مقاطع من الفصل الأوّل لكتاب «الثورة والخيبة: اليسار الجديد وقيود التحرر» الذي سيصدر قريباً عن دار رياض الريّس (ترجمة حسام عيتاني) بعدما صدرت طبعته الأولى بالإنكليزية سنة 2020. يتقصّى الكتاب العلاقات بين النظرية الثورية والممارسة السياسية من خلال تفحّص صعود «لبنان الاشتراكي» (1964-1970) وتقلباته، التنظيم الماركسي الصغير المؤلف بمعظمه من مثقفين مناضلين. لا يعيد هذا العمل بناء تاريخٍ جامعٍ لليسار اللبناني ومآلاته السياسية والتيارات الفكرية العديدة التي غذّته وتلك التي أنتجها، بل يعيد النظر في تراث ماركسي أقلّوي أنتجَ أعمالاً تشخيصية متقدمة مفهومياً وحركةً ثوريةً تشظّت لاحقاً. وباعتماد التراث الماركسي كموقع رئيسي للتحقيق، يربط الكتاب تبعاً لذلك مسألة النظرية والممارسة بجدل الأمل الثوري والخيبة السياسية.
يتناول الفصل الأوّل الذي ننشر أجزاء منه، المرحلة التي سبقت تأسيس «لبنان الاشتراكي» وصعود اليسار الجديد في الستينيات من القرن الماضي، من خلال استعادة السير الشخصية والعائلية والأهواء الإيديولوجية العروبية للّذين سيصبحون رفاقاً بعد حين.
أمسك قلماً ودوِّن هذه الملاحظة: جَعَلَ المسلمون حجّهم إلى مكة والمسيحيون إلى الفاتيكان وحركات التحرر الوطني إلى الجزائر!
أميلكار كابرال
لن نكرر الماضي أبداً... ولكن سنقضي على الماضي؛ سنقضي على الماضي بأن نستعيد حقوقنا في قناة السويس. ولهذا... إننا اليوم- أيها المواطنون- حينما نبني السد العالي نبني أيضاً سد العزة والحرية والكرامة، ونقضي على سدود الذل والهوان، ونعلن مصر كلها جبهة واحدة... كتلة وطنية... متكاتفة... متحدة... مصر كلها ستقاتل لآخر قطرة من دمائها.
جمال عبد الناصر
في هذا الفصل، سأجمع الجوانب السياسية والفكرية المتعلّقة بالسير الذاتية في رواية نشأةٍ وتكوينٍ، تركز على الأحداث المبكرة التي أدت إلى التحولات، خصوصاً مدّ القومية العربية الذي جعل هؤلاء الشبان يتحولون باكراً إلى مثقفين مناضلين، وإعادة صياغتهم لماضيهم البعيد، قبل أن يؤسسوا اليسار اللبناني الجديد، ويصبحوا معروفين بجيل الستينيات. كلمة «استحضار» في عنوان الفصل هي في آن واحد فعل تذكر وممارسة نقدية استعادية، كما في حالة المطالبة بإعادة مُنتَجٍ ما يجري استخدامه بعد اكتشاف خطأ في التصنيع. المنتجات المستعادة هي القومية العربية ووعودها بالسيادة؛ بالإضافة إلى عالم الخطاب السياسي الحديث أحادي الإيديولوجيا الذي أقاموا فيه، ما ساهم كثيراً في تشكيلهم كفاعلين سياسيين يعملون خارج أطر جماعاتهم الطائفية والمناطقية والعائلية.
الفصل الأول هذا هو أيضاً «ما قبل تاريخ» مناضلي اليسار الجديد المثقفين الذين ستؤسس أكثريتهم «لبنان الاشتراكي» (1964-1970) أو ستنضم إليه. أستخدمُ عبارة «ما قبل تاريخ» بأربعة طرق متداخلة. الأول، يمثّل المرحلة التي سبقت التزامهم السياسي الماركسي في خلايا سياسية سرية ارتبطت بممارسة العمل السري والنشر المغفل من التوقيع. الثاني، يمثل أيضاً زمن ما قبل انشغالهم العميق بالنظرية الماركسية: قراءة وترجمة وإنتاجاً لها. لذلك أعتمد غالباً على إعادة بنائهم لماضيهم هم في المقابلات التي أجريتها معهم وعلى مذكراتهم لتلمّس المسائل والآمال والرغبات التي حرّكتهم ومنظورهم الخاص الذي أعاد تأطيرها. الثالث، أستخدم عبارة «ما قبل تاريخ» للإشارة إلى الأزمنة السابقة على استحواذ حركة التاريخ على مخيلات الرفاق، الحركة التي تشكل معالمها أحداثاً تشمل الثورات الصينية والكوبية والفيتنامية. أخيراً، لأنني ولدت في الأعوام الأولى للحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، في زمن كان حزب البعث قد مرّ على وصوله إلى السلطة في سورية والعراق أكثر من عقد من الزمن، لم أكن محيطاً قبل أن أبدأ هذه المقابلات بأهمية القومية العربية، وخصوصاً إيديولوجيا البعث وسياساته بالنسبة إلى هؤلاء المناضلين المثقفين (على غرار محمود سويد وعباس بيضون وعزة شرارة بيضون وفواز طرابلسي ووضاح شرارة، من بين آخرين) الذين سيكوّنون لاحقاً العمود الفقري لليسار اللبناني الجديد. ليست المسألة مجرد «ثغرة» في معرفتي التاريخية. هي أكثر من ذلك. ولأنني ولدت في زمن «البعثية المتحققة» خصوصاً في تجليها الأسدي، كانت الإيديولوجيا القومية العربية وسياساتها، مرادفة، من وجهة نظر جيلي، للأنظمة السلطوية ولأجهزة السلطة المقنَّعة برؤى السيادة القومية ضد الاستعمار. على سبيل المثال، لم تكن العودة إلى كتابات منظِّر البعث وأحد مؤسسيه ميشال عفلق، ودراستها في الحاضر ومن أجله، مطروحة أبداً عندي. النقاشات العاصفة بين مختلف مشارب القوميين العرب- بين الناصريين وبين البعثيين مثلاً- كانت، بما يعنيني، مواد تاريخية غامضة. وعلى رغم قربها الزمني، بدت لي وكأنها تبعد سنوات ضوئية من وجهة نظر موقعي الجيلي. كانت بمثابة ماضٍ مضى. من جهة ثانية، جاءت نشأتي السياسية في التسعينيات بعد توقف الحروب اللبنانية (1975- 1990) في أعقاب آمال ومشاريع، وغالباً هزائم هذا الجيل من اليساريين. ما مضى من تجاربهم ومشاريعهم وآمالهم بدا حيّاً ويستحق العودة إليه؛ حياً بما يكفي لتحفيزي مباشرة هذا المشروع.
النكبة الفلسطينية والجنوب اللبناني
«إذا ذهبت إلى عيترون ترى فلسطين... إسرائيل، وإذا ذهبت إلى مارون الراس ترى سهول الحولة وإذا ذهبت إلى رميش ترى فلسطين»، يروي وضّاح شرارة (1942-) بعد أقلّ قليلاً من ستين عاماً على النكبة الفلسطينية في 1948– في أثناء وصفه لي بدقةٍ طوبوغرافيا القرى المحيطة ببنت جبيل– البلدة التي تعود إليها أصول عائلة أبيه، وما تطل عليه من الجانب الآخر للحدود. يضيف: «من بنت جبيل ترى سعسع، وهي مستوطنة أو مستعمرة تحتل مكانة أسطورية في قصص عائلتي... رأيتها قبل أن أراها بالفعل… عندما حدثتني عمتي... اعتادت عمتاي على الحديث معي عن 1948. لم يكن سردهما سياسياً، والأغلب أن روايتهما كانت مخترعة». مقابلة مع وضاح شرارة في التاسع من حزيران 2007.
