معه كتير. كان يضربها، وكنّا زغار، وكان يضربنا إلنا كمان.
أحمد البعريني، أحد الشباب المعذّبين في العاقورة.

أن يعود هذا التفصيل إلى ذهن أحمد بعد مجرّد أسبوع من الاعتداء، وأن يكون التفصيل الحاضر أوّلاً في الإجابة، يعني أن أحمد قد نسج تقاطعاً واضحاً بين المسألتين: تقاطع الفظيع المُرتكب من سلطاتٍ عُليا؛ من سلطة الأب داخل العائلة، إلى سلطة ربّ العمل في مساحة العمل.

تقاطع الفظيع المُرتكب من سلطاتٍ عُليا؛ من سلطة الأب داخل العائلة، إلى سلطة ربّ العمل في مساحة العمل.

يحمل معظمنا (جميعنا؟) هذا النوع من العنف الداخلي (المُستَدخَل، أو المكبوت، أو المُتشَرَّب…) منذ الطفولة وحتّى انخراطنا في الحياة العامة، من هرميّة العائلة الأبوية إلى هرمية علاقات العمل والهيمنة. تضمن إذاً هيئات مختلفة تَوارُث الفظيع واستمراره. بين كل مرحلة وأخرى من حياة الفرد، يُكلّف النظام جندياً يسهر على عملية انتقال الفظيع: سلطة الوالد، سلطة الأستاذ، سلطة الربّ، سلطة ربّ العمل، سلطة النظام عموماً… والفظيع في هذه الحالة ليس تعذيباً بالضرورة، ليس تعذيباً جسدياً على الأقل، وقد يكون كل ضروب القمع والكبت والتخويف.

جنود النظام يستلذّون في وظيفتهم، وقد يُصادف أن يجاهروا بها أحياناً إلى حدّ تسمية أنفسهم أسماء مثل «جنود الرب»، وتسمية المدير «ربّ العمل»، وغيره، فلا تخرج أي فئة كانت عن قواعد الهيمنة التي يفرضها النظام. وإلّا…
وإلّا فإنّ الفظيع ينتظرهم، الفظيع المستمرّ والمتوارَث، الفظيع المُكثَّف في مجتمعٍ ينهار، في مجتمعٍ ذكوريّ تسود فيه شريعة الغاب وقواعد النظام البطريركي. نظامٌ لا يرتكب الفظيع فحسب، بل يحرص على توثيقه وجعله مرئيّاً، وإبقائه كذلك.

الفظيع المرئي: من له عينان، فليرَ!

في حديثنا مع عائلة طفلٍ آخر تعرّض للتعذيب، أحمد، أصرّت والدته على جعلي أشاهد فيديو لعاملٍ آخر قيل إنّ شربل طربَيه كان قد عذّبه العام الفائت. أجبتُ بنعم أنّي قد شهدتُ الفيديو، لكنّها أصَرَّت على وضع الشاشة أمامي مجدّداً: شوف هيدا شوف كمان نفس الواحد اللي عذّب الولاد.

صُوِّرَ فظيعُ العام الفائت، واستخدمته والدة أحمد لشرح فظيع العام الحالي. أصرّت على كلمة «شوف»، علماً أنّ كلمات أحمد كانت كافية، لكن الرؤية تختلف عن السمع. الرؤية أصدَق، يقولون. يُعظّمون أيضاً من شأن الرؤية حين يقولون إنّ الصورة بألف كلمة، ويُصغّرون من شأن القول عبر تحريف كلمة «قول» إلى «قيل وقال».

من هنا يأتي السؤال، إن كان العمّال المعذّبون قد قالوا شفهياً أنّهم تعرّضوا للتعذيب (بصرف النظر عن الكدمات)، فهل كان الرأي العام ليصدّق روايتهم؟ بشكلٍ أدقّ، نعم كنّا لنصدّق، لكن هل كنّا لنتخيل درجة الفظاعة نفسها التي ارتُكبَت بحقّهم؟

غير أنّ توثيق الفظيع لم يكن عملاً بطولياً قام به شخصٌ أراد فضح المجرم، بل جاء من جهة المجرم نفسه. أسئلةٌ تُطرَح: ألم يكن شربل طربَيه على علم بأنّ التصوير هو توثيقٌ للجرم وكشفٌ عنه؟ وأنّ الفيديو يُقدِّم لنا الإثبات الصوري على «الجرم المشهود»؟ لكنّه، ربّما، لم يعتبر فعلته جرماً من الأساس، بل بطولة (؟)، واختار توثيق بطولته والمفاخرة بها.