لم تكن فلسطين متاخمة جغرافياً فقط لقرى الجنوب اللبناني وبلداته حيث يستطيع المرء مراقبة بناء المستعمرات. كانت القرى الحدودية اللبنانية مندمجة، على أكثر من صعيد، بالشبكات الاقتصادية والدينية والطبية والإدارية لفلسطين ما قبل 1948. كان التجار يعبرون الحدود من يافا لبيع برتقالهم ولأخذ القمح والشعير والعدس أو الذرة في المقابل، على ما يتذكر محمود سويد الذي رأى العملة الفلسطينية وهو طفل قبل أن يرى تلك اللبنانية. وُلد سويد سنة 1936 في كفرحمام الواقعة على الطرف الجنوبي الشرقي قريباً من تقاطع لبنان مع مرتفعات الجولان السورية وشمالي الجليل. والقرية جزء من منطقة العرقوب التي صارت تُعرَف في أواخر الستينيات بـ«فتح لاند» بعدما أنشأت المقاومة الفلسطينية قواعدها هناك واستخدمتها منطلقاً لعمليات حرب العصابات التي كانت تشنّها. أسّس والده، وهو رجل دين سُنّي درس في دمشق، مدرسة ومكتبة في أوائل القرن العشرين، وأصبح إمام القرية الفقيرة التي عاشت أساساً على الزراعة، وحمل أهلها وثائق سورية قبل قيام لبنان في 1920، واحتفظوا بها بعد ذلك التاريخ. وعند مرض أحد سكان القرية، كانوا يأخذونه إلى الطبيب اليهودي في الحولة. مقابلة مع محمود سويد في السابع من تموز 2008. لم يعتد أحد الذهاب إلى صيدا. كانت فلسطين أقرب. كانت التجارة مع فلسطين متكاملة مع الحياة اليومية لهؤلاء الجنوبيين الذين اختبروا النكبة كحدث قاسٍ أخلّ بنظام حياتهم. سجّل شرارة في عمله الأول في علم الاجتماع كيف ازداد اندماج بنت جبيل بعد 1948 بالدوائر التجارية والإدارية للدولة اللبنانية حديثة الاستقلال (1943). وبدأت في الوقت ذاته تقريباً منظمة سياسية حديثة- «البعث»- بجذب بعض سكان البلدة، وخصوصاً أولئك الذين خرجوا من «دورة الحياة التقليدية: المعلمون والطلاب وفئة صغيرة من المواطنين». Waddah Charara, Transformations d’une Manifestation Religieuse dans un village du Liban-Sud, Ashura (Publications du Centre de Recherches de L’Institut des Sciences Sociales, 1968), 3.
تركت محنة الفلسطينيين آثارها بأكثر من طريقة على الأعوام المبكرة لهؤلاء المولودين قبل 1948 بسنوات قليلة، والذين سيصبحون فيما بعد مناضلين سياسيين. نتيجة القرب الجغرافي من فلسطين، لجأ حوالى مئة ألف فلسطيني ممّن طردتهم القوات الصهيونية والإسرائيلية بالقوة أو فروا منها، إلى لبنان في أعقاب 1948. انتزع تدفق اللاجئين بعض هؤلاء الأطفال من عوالمهم الخاصة، وحفّزهم على القيام بأولى خطواتهم العامة. كتب سويد الذي كان في الثانية عشرة من عمره تقريباً، قصيدة في نشرته المدرسية (وحي الكلية). وبعد أكثر من خمسين عاماً لا يتذكر منها غير شطر البيت الأول: «أكرم ضيوفك يا لبنان مكرمةً». وحَمَلَ بصحبة متطوّعين آخرين أكياساً وقرع أبواب الناس في مدينة صيدا الساحلية. أعطاهم السكان عُلباً من المأكولات المحفوظة وبطاريات وثياباً جمعوها في مكان واحد لمصلحة إحدى المنظمات لتنقلها وتوزّعها على اللاجئين. لم يكن سويد وحيداً في المشاركة في جمع المساعدات للّاجئين الواصلين. وجيه كوثراني (1941-) عضو «لبنان الاشتراكي» في أواخر الستينيات وأستاذ التاريخ المتقاعد حالياً من الجامعة اللبنانية، وهو في الأصل من قرية أنصار، ولد وعاش طفولته في بيروت. كان كوثراني يافعاً جداً عندما حلّت النكبة الفلسطينية:
أذكُرُ اللاجئين الفلسطينيين الآتين والمقيمين في جوارنا. أذكر كيف اعتدنا على جمع المساعدات لهم في ذلك الحين. ورأيتهم في الجوار. كنت في السادسة أو السابعة من العمر، [فكّرت في حينها] أن ثمة مشكلة وأن هؤلاء الناس ظُلموا وأُبعدوا عن أرضهم ويحتاجون إلى المساعدة. مقابلة مع وجيه كوثراني في الخامس عشر من تموز 2008.
لم تكن فلسطين مجرد رمز للقضية الوطنية المناهضة للإمبريالية تحملها خطابة إيديولوجية حماسية. أتاح الموقع الجغرافي والجيلي لهؤلاء المناضلين رؤية سهولها والتعامل بنقودها وزيارة الأطباء اليهود، قبل الاستماع لاحقاً إلى قصص النزوح وكتابة قصائد وجمع مساعدات للاجئين القادمين. وفي أثناء سنوات مراهقتهم، جذبتهم أمواج القوميات العربية التي وضعت القضية الفلسطينية في قلب النضالات المناهضة للاستعمار في المنطقة. وبعد عقدين من النكبة أصبحوا الحلفاء اللبنانيين الرئيسيين للكفاح الفلسطيني المسلح من أجل التحرر الوطني، قبل أن يصبح بعضهم على غرار وضّاح شرارة- الذي نظّر للتحالف بين الثورة الفلسطينية واليسار اللبناني- من أقسى نقّاده. لكننا لم نصل في سردنا بعد إلى تلك اللحظة، والمثقفون المناضلون الذين أسسوا «لبنان الاشتراكي» (1964) ليسوا كلهم من مدن وقرى جنوبية على علاقة حميمة مع فلسطين.