الأجوبة على هذا السؤال كثيرة، ومُقلقة. لدينا مجرم أصرّ على تصوير ضحاياه، فرداً فرداً، وبدأ بالتباهي قائلاً:

ليك أش هنّي حلوين ليك، ليك شو حلوين!

يستخدم المجرم معجم الجماليّات في ظرفٍ ما من جميلٍ به، في ظرفٍ يملأه الفظيع. الجمال المقصود ليس جمال الضحية، بل جمال الفعل، جمال أن تكون هذه الجريمة قد رَفَّعت شربل إلى منزلةٍ أعلى من البشر، مقابل تنزيلها العمّال إلى منزلةٍ أدنى من البشر. رأى شربل جمالاً في أنّه هو من حدّد شكل الضحية ومصيرها، صار بنظر نفسه إلهاً، وصارت الضحايا بنظره أشياء. بكلمات ياسين الحاج صالح: 

إنّ ما يجعل شخصاً يعذّب شخصاً آخر هو ما يحتمل أن يمنحه إياه التعذيب من شعور بالقدرة والتحكم، من شبه صراع يخرج منه منتصراً.

 

هذا بعضٌ من أسباب التعذيب، لكن ماذا عن أسباب تصوير التعذيب؟

قد يكون أكثر مثالٍ واضح على المسألة الفيديو الذي انتشر مؤخّراً عن «مجزرة التضامن» في سوريا. حينها، أراد العسكري أمجد يوسف أن يقدّم تقريراً مصوّراً للقيادة العليا، أن يريها ماذا يمكنه أن يفعل، أن يوثّق ولاءه بالصورة علّه ينال الترقية المرجوّة. فهل يمكن القول إنّ توثيق شربل طربَيه لجريمته كان من باب نيله ترقية اجتماعية في محيطه؟ أن يقول أصدقاؤه، خلال السهرة مثلاً، أيوا شربول هيدا انت العم تضرب هالمنايك بالفيديو؟

هذا سبب. أسباب أخرى تكمن في أنّ الفظيع بنفسه رسالة. رسالة لا تتعلّق بالضحية، بل بمن سيشاهدها لاحقاً.

جعل الفظيع مرئياً لا يتعلّق إذاً بمن ارتُكبَ بحقّه هذا الفظيع، بل بنا نحن، من ننحاز للضحية وجماعتها

جعل الفظيع مرئياً لا يتعلّق إذاً بمن ارتُكبَ بحقّه هذا الفظيع، بل بنا نحن، من ننحاز للضحية وجماعتها، وهذا ما قاله شربل ملء فمه:

ودّوا [الفيديو] لكل السوريّين بالمنطقة خلّي يشوفوا شربل شو فيه يعمل.

برأيي، قد تكون هذه الجملة أكثر جملة فاقعة تُظهر التقاطع بين الفظيع الموروث والفظيع المرئي.

كذلك كان الأمر عندما صوّر مناصرو القوّات اللبنانية اعتداءهم على قاصرٍ يرتدي كوفيةً فلسطينيةً في 4 آب 2021، جابرين إيّاه أن يشتم معتقداته السياسية وأن يقول «الله قوّات»– شيءٌ على شاكلة فيديوهات البعث السوري حين يجبَر المعتقلون على القول بأنّ «بشّار ربّهم»؛
كذلك فعل أيضاً مناصرو التيار الوطني الحر في 6 شباط 2020 حين اعتدوا على أحد المتظاهرين في كسروان ونشروا الفيديو «لترباية المتظاهرين»؛
ويتسلسل الفظيع المرئي إلى ما لا نهاية في لبنان، والمحيط.

بين سَيل التهديدات والشتائم، تُسمَع أصوات أخرى في الفيديو، ليست أصوات الألم– كون حبّات البطاطا المدحوشة في أفواه المعذّبين منعتهم من الصراخ، بل كانت أصوات قهقهة المجرمين. في فيديو آخر، نسمع صوت أحد المعتدين وهو يصفع العمّال، ويردّد عند كلّ صفعة يلا! يلا! يلا!. ويضحك. يلّا. ويضحك.

يُعيد هذا التزاوج بين الفظيع والضحك إلى الذاكرة فيديو مجزرة التضامن، نفسه، بقساوته، حيثُ يضحك العسكري أمجد يوسف ويكرّر عند قتل كل ضحيّة العبارة ذاتها: يلا! يلا! يلا. يلّا كلّما دفع ضحيةً في الحفرة. يلا كلّما أطلق النار. يلّا كلّما صفع شربل طربَيه عاملاً.

لا أقول هنا إنّ صفعات شربل ومجزرة التضامن تتساوَيان، ولا أحبّذ الغوص في منطق «المفاضلة بين الفظائع»، لكن أعتقد أنّ التلذّذ في التعذيب، لا سيّما أمام الكاميرا، هو نفسه نوعياً ولو اختلف كميّاً.

في سؤالٍ وجّهته ميغافون لأحد أقارب طربَيه، عن سبب التصوير، أجاب القريب– محاوِلاً رفع صفة «المجرم» عن شربل قائلاً:

​​هيدا أوّل شي دليل انّه شربل مش مجرم أو داعشي متل ما عم يقولوا، لأن المجرم عادةً بيجرب يخفي الدليل عن جريمته. هيدا دليل انّه شربل غلّط، وتصرّف عن هبل وغشمنة.

يبدو أنّ هذا القريب لم يشاهد ما يكفي من السينما الداعشية، لم يتعرّف بما فيه الكفاية على المنطق الداعشي الذي كان بالمقام الأوّل منطقاً إعلامياً، يسير على قاعدة أنّ الفظيعَ رسالة. يُدين هذا التبرير شربل أكثر مّما يبرّئه، وكأنّ فعل التصوير يحدّد إجرام الجلّاد أو براءته. إن صوّر، فهو ليس بمجرم، وإن كان مجرماً فعلاً، لأخفى جريمته. هذه خلاصة التبرير الملتوي. لكن أشكّ أن يكون هذا هو بالفعل رأي شربل.

كفانا من المجرمين. عودة إلى شهادات الضحايا.

خلال الحديث مع أحد العمّال اللبنانيّين المعذَّبين، أحمد البعريني، أصرّ أحمد أن يُريني فيديو التعذيب. أخبرته أنّني لن أستعمل هذا الفيديو، وأنّنا فضّلنا عدم عرضه عند نشر الخبر الأساسي. أصرّ على استكمال العرض ودلّل على نفسه في الفيديو. كان المرئيُّ هنا بهدف نقل القصّة من موقعه.

يعلم أحمد أنّ الفيديو مُذلّ. خجل أحمد عندما انتُهكَ جسده. خجل عندما صوّره الجلاد، لكنّه أصرّ أن يُريني الفيديو والتلفون بين يديه هو، لا بين يدي الجلاد، بعدما روى جهته هو من القصة، لا جهة الجلّاد، وكأنّ الفيديو نفسه الذي استُخدم في ما سبق بهدف الإذلال صار يُستخدم في سياق حديث أحمد بهدف فضح المجرم والتعويض عن الإذلال وتدعيم موقف الضحايا.

هنا، يلعب الفظيعُ المرئيّ دوراً معكوساً، يُناصر الضحايا، فيُدين الجلّاد. يُدينه عبر التأكيد أنّ المذلّة موجودة. وهذا أكثر ما أزعج الضحايا؛ والد أحد الأطفال المعذّبين ساءَلَني: كان يطردهم، وبلا ما يدفع مسامحينه، ضروري يضربهم؟ وبعدين ضربهم كان ضروري يصوّر؟. بدورها، عائلة البعريني، عند حديثها عن رفض أي مصالحة، تمسّكت بمنطق «كرامة الإنسان»، الكرامة التي فُقدَت أمام العامّة بعدما انتشرت الفيديوهات.