أشقاؤنا العرب في الجزائر والدوريات المصرية والشعراء العراقيون
لم يعد لبعض الأحداث التكوينية في نشأة هذا الجيل وآثارها من صدى في حاضرنا. بالكاد بلغت أصداؤها ضفاف الأجيال التالية. الجزائر، نجمة مناهضة الاستعمار التي أضرمت المشاعر الملتهبة المعادية للاستعمار، أفلت بمرور الوقت. أحداث كهذه طُويت وخيطت جروحها. لم يبقَ منها اليوم سوى الندوب. يسلط وجيه كوثراني الضوء على المدّ الناصري والكفاح الجزائري من أجل التحرر الوطني، عندما يتناول المحطات الأساسية ليقظته السياسية التي تبعت النكبة الفلسطينية. يعود بالزمن إلى تظاهرة شارك فيها دعماً للمناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد التي اعتقلتها سلطات الاستعمار الفرنسي وعذّبتها وحكمت عليها بالموت بتهمة الإرهاب سنة 1957. ومن المرجح أن تكون هي التظاهرة ذاتها التي حاول فيها فواز طرابلسي (1941-) تسلق جدار السفارة الفرنسية قبل أن يسحبه شرطي ويتعرض للضرب بعقب البندقية في جبهته. ويحمل طرابلسي إرثاً مختلفاً عن الإرث الشيعي والجنوبي. فهو ابن صاحب فندق مسيحي كاثوليكي من مشغرة (بلدة في البقاع) ويأتي من خلفية طائفية ومناطقية وطبقية مختلفة. كان والد وجيه كوثراني يملك دكان سمانة في بيروت في حين أن والد سويد كان رجل دين سنّياً في قرية جنوبية فقيرة. أما والد شرارة، فمؤلف غزير الإنتاج عمل في المكتبة الوطنية اللبنانية. وكان والد عباس بيضون معلم مدرسة ومثقفاً محلياً. حالة أحمد بيضون مختلفة. فهو إبن عبد اللطيف بيضون، أحد وجهاء بنت جبيل وقد انتُخب لمرّتين الى البرلمان اللبناني. فندق العائلة الشهير كان فضاءً كوسموبوليتياً مصغَّراً جذب سياسيين بارزين- بمن فيهم ميشال عفلق، مؤسس حزب البعث ومنظِّره، وهو الحزب الذي سينضمّ إليه طرابلسي في أثناء الدراسة في مانشستر حوالى سنة 1959- وفنانين مشهورين وأعضاء البرجوازية العليا من مختلف أنحاء العالم. إضافة إلى أن الفندق كان أكثر من ذلك. إذ أدى دوراً حاسماً في تطوير وعي طرابلسي بالفوارق الاجتماعية، من خلال الاختلاط بعمال الفندق، وخصوصاً ابن عمّته الشيوعي الأكبر سنّاً الذي كان يعمل هناك في فترات الذروة الموسمية. بيد أن ما يتشارك فيه مع بعض من رفاقه المستقبليين هو التحدّر من سلالة من المثقفين. فطرابلسي هو حفيد عيسى إسكندر المعلوف (1886-1956)، وهو باحث بارز متعدّد الاهتمامات: مؤرخ ولغوي وناشر وجامع للمخطوطات الأصلية. وما زالت الندبة من عقب البندقية ظاهرة على جبين طرابلسي، مذكرة بشاب أسَرَه يوماً وجه جميلة «الشاحب والبريء» وبلد المليون شهيد. يكتب طرابلسي في مذكراته: «لقد شغفت حباً بجميلة بوحيرد... حتى أنني رسمت لها صورة بالقلم الرصاص ظلت معلقة على جدار غرفتي مدة طويلة» فواز طرابلسي، «صورة الفتى بالاحمر: أيام في السلم والحرب»، رياض الريس للكتب والنشر، 1997، 43. ويتذكر قائلاً: «والحقيقة أن أهالي بيروت لم يسخوا على قضية عربية مثلما سخوا على الثورة الجزائرية، تأييداً وتضامناً وتبرّعاً. أذكر مشاهد نساء بيروت ينزعنَ الحلي والأساور ويتبرّعن بها». فواز طرابلسي، «صورة الفتى بالاحمر»، 44. شغف طرابلسي الجزائري سيؤدي إلى اعتقاد الكثيرين من حوله اعتقاداً خاطئاً أنه جزائري الجنسية. بعد سنوات قليلة، في 1961، عندما بدأت «مفاوضات إيفيان» بين المستعمرين الفرنسيين وجبهة التحرير الوطني الجزائرية، زار وفد من الشيوعيين العراقيين طرابلسي ليهنّئه باستقلال بلاده و«متمنين لي، بجدية نضالية عالية، عودة سريعة ومباركة إلى أرض الوطن».
في أثناء واحدة من مقابلاتنا العديدة، علّق وضّاح شرارة على قولي إن عدداً من المثقفين، من بينهم إدوارد سعيد (1935-2003)، رأوا في هزيمة الجيوش العربية أمام إسرائيل في 1967 لحظة فاصلة في وعيهم السياسي، برواية قصة «عمادته السياسية» الأولى:
كانت الأحداث الجزائرية قد بدأت بالفعل عندما كنت أبلغ من العمر أحد عشر عاماً. وقعت بعض الصدامات قبل الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 1954. الأول من تشرين الثاني 1954 هو تاريخ النداء الإذاعي الأول الذي بثته جبهة التحرير الوطني ويستخدم كموعد بدء حرب الاستقلال.
صدمة الـ67» عند الآخرين كانت في حالتي هي المشاركة في تظاهرة تحت المطر لعلها في كانون الثاني 1953... تظاهرة أتذكرها بتفاصيلها كلها... ولم يكن لأهلي علاقة بها على الإطلاق...
خرجنا من المدرسة ووقف شاب يكبرنا بثلاثة أعوام أو أربعة على تل ترابي صغير في برج البراجنة– تحت ما يسمى الآن جامع الرسول الأعظم، الذي كان يتشكل من امتدادات من الرمل يستخدمها صيادو طيور الحسون حيث كنا معتادين الذهاب إلى هناك ما إن نحصل على ليرة وربع لشراء طير- في جميع الأحوال وقف هناك وقال: «يا شباب، يا عرب، يا وطنيون، الاستعمار الفرنسي يذبح إخواننا في الجزائر.
فهمت [عندئذ] بالمعنى الجسماني للفهم وليس فقط بالمعنى الكلامي. وحتى في 1952، عندما كان أبي يعود من العمل، كان يُحضر معه إلى البيت في العادة صحفاً مصرية. أذكر أني كنت في العاشرة من العمر عندما بدأت قراءة «الاثنين» التي تشبه «آخر ساعة» و«المصوَّر»، ولكن كانت الصور فيها أكثر بكثير. وأذكر بوضوح تامّ محمد نجيب قبل عبد الناصر... وعبد الناصر طبعاً ورائحة الورق والحبر والصور المغبشة لمعركة القناة [السويس، 1956].
إذاً، حتى لو كان هناك انقطاع جزئي بين البيت وعالمه من جهة، أي عالم والدي أساساً والناس الذين تتحدث إليهم هناك، وما يتكلمون عنه والمجلات، وبين المدرسة من جهة ثانية، وهي مجموعة من الأطفال الصغار الذين يتعلمون الإملاء والإعراب و«تصريف الأفعال» وبعض الرياضيات... فقد حدثت نقلة لمناخ البيت وتمّ توظيفه في هذا الشيء [التظاهرة] الذي جرى، وكان ذلك مفاجئاً لي.
وأذكر هذه التظاهرة ليس فقط بمطرها ورائحة الثياب المبللة وشعري والاعتقاد أن عمتي ستصرخ في وجهي الآن لأني تركت نفسي واقفاً في المطر وقد أُصاب بالبرد، وأشياء من هذا القبيل، بل أيضاً بسبب نوع من الإبدال الضمني («transmutation») بين الصور هذه والأفكار والكلمات والمشاعر بشيء كنت أنا أفعله. قررت الخروج من المدرسة والسير مع التظاهرة، بعض الأشخاص لم يخرجوا. كنت في غمرٍ من الانفعالات الكبيرة جداً. كانت هذه هي العمادة. مقابلة مع وضاح شرارة في التاسع من حزيران 2007.
كان عبد اللطيف شرارة، والد وضّاح، قومياً عربياً ومؤلفاً غزير الإنتاج ولغوياً ومترجماً. تشمل أعماله العديدة مؤلفات عن الشعر العربي الكلاسيكي والمعاصر، وكتاباً عن جورج برنارد شو وآخر عن القومية العربية «روح العروبة» (1947)، وقد أعيد نشره لاحقاً، وترجمات (منها لهربرت ماركوز). زُرعت الحساسية القومية العربية والمناهضة للاستعمار، ونمت في اللقاءات مع اصدقاء أبيه العرب، على غرار الشاعر السوري والسياسي بدوي الجبل والشاعر العراقي أحمد صافي النجفي، ومن خلال قراءة المنشورات الدورية المصرية والمناخ العام المحيط بالمنزل، الذي تحول إلى مشاركة شرارة في التظاهرة الداعمة للنضال الجزائري من أجل التحرر الوطني، مولِّدة انفعالات عارمة في جسد الصبي ذي الأعوام الأحد عشر رشح صداها من صوت الرجل البالغ من العمر خمسة وستين عاماً في أثناء إعادة روايته بتفصيل دقيق ما فكر فيه وكيف شعر في ذلك اليوم المدرسي الماطر قبل أربعة وخمسين عاماً. الوسط الثقافي الذي نشأ شرارة فيه، تجاوز حدود الجمهورية اللبنانية، وساهم مبكراً جداً في تشكيل مخيلته القومية العربية وحساسياته. تخيُّل الأمة العربية، من بيروت، كان ممكناً بطبيعة الحال عبر اللغة العربية المشتركة التي جمعت هؤلاء المثقفين معاً وجرى تداولها عبر وسائل الإعلام الجماهيرية، مثل الدوريات المصرية، وعبر خطابات جمال عبد الناصر الحماسية التي تبثها إذاعة «صوت العرب» في عصر راديو الترانزيستور.