لا مناص من طرح سؤال إضافي هنا– وأعتذر من القارئ إن أنهكته بالأسئلة، فأنا لا أدّعي أنّ هذا النص يقدّم أجوبةً، بل يفكّر بصوتٍ عالٍ دون نقطة انتهاء، بيدَ أنّ كلّ خلاصة لا تفتح إلّا سؤالاً جديداً: هل أنّ عدم التصوير كان ليلغي الإذلال؟

نعود لياسين الحاج صالح، ومقاله «تحديق في وجه الفظيع» حيث يُحاجج بأهمية تصوير الفظيع ويسأل حول علاقة الإذلال والصورة، وأهمية نقل هذا الذلّ من الخاص إلى العام:

هل هي إهانات لأنها صُوّرت، أم لأنها وقائع حدثت؟ ربما يقول إنّها لا توجد كوقائع عامّة إن لم تُصوَّر وتُعرض. هذا منطق شائع اليوم [...] نعم، صحيح، إذا ظلت الإهانة خاصّة، فإن المُهان يتحمّلها أكثر، لكنّ فرصة تكرارها عليه هو ذاته أو على غيره تبقى كبيرة ضمن الشروط التي مورِست فيها الإهانة. بالمقابل، إن إهانة عامّة أقسى على المُهان، لكن فرصة مقاومة الإهانة وحشد الاحتجاج الواسع عليها وعلى الشروط التي تجعلها ممكنة أكبر بما لا يُقاس [...] فإذا تكتّمنا على وقائع الفظاعة وصورها، فإنّ أول من ينجو هو منتج الفظيع وممارسه، وليس ضحاياه.

فهل سنتمكّن من حشد الاحتجاج الواسع على جريمة العاقورة؟ هل ينجو اليوم شربل طربَيه، منتج الفظيع الذي شاهدناه، وتُلفلَف القضية كما اعتدنا أن يكون؟ أم أنّ مرئيّة الفظيع الموروث جاءت هذه المرّة فاقعةً إلى حدٍّ يكون عنده الغفران صعباً؟ عند الانتهاء من قراءة هذا النص، شاهدوا فيديوهات التعذيب مرّةً بعد.

إلى شربل طربَيه وأصدقائه الضاحكين، شاهدوا هذه الفيديوهات مرّةً بعد.

الفظيع المرئي لا يُنسى، الفظيع المرئي لا يُعكَس.
الفظيع الموروث لا يُنسى، الفظيع الموروث لا يُعكَس.

وإلى لورنس الصغير، وحدك، لا تشاهد، بل أكمل تعداد الفواكه في جوابك: تفّاح، درّاق، خوخ، عنب، لوز، نجاص…

هذا كلّ الثمر الذي قطفته يدا لورنس الصغيرتان.

والكرز؟ لأ أوّل مرّة. أوّل مرّة… وآخر مرّة، يقول.

ربّما كان الأحمر القاني على يدَي لورنس الصغير أحمر الكرز الممعوس، فقط، أحمر الكرز الممعوس فقط.

ربّما كرز، ربّما دَمّ

اخترنا لك

شقيقان تحت التعذيب
04-07-2022
تقرير
شقيقان تحت التعذيب
أحمد ومحمود البعريني بعد جريمة العاقورة
تصوير الفظاعة
تعليق

أنا المدعوّ شربل طربيه

نادر فوز
لورنس وأحمد والشرّير
01-07-2022
تقرير
لورنس وأحمد والشرّير
تعليق

دولة السادو-مازو: نُقمَع ونَقمَع

سمير سكيني
الحياة اليوميّة كساحات اقتتال
07-07-2021
تحليل
الحياة اليوميّة كساحات اقتتال
النزوح السوري من بشرّي
27-11-2020
تقرير
النزوح السوري من بشرّي
روايات الهاربين

آخر الأخبار

مقابلة هادي مطر مع ذا نيويورك بوست
بعد إحراقها على يد زوجها هناء خضر تَنضَمّ إلى ضحايا العنف الأُسَري 
متغيّرات الأسعار مع اعتماد الدولار الجمركي 20,000 ليرة لبنانية 
ميقاتي يعِد بحماية الأهراءات بعد حرقها
ملف اللاجئين - النظام السوري يكذب والحكومة اللبنانيّة تصدّق
المودع بسّام الشيخ حسين إلى الحرية وتخوّف من خطف إنجازه