هوى عروبي: سياسة، حساسية، مؤسسات
تتذكر عزة شرارة بيضون أن «القضية العربية كانت مسيطرة [على حياتنا] أكثر من الهموم اللبنانية». وانضمت عزة شرارة بيضون، الأستاذة المتقاعدة لعلم النفس الاجتماعي في الجامعة اللبنانية والمفكرة النسوية، إلى «لبنان الاشتراكي» بعد فترة وجيزة من تأسيس الحركة في أواسط الستينيات. وعلى الرغم من أنهما أخوة، لم يكبر وضاح شرارة وعزة شرارة بيضون معاً نتيجة طلاق والديهما. كما أنهما ينتميان إلى عالمين لغويين- ثقافيين مختلفين. ففيما سافر هو للدراسة الجامعية في ليون (1959) وعاد إلى فرنسا أوائل السبعينيات لإنهاء أطروحة الدكتوراه، تسجلت هي في الجامعة الأميركية في بيروت للحصول على شهادة في الرياضيات، ثم انتقلت إلى علم النفس الاجتماعي بعد عملها لعدد من السنوات معلمةً للرياضيات في المدراس الثانوية الرسمية اللبنانية. اللغات الأجنبية في حالتَيْ هذين الأخوين، كما عند جميع المناضلين المثقفين هؤلاء، مسألة حاسمة لإدراك القراءات والتأثيرات والحساسيات الأدبية والمخيلات التي تشكل سمات المثقفين وطباعهم (habitus).
واحدة من الوسائط المؤثرة التي حملت «القضية العربية» كانت «صوت العرب»، الإذاعة التي كانت القاهرة مقرّها، والتي كانت تبثّ خَطَابة قومية عربية حماسية. الأعمق أثراً كانت خطابات جمال عبد الناصر طبعاً. كانت هذه الخطابات مصدر تربية سياسية، وحضّت على تعبئة شعبية معمَّمة في المنطقة العربية. مقابلة مع وجيه كوثراني في الخامس عشر من تموز 2008. صُمِّمت «صوت العرب»، بحسب أحمد سعيد المُذيع الأشهر في الإذاعة ومديرها العام،
لتفسر لهم [الشعب العربي] مُثُلَ ثورة يوليو العليا وتجعلهم واعين للمؤامرات التي يواجهونها. أهداف «صوت العرب» الرئيسية كانت بالتالي تحرير الشعب العربي؛ توحيد البلدان العربية؛ تحرير الموارد العربية من قبضة الإمبريالية؛ وتشجيع استخدام هذه الموارد في تنمية الحضارة والعلم والثقافة العربية. Laura M. James, “Whose Voice? Nasser, the Arabs, and 'Sawt al-Arab' Radio”, Transnational Broadcasting Studies, no. 16 (Jun-Dec. 2006), http://www.tbsjournal.com/James.html.
يتذكر عباس بيضون أن تلك كانت أزمنة ساد فيها الاعتقاد أن الحدود بين البلدان العربية سيمحوها مدّ القومية العربية الغامر،
لم يكن للحدود من معنى في ذلك الزمن. بدا كما لو أن هذا المدّ قوة متجانسة، وبدا كأن تاريخاً عربياً موحداً يُصنع. لم يكن من معنى للحدود [القائمة]. كنا جميعاً جزءاً من هذا المدّ... عندما تحدّثَ الشيوعيين في العراق أو سوريا عن بعض الحدود، أو البعثيون، بعد فشل الوحدة [بعد 1961]، بدا وكأن هذا الكلام غير مفهوم. مقابلة مع عباس بيضون في الحادي والثلاثين من تموز 2008.
عدم الاعتراف هذا بالحدود وبالانتماءات الوطنية المحددة لمختلف البلدان في أوج القومية العربية، كان جلياً في خطاب الحركات القومية العربية التي «رفضت أن تقول، على سبيل المثال، الشعب السوري أو الشعب اللبناني أو الشعب المصري، لقد اعتادت أن تقول الشعب العربي في سوريا والشعب العربي في لبنان والشعب العربي في مصر». مقابلة مع محسن ابراهيم في الرابع من آب 2008.
تعود القومية العربية إلى الذاكرة غالباً كعالم مُشبع بالانفعالات السياسية القوية. حملت خطابات عبد الناصر العامية مشاعرها المعادية للاستعمار وكبرياءها القومية، كما نقلتها أيضاً القصائد القومية والروايات والأغاني والكراريس السياسية من دون الإشارة إلى الصور الأيقونية والرسومات الشخصية، كتلك التي علقها طرابلسي على جداره جميلة بوحيرد. يتذكر شرارة أن العاطفة غمرته في أثناء التظاهرة الجزائرية، وتتذكر عزّة شرارة بيضون كيف عاشت تجربة خطاب عبد الناصر عندما كان يعلن تأميم قنال السويس في 23 تموز 1956، وكانت تبلغ من العمر اثني عشر عاماً. وبعد بضع سنوات أصابتها نهاية الوحدة قصيرة الأجل بين الجمهوريتين، المصرية والسورية (1958-1961) بالمرض: «أصبت بالحمى. شعرت بها في جسمي («somatically»)... فقط لتعرف كم كانت عاطفية، وكنت أقرأ كيف أن أشخاصاً كانوا يذهبون إلى دمشق ويتحدثون عن وسامة عبد الناصر. هذا هو الأمر العاطفي». مقابلة مع عزة شرارة بيضون في الثالث والعشرين من تموز 2007.
لم تنتشر حمّى القومية العربية فقط عبر تداول الوسائط الإعلامية التي كان هؤلاء الشباب والشابات يستطيعون قراءتها والاستماع والنظر إليها، بل أقامت أيضاً في المؤسسات التربوية. في مرحلة من الخمسينيات زار أنور السادات «الكلية العاملية» في بيروت التي كان يسيطر عليها الناصريون وأعضاء حركة القوميين العرب، لعقد اتفاق بين جمهورية مصر العربية والمدرسة تزود بموجبه الحكومة المصرية المدرسة بمعلمين من مدارسها الرسمية. المدرسة التي أنشئت «بسبب التمييز والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المهاجرين الشيعة الريفيين والفقراء الى بيروت، وتأسست سنة 1929» أدّت ايضا في بداياتها دوراً مزدوجاً «كمركز اجتماعي- ديني للعديد من الشيعة» حيث يحيي فيها المهاجرون ذكرى عاشوراء. انظر Roschanak Shaery-Eisenlohr, Shi‘ite Lebanon: Transnational Religion and the Making of National Identities (New York: Columbia University Press, 2008), 56.
تعلّم وجيه كوثراني على أيدي معلمي المدارس المصريين، هؤلاء الذين كانوا يعلمون أساساً التاريخ والجغرافيا واللغة العربية. وهذه كانت مواد تتيح نفسها بسهولة لا تحتاج إلى توضيح، لتكون محمَّلة بروح العصر، القومية العربية.
تحولت مدارس أخرى إلى ما يشبه المراكز السياسية الحزبية، حيث تُعقد الاجتماعات وتجري التربية الإيديولوجية بالتزامن مع المقررات المدرسية، خصوصاً في الأوقات المضطربة، كالحرب الأهلية القصيرة التي شهدها لبنان سنة 1958. ويتذكر عباس بيضون الجو العام في الثانوية الجعفرية، وهي مدرسة شيعية في مدينة صور الجنوبية، فيروي القصة القصيرة هذه عن أول مشاركة سياسية له:
عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري، كنت من بين الناشطين سياسياً، لأن في الثانوية الجعفرية... واحد من الأمور الغريبة في تلك الحقبة، أن المدرسة ذاتها كانت شبه مركز لحزب البعث، ليس في صفوف أساتذتها فقط، بل إدارتها- جعفر شرف الدين [رئيس المدرسة]، الذي كان حليفاً للبعث في ذلك الحين- وطلابها. واعتدنا حضور اجتماعات الحزب في قاعات الصف، وكانت اجتماعات الفرقة الحزبية تشمل الصف، وكانت الصفوف هي مراكز الأحاديث الحزبية. وجرت العادة أن يدخل الأساتذة الذين كانوا أعضاءً في الحزب وتستطيع في وسط الصف أن تسأل عن دستور البعث وعن الاختلافات ما بين الاشتراكية العربية والاشتراكية الشيوعية... ولم يكن من فارق بين المدرسة وبين مركز الحزب، ولم نظن أنه كان أمراً غريباً، وكان يبدو غرق كافة أوجه الحياة في السياسة في ذلك الوقت طبيعياً.
في تلك الفترة كنت بعثياً. وبما أنني كنت طفلاً متقدماً على أقراني، غضوا النظر عن عمري ورفّعوني، خصوصاً أن عمري المبكر لم يكن يتناسب مع ما أعرف. كان الجميع في المدرسة بعثياً، لكنهم كانوا قليلي الاهتمام بالجانب النظري من الحزب، الذي كان يتألف من بضع صفحات، الدستور وكتابات [ميشال] عفلق. ولم تكن قراءتها تتطلب وقتاً طويلاً، لكن قلة فقط قرأتها. لذلك، كنت مرجعاً في هذه الأمور، «حُجّة»، وأنا في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمري.
حوالي سنة 1961 عندما انتهت الوحدة بين مصر وسوريا، كان البعث من أقوى الأحزاب في لبنان، خصوصاً في بيروت، بحسب محمود سويد الذي كان عضواً في الحزب في ذلك الوقت. وفيما كان يروي لي قصة نهاية التزامه الحزبي عندما قررت مجموعة مهمة من البعثيين اللبنانيين الانشقاق عن الحزب احتجاجاً على موقف القيادة في دمشق التي أيّدت حلّ الوحدة السورية مع مصر في 1961، أجاب سويد عن استفهامي عن سبب اعتقاده أن البعث كان أقوى من الناصرية بالقول:
نعم بطبيعة الحال، كان أقوى لأن الحزب كان موجوداً قبل أن تظهر الناصرية... وثانياً، كانت لديه إيديولوجيا، أما الناصرية فكانت تتلمس طريقها الإيديولوجي عبر تجربة عبد الناصر؛ وهو لم يبدأ من موقع عربي. ثالثاً، ربما تكون الناصرية قد أصبحت أقوى في وقت لاحق على مستوى الجماهير، لكنّ البعث جذب المثقفين. كان هناك البعث أو حركة القوميين العرب. لم يكن ثمة شيء آخر، أو القوميون السوريون [إذا قرّر أحدنا الذهاب] في اتجاه آخر... وبطبيعة الحال، كنا في حالة صراع مع القوميين السوريين. خضنا معارك إيديولوجية ونقاشات امتدت ليالي كاملة [نناقش] ما إذا كان [يجب أن نهدف إلى قيام] الوحدة السورية أو الوحدة العربية… الأمة السورية أو الأمة العربية.
محسن إبراهيم (2020-1935) الذي سيشغل بعد فترة طويلة في السبعينيات منصب الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان من بين أدوار عديدة أداها في السياسات العربية واللبنانية، كان من قادة حركة القوميين العرب، وهو في العشرين من العمر. ويتذكر إبراهيم أعوام نشاطه السياسي المبكرة:
تعرفت في 1952 أو 1953 عندما كنت أبلغ من العمر 17 أو 18 عاماً، على «الشباب القومي العربي» الذين سيصبحون نواة حركة القوميين العرب. تألف الجيل الأول من جورج حبش وهاني الهندي وأحمد الخطيب... واعتبرت رمزاً للجيل الثاني على مستوى لبنان. وعلى الرغم مما يحدث عادة مع الطلاب كجزء من نموهم: تلتحق بحزب ثم تخرج منه، لم أفعل ذلك... كانت القضية الفلسطينية مهمة جداً عند حركة القوميين العرب. كانت تفصلنا ثلاثة أعوام فقط عن النكبة وكل ذلك الجيل نشأ في هذا المزاج.
المؤلف: وما كان موقفكم حيال عبد الناصر؟
محسن إبراهيم: عبد الناصر وفد لاحقاً. كان حينها في موضع امتحان.
تُعبّر تجربة محسن إبراهيم القيادية المبكرة مع حركة القوميين العرب كيف أن فارق بضع سنوات بينه (1935-2020) وبين من ولدوا في أوائل الأربعينيات– كطرابلسي وبيضون وشرارة– أظهر نفسه في ما يتعلق بالعمل السياسي وبالعلاقة مع عبد الناصر. كان إبراهيم ناشطاً سياسياً بالفعل عندما استولى الضباط الأحرار على السلطة في مصر سنة 1952، وتسلم فعلاً مواقع قيادة وهو في العشرين من عمره عندما أصبح عبد الناصر رئيساً لمصر. ولم تتشكل حساسيته القومية العربية وفق ما كان يُذاع أو ينتج أو يُنجز في القاهرة، بل إن ما كان يجري فيها كان يُراقب عن كثب من أجل صياغة موقف يتعلق بتلك التطورات. انحازت حركة القوميين العرب لاحقاً إلى السياسات الناصرية وطوّر إبراهيم في أثناء ثمانية أعوام، على الرغم من صغر سنه، علاقة وثيقة مع عبد الناصر حيث كان يسافر من بيروت إلى القاهرة للقائه مرة في الشهر كمعدل وسطي. تدهورت العلاقة مع عبد الناصر وانتهت أخيراً في أعقاب هزيمة حزيران 1967 أمام إسرائيل واتخاذ إبراهيم لاحقاً موقف أكثر جذرية. وسيُخضِع الفرع اللبناني من حركة القوميين العرب بقيادة إبراهيم نفسه لنقد ذاتي حوالى سنة 1968، وستعيد المنظمة ترتيب صفوفها داخلياً وتتبنى اسم «منظمة الاشتراكيين اللبنانيين». نُشرت الوثائق والذرائع التي استخدمت لتبرير التخلي عن الصيغة السابقة من القومية العربية واعتناق الماركسية- اللينينية بعنوان «لماذا؟ منظمة الاشتراكيين اللبنانيين» (بيروت– دار الطليعة، 1970).
لم تجرف موجات مدّ المشاعر القومية العربية كل شيء في طريقها. دعمت أكثرية السكان المسيحيين في لبنان سياسات الرئيس كميل شمعون (1952-1958) المؤيدة للغرب. ويُسجل طرابلسي أن شمعون «سوف يستقوي... بالدعم الخارجي و بتواطؤ الأوليغارشية وبالتعبئة المارونية، ما أدى به إلى تأزيم العلاقات الطائفية كما لم يفعل زعيم سياسي آخر من قبل. [وفيما كان أكثر الزعماء المسلمين خارج البرلمان]... انجذب «الشارع» المسلم بكثافة إلى خطاب الحركة الناصرية القومي المعادي للاستعمار». فواز طرابلسي، «تاريخ لبنان الحديث- من الإمارة الى اتفاق الطائف»، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 2008، 224.
وجد بعض هؤلاء المثقفين أنفسهم في مواجهة عوالم اجتماعية متباينة خلال نشأتهم. كانت الحساسيات (sensibilities) السياسية التي تطورت في البيت- بالمعنى الواسع للعائلة والجوار والأصدقاء- تصطدم أحياناً بالجو العام السائد في المدرسة. وأمضى بعض هؤلاء المثقفين جزءاً من مراهقتهم في مدارس كان المزاج فيها يعارض، في الغالب، القومية العربية. أمضى وضاح شرارة ثلاث سنوات في القسم الداخلي من «المعهد اللبناني» الواقع في بيت شباب، القرية المسيحية في جبل لبنان. أصوله الشيعية الجنوبية من بنت جبيل وعروبة أبيه والمجلات الدورية المصرية الموزعة في أرجاء المنزل، كانت شديدة الاختلاف عن المحيط الجديد. وعندما انتقل إلى هناك، كان شرارة قد أصبح «مدرعاً بالعروبة» و:
ما كنا نسميه عروبة... هذا العالم من الأفكار والمشاعر والآراء والأصداء... وجد صياغته هناك. عملياً، كان كل تلامذة المدرسة أبناء مهاجرين موارنة واثنان أو ثلاثة منهم من القوميين السوريين... وكنت أنا إلى جانب ابنَيْ مهاجريْن شيعيَّين من صور «نواجه هؤلاء الناس» بمعنى ما... في تلك السنة بدأت أضع زر [دبوس] «وطني العربي» الذي جعله القوميون العرب شعبياً وتبناه البعث لاحقاً. وبدأت أحتكّ ببعض الأقارب الذين كانوا أعضاءً في البعث.
وأمضى أحمد بيضون كذلك بضع سنوات في مدارس ذات توجهات سياسية متعارضة. تسجّل بين 1956 و1958 في مدرسة تتبع ديراً مسيحياً في بلدة مشموشة غير بعيد عن مدينة صيدا الساحلية. ويتذكر أن الأكثرية كانت مؤيدة لشمعون وللكتائب «كانت ثمة كراهية للناصرية... كان الجو العام هكذا [في ذلك الوقت]... واعتدت أن أكتب قصائد قومية عربية عن الجزائر وعن عبد الناصر». مقابلة مع أحمد بيضون في الحادي عشر من تموز 2007. أدت المدارس اللبنانية دوراً مركزياً في تعزيز وشحذ معنى الانتماء إلى الأمة العربية. ووفرت هذه المدارس، سواء كانت تتلقى مساعدة مصرية مباشرة على شكل معلمين وزيارات من أنور السادات وتتحول إلى مراكز للنشاط الحزبي القومي العربي، أو كانت من «كارهي» الناصرية/ القومية اللبنانية، سبل تعزيز الخطابة والمشاعر القومية العربية. الانتماء القومي العربي الذي تطور في محيط العائلة والجوار كان يمكن أن يُشحذ أيضاً في المواجهات مع القوميين اللبنانيين في المدرسة.
«ثورة» 1958 وعملية «الخفاش الأزرق»
اقترن انحياز كميل شمعون إلى القوى الغربية في أثناء رئاسته مع حصول الحكومة اللبنانية على ما قيمته ستة ملايين دولار من الأسلحة الأميركية والمساعدة الاقتصادية في 1953، ومع السماح لسلاح الجو الأميركي باستخدام المجال الجوي اللبناني في مهمات الاستطلاع (1954) وتفاقم الانحياز مع دعمه لحلف بغداد المُوقع في شباط 1955.
تعتمد الخلفية التاريخية في هذا الجزء على كتاب فواز طرابلسي «تاريخ لبنان الحديث».
وعلى الرغم من أن لبنان لم ينضم إلى الحلف الذي وقعت عليه حكومات العراق وباكستان وتركيا وإيران الموالية للغرب، الا أنه في المقابل رفض المشاركة في معاهدة الدفاع العربي المشترك التي وضعتها مصر وسوريا والمملكة العربية السعودية رداً على حلف بغداد. وكان لمواقف شمعون من الشؤون العربية تبعات داخلية وإقليمية. فقد وتّرت علاقات الحكومة اللبنانية بمصر الناصرية وبسورية، وأفضت في أيلول 1955 إلى استقالة وزير الخارجية اللبناني حميد فرنجية الذي كان قد وعد جمال عبد الناصر «باسم حكومته بأن يعارض لبنان الأحلاف العسكرية الغربية». الأهم بالنسبة إلى غايات عملنا هنا، هو مزاج التعبئة الشعبية- بين المسلمين خصوصاً- ضد سياسة الرئيس الخارجية. أدى توقيع حلف بغداد إلى تظاهرات عنيفة في مختلف أرجاء البلد. وفي بيروت قتل طالب وأصيب آخرون بجروح عندما فتحت الشرطة النار خارج حرم الجامعة الأميركية في بيروت.
وأدت قرارات شمعون بعدم قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا وبريطانيا بعد أزمة السويس سنة 1956 إلى استقالة رئيس الوزراء السُّني عبد الله اليافي والوزير صائب سلام، وهما شخصيتان سياسيتان سنيتان رئيسيتان. شكّل شمعون حكومة جديدة وأسند وزارة الخارجية إلى شارل مالك المنحاز إلى السياسة الخارجية الأميركية. وأقرّ البرلمان اللبناني في نيسان 1957 التزام لبنان بمبدأ أيزنهاور. وبعد بضعة أشهر، نظم الرئيس المدعوم من الولايات المتحدة انتخابات عامة خسر فيها الزعماء السُّنّة المعارضون مقاعدهم النيابية. بحلول 1958، لم تكن سياسات الرئيس قد أدت فقط إلى نفور المسلمين، بل أيضاً إلى تقسيم المسيحيين الذين طوروا «قوة ثالثة» للدعوة إلى الحياد في الشؤون العربية. يضاف إلى ذلك، أن شمعون لم ينفِ الشائعات المتداولة عن نيته تجديد ولايته الرئاسية، وهذا عمل غير دستوري. بدأت الصدامات بعد اغتيال نسيب المتني، الصحافي والناشر الذي انتقد بقسوة الفساد وسياسة النظام الخارجية. سيطرت المعارضة على ثلاثة أرباع لبنان بعد شهرين من القتال. في الرابع عشر من تموز 1958، وبينما كان القتال مستمراً في لبنان، أُطيحت الملكية في العراق. في اليوم ذاته «كرر شمعون طلب التدخل العسكري [الأميركي] خلال 48 ساعة، وإلا فإن نظاماً عربياً آخر موالياً سوف يسقط بدوره». في أقل من أربع وعشرين ساعة أطلقت الولايات المتحدة عملية «الخفاش الأزرق» التي شملت إنزال «15 ألف جندي أميركي... يدعمهم 40 ألف جندي على 70 بارجة حربية تابعة للأسطول السادس الأميركي في أول عملية من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية». وانتهى الأمر بالأميركيين إلى اختيار خليفة لشمعون بدلاً من الدفاع عنه، فانتخب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية بعد أقل من أسبوعين من نزول مشاة البحرية الأميركية على الشواطئ اللبنانية. وكان اسم شهاب قد ظهر في المفاوضات الأميركية- المصرية، كما لبّى «الشرط الذي وضعه آيزنهاور، إذ طالب برئيس عسكري». وبحلول تشرين الثاني 1958 كان «الخفاش الأزرق» قد رحل.
شكّل صيف 1958 حلقة أساسية في تاريخ لبنان الحديث، وفي النشأة السياسية لجيل نما في أعقاب النكبة الفلسطينية، وفي أثناء مدّ القومية العربية. فقد شهد تضافر المعطيات السياسية المحلية (التوترات الطائفية) مع تلك الإقليمية (العلاقات البينية العربية) والدولية (الحرب الباردة). شرارة الذي كان يبلغ من العمر ستة عشر عاماً كان قد أصبح مسؤولاً بعثياً في مدرسته الثانوية في بيروت. زوّر أقاربه الأكبر سناً أوراقه لضمّه إلى الحزب. وعيّن البعث محمود سويد في محطته الإذاعية الواقعة في مدرسة شرارة الثانوية. وكان سويد مسؤولاً عن إعداد موجز الأخبار في الإذاعة، وعن توزيع المنشورات في بيروت ليلاً. سويد وشرارة اللذان سيشاركان في تأسيس «لبنان الاشتراكي» بعد ست سنوات، لم يلتقيا في ذلك الصيف.
عندما اندلعت أعمال العنف، أرسل أهل شرارة ابنهم إلى مدينة صيدا في الجنوب بعيداً عن القصف في بيروت. لم يشارك في القتال سنة 1958، على الرغم من أنه تلقى بعض التدريب العسكري الأساسي في مدرسة رسمية على أيدي «كوماندوس فلسطيني قبل ظهور تسمية الفدائي». وسيمرّ شرارة بمدرسة المقاصد في صيدا حيث اتخذ معروف سعد، الزعيم السياسي المحلي القومي العربي المحاط بأعضاء حركة القوميين العرب، مقراً له. ويتذكر شرارة أن من بين الذين كانوا في المحيط محسن إبراهيم، «على الرغم من أنني لم أكن أعرفه في ذلك الوقت». وإبراهيم الذي يكبر شرارة بست سنوات تقريباً، كان قد أصبح عضواً قيادياً في حركة القوميين العرب. وبعد اثني عشر عاماً، سيجري وضاح شرارة ومحسن إبراهيم مفاوضات ويقرران توحيد «لبنان الاشتراكي» و«منظمة الاشتراكيين اللبنانيين» لتأسيس «منظمة العمل الشيوعي في لبنان» (1970).
في غضون ذلك، كان فواز طرابلسي في القسم الداخلي من مدرسة برمانا الثانوية (Brummana High School). وفي أثناء مكوثه في هذه المدرسة الداخلية الواقعة في قرية مسيحية في جبل لبنان، شكّل مع عدد من أصحابه مجموعة قومية عربية يسارية سرية سنة 1956 لمواجهة القوميين السوريين في المدرسة. وأخبرني طرابلسي:
ذهبنا إلى بيروت في 1958 وشتمنا مشاة البحرية الأميركيين [بلغتهم] بعد نزولهم إلى الشاطئ. كنا في مدرسة ثانوية يتألف أكثرها من عرب ومسلمين في برمانا. كان الجو العام متوتراً واتهمنا أهالي القرية بأننا نملك أسلحة وندد بنا القوميون السوريون وبدأوا بتسيير ما يشبه الدوريات حول المدرسة متسلحين ببنادق صيد. انحاز القوميون السوريون، وهم منظمة جذرية في علمانيتها، إلى الرئيس شمعون وإلى القوميين المسيحيين اللبنانيين ضد القوميين العرب المسلمين أثناء صدامات 1958 الأهلية. مقابلة مع فواز طرابلسي في الثاني من آب 2008.
قضى طرابلسي ما تبقّى من الصيف مختبئاً في قرية مسيحية شمالية بعدما أصدر قاضٍ مذكرة توقيف بعد اعتقال أفراد المجموعة القومية العربية في ثانوية برمانا وفي حوزته كُرّاس يحتوي على أسماء الذين ساهموا بالمال في دعم «المقاومة الشعبية»، أي قوى المعارضة. وبعد الحرب الأهلية القصيرة في 1958، تابع من سيصبحون رفاقاً قريباً نضالهم تحت راية القومية العربية، غالباً في صفوف البعث، قبل الخروج منه للغوص في العالم الماركسي السياسي والنظري.
أهل وعابرون: أجيال من مثقّفي الجنوب
جذب الفكر القومي العربي والمشاعر العربية هؤلاء الشبان والشابات في العقد الثاني بعد استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي (1943). مع ذلك، فقد كانوا نتاج مؤسسات الدولة اللبنانية– المدارس الثانوية الرسمية، دور المعلمين، الجامعة اللبنانية- والممارسات التربوية المرافقة كتعلّم الفرنسية والإنكليزية. وشاركوا بدرجات مختلفة في الفضاءات المؤسسية والأدوات الثقافية واللغوية للقومية اللبنانية التي كانوا يعارضونها. لم تكن الحال دائماً على هذا النحو مع جيل المثقفين السابق لهم.
يتذكر وضّاح شرارة: «كان أبي من أوائل الكتّاب العامليين الذين بدأوا بالكتابة في الصحف اللبنانية، المعاصرة والحديثة على غرار «الأديب» و«الآداب»». انتمى عبد اللطيف شرارة إلى جيل الكتّاب الشيعة الجنوبيين الذين شهدوا ذواء عالم كانت فيه «الطريق إلى النجف... على طولها وخشونتها أهون على أهلها من الطريق إلى بيروت ودمشق». حسين مروة، «ولدت شيخاً وأموت طفلاً: سيرة ذاتية في حديث أجراه معه عباس بيضون»، بيروت: دار الفارابي، 1990، 16. فالأولى، كما يؤكد عباس بيضون «رحلة إلى الأمان يقتفي فيها الأبناء خطى الآباء، يقفون حيث وقفوا ويحلّون حيث حلّوا. يمشون على حدائهم وذكرياتهم، تلك هجرة إلى الداخل، أما الثانية، فهي على قربها ودنوّها تغريب وخبط في مطارح لا نهتدي فيها بعلم السلف ولا ذكرياتهم».
قصة الانتقال من النجف إلى بيروت، ليست قصة تحوّل في الاتجاهات فقط من مسار يمتد عمره إلى قرون نحو موقع التحصيل الديني إلى عاصمة حديثة لجمهورية جديدة على تماسّ مع حقول من الإنتاج الثقافي في المركز المتروبولي. هي أيضاً، بالنسبة إلى بيضون، رواية افتراق المخيلات الثقافية للجماعات المكونة للبنان: الأدب القومي اللبناني الذي صاغه كتّاب غربيّو التوجّه أو الإقامة- مثل جبران خليل جبران وصحبه- يصور الحياة في جبال لبنان حيث نشأ كتّابه ويسخر منها. كان ذلك شديد البعد عن عالم رجال الدين الذين تلقوا تعليمهم في النجف وعن آدابها. يقول عباس بيضون:
كان أبي يتحدّث عن القومية العربية، لكن إذا أخذت عناوين كتبه، فلم تكن تعني شيئاً. لقد ألف كتاباً عن «أم سلامة» وهو اسم إحدى زوجات النبي التي كانت قريبة من علي، وكتاباً آخر عن سيرة النبي الأرجح أنها من وجهة النظر الشيعية.
المقصود بـ«لا تعني شيئاً» أنه لم يكن ثمة قبول لهذا الصنف الكتابي في الحقل الأدبي اللبناني الذي كانت مراجعه المهيمنة ومراكزه ومخيلاته تكمن في مكان آخر. يتذكر عباس بيضون أن مصر كانت متروبول [المثقفين الجنوبيين الشيعة]. ويتابع:
كانوا حديثين، لكن من الناحية الثانية، ليس على طريقة جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ومارون عبود. كان هذا العالم غير مألوف عندهم. كانوا يستطيعون التعامل أكثر مع حداثة المصريين. الحداثة هذه كانت حداثة إسلامية أولاً، في حين أنها هنا كانت حداثة مسيحية بمعنى ما... بل بكل المعاني.
لم تكن نشأتهم ومراجعهم الفكرية ومخيلاتهم الثقافية والأدبية وممارساتهم مختلفة فحسب عن الحقل القومي الآخذ في التكوّن، بل كان أكثرهم لا يتقن إلا اللغة العربية، ما أفضى إلى مفاقمة تهميشهم حيث لم يكونوا قادرين على «مجاراة آخر المستجدات» في العالم، أي في المراكز الغربية. أصبح هؤلاء الكتاب العامليون، أيضاً، في حالة انفصال عن ذريتهم. ويتذكر عباس بيضون:
عندما بدأت أفتح عيني [على العالم] وأصير شخصاً ناضجاً، بدا لي أن أبي الكاتب والمثقف لا يلائمني كثيراً. وسريعاً جداً وجدت نفسي في عالم مختلف، ربما يكون عالم الثقافة اللبنانية، وفي المحصلة وقعت بيننا مشكلة لغة. في رواية كتبتُها ونشرتها بعنوان «تحليل دم»... تحدثت عن أبي؛ كان صوته يبدو غريباً لي. يحتاج الأمر إلى تحليل نفسي لفهم مغزاه. كان كما لو أنه شخص غير موجود «inexistant»، غريب ونادر، أو أنه لن يتكرر... شخص اعتاد أن يكتب ويقرأ لي، ولم أشعر بتاتاً بأيّ تعاطف مع ما كان يقرأ لي... لم تنشأ أبداً صلة متينة مع كتاباته ومن الصعب عليّ أن أعتبر نفسي استمراراً لكتاباته. عباس بيضون، «تحليل دم»، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 2002.
علّم عبد اللطيف شرارة نفسه الإنكليزية والفرنسية اللتين استخدمهما للقراءة، ولكن ليس للتحدث بحسب بيضون، و«إذا نظرت إلى عناوين كتبه، هناك واحد عن برنارد شو وآخر عن الحجّاج، لكن في الحجّاج ثمة جديد، إذ إنه ليس موضوعاً شيعياً، بل شيء أوسع، وكتاب عن القومية العربية. هذه الأمور الثلاثة وضعته في سياق مختلف، سياق لبناني وعربي ودولي». وعبر المساهمة في النقاشات الفكرية الجديدة التي جذبت حضوراً يتجاوز الجماعة الشيعية، تجنب عبد اللطيف شرارة في زمن التحولات التاريخية التهميش الذي أصاب أولئك المثقفين على غرار والد بيضون الذي لم «يفرّ» من ضوابط التقليد الثقافي المتمحور حول التشيّع ومخيلته الفكرية.
ووفرت الشيوعية أيضاً رابطة بديلة من التفكير والممارسة لهذا الجيل من المثقفين العامليين. حسين مروة (1910-1987) شخصية مهمة أخرى من ذلك الجيل في الحقلين السياسي والفكري. وعلى الرغم من أنه درس وأقام في النجف استعداداً لتحمّل مسؤوليات رجل الدين على خطى أبيه، جذبت مروة الكتابات الماركسية وسياسات الحزب الشيوعي العراقي. ولاحقاً، وضع مروة، على غرار الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري، حدّاً لحياته المهنية كرجل دين. ثم أصبح عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني ومفكراً ماركسياً ذا مكانة علّم الفلسفة الإسلامية في الجامعة اللبنانية. كما تخلى محمد شرارة، شقيق عبد اللطيف، عن تطلعاته الدينية في عراق الأربعينيات ليصبح مناضلاً شيوعياً ومؤلفاً. لم يتابع عبد اللطيف شرارة الدراسة الدينية في النجف خلافاً لحسين مروة وشقيقه محمد، لكنه تخرج بين أواسط وأواخر الثلاثينات من «دار المعلمين الابتدائيين» في بيروت.
في السابع عشر من شباط 1987 في أثناء واحدة من جولات الحرب الأهلية اللبنانية المظلمة، اغتيل حسين مروة بالرصاص وهو في السابعة والسبعين من عمره في منزله في بيروت. ويُعتقد على نطاق واسع أن فصيلاً شيعياً متشدداً نفذ الاغتيال، سواء بأوامر من النظام السوري الأسدي أو برعايته. وقع الاغتيال قبل ثلاثة أعوام من انهيار الاتحاد السوفياتي، وبعد ثمانية أعوام من انتصار الثورة الإسلامية في إيران. مرّ وقت طويل على إلقاء الجواهري قصائده الحماسية عن معركة ستالينغراد وعبور رجال الدين الشباب في العراق إلى الماركسية الثورية. مسيرة طويلة عابرة للأجيال: من النجف إلى اللجان المركزية للأحزاب الشيوعية في عقود النضال ضد الاستعمار منتصف القرن العشرين وإلى التنظيمات الشيعية الحركية المتأثرة بالثورة الإيرانية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين.
خاتمة: وقتئذٍ والآن
في كتابه الأول «أدوار احتفال ديني في قرية من جنوب لبنان (عاشوراء)» (Transformation d’une Manifestation Religieuse dans un Village du Liban-Sud (Ashura) (1968))، يتفحص وضاح شرارة التغيرات في الطقس العاشورائي في ضوء التبدلات الجارية في بنت جبيل في أعقاب النكبة الفلسطينية. ويلاحظ انتقال موقع «التظاهرة الدينية» من المجال الخاص بالعائلة إلى النوادي الحسينية العامة، والمشاركة الجديدة للطلاب والأساتذة والتجار البعثيين في الاحتفالات إلى جانب القارئ الديني. أدخل أعضاء الحزب هؤلاء النكبة الفلسطينية إلى القصة الدينية: صورة الإمام الحسين تشير إلى فلسطين، أما قَتَلَته فإلى «الأعداء»، معركته هي معركة البقاء والتقدم، وأخيراً عدالة قضيته تشير إلى المحتوى السياسي والاجتماعي الذي تحمله المنظمة السياسية الحديثة. Waddah Charara, Transformations, 3
في الإيجاز العربي للنص الفرنسي، ربط شرارة إشكالية النص الرئيسية على النحو التالي:
إنّ اللقاء بين مضمون ديني ومضمون سياسي في مرحلة انتقال تاريخية من نمط تنظيم للحياة الاجتماعية إلى نمط آخر، مسألة تطرح قضية التمايز بين مستويات البنية الاجتماعية في البلدان «المتخلفة» ودرجة استقلال هذه المستويات وتطورها (3).
تقصّي اللقاء ما بين المضمونين الديني والسياسي في الاحتفال الديني مدخل لفهم الشكل المحدد للتحديث في بلدان «متخلفة»– المزدوجان في النص الأصلي. كُتب هذا النص في نيسان 1967 قبل ثلاثة أشهر من هزيمة حزيران/يونيو ولم يحمل أية إشارة الى التزام الكاتب الماركسي النضالي في ذلك الوقت. كان «لبنان الاشتراكي» تنظيم سري في ذلك الحين.
ويستنتج شرارة أن البعث في أواسط الخمسينيات بدّل الفهم الخرافي للنكبة الذي فسر الحدث بنسبته إلى «مؤامرة شريرة ضد العرب» في اتجاه «عقلنة نسبية» (94).
كتب شرارة بعد ثلاث سنوات من نهاية الحروب اللبنانية الأهلية والإقليمية الطويلة، مقالة تتضمن سيرة ذاتية قصيرة، «النسبة المتلعثمة: فصول من سيرة (ما قبل لبنانية)». وضاح شرارة، «النسبة المتلعثمة: فصول من سيرة (ما قبل) لبنانية»، مجلة «أبواب» العدد 2 (1994)، 202-213.
في الأعوام الخمسة والعشرين التي فصلت بين المقالتين، شكّلت بداية الحرب الأهلية نقطة تحول حاسمة لشرارة، إذ شهدت توقفه عن العمل السياسي وخروجه من الفكر الماركسي. فيتناول الكاتب يقظة انتمائه إلى «الوطن» اللبناني ويرجعها إلى بداية الحرب في 1975. وكتب: «بقدر ما حاولت، لا أذكر أن معنى الانتماء إلى لبنان كان شيئاً مرغوباً أو مشتركاً بين الناس الذين نشأت معهم. وهؤلاء كانوا لبنانيين شيعة من فئتين: شيعة البلدة الريفية الجنوبية، وأولئك الذين ينتمون إلى البلدة الساحلية المختلطة دينياً» (203). في سياق ما بعد الحرب الأهلية هذا، الذي شهد تشظي الكيان السياسي اللبناني وفق خطوط الانقسام الطائفي غالباً، يعود شرارة إلى مذكراته التي تقيم الصلة بين غياب المرجع الوطني اللبناني وغلبة التضامنات العائلية والمناطقية ما دون الوطنية في طفولته. تستعاد نكبة 1948 للكشف عن كيف أن خسارة الوطن الفلسطيني سردت عبر القصص الريفية والمكتفية بذاتها (المختلقة؟) من سكان بنت جبيل الذين وضعوا البلدة في مركز الحدث. وكتب:
وما يصحّ على العائلات والأقرباء، يصحّ أيضاً على القرى. انتقلت القصص ورواتها من جماعة إلى أخرى، من دون أيّ تبدّل يؤثر على بنية القصة. معنى الحدث [سواء كان مرتبطاً بالعائلة أو الأقرباء أو أهل القرية] ليس في حاجة إلى أي عمل يقوم به آخرون ليأخذوه على محمل الجد. تبدو البلدة كوحدة، في حال تدبر سكانها... أمر سرد قصة يستطيعون عبرها التعرف على بلدتهم وعلى أنفسهم فيها (207-208).
من رواية تحديث أوّليّ في بلدة جنوبية في 1968، ننتقل في 1994، إلى رواية عن صلابة الولاءات الأهلية وعن نزعاتها المحلية المغيّبة للمرجع الوطني.
أطلقت الحرب وعواقبها العنان لتاريخ تنقيحيّ عن مكان المرجع الوطني في الأعوام الأولى لاستقلال الجمهورية اللبنانية. اكتشاف لبنان أو بالأحرى استرجاعه، وإعادة التفكير في «المسألة اللبنانية» غداة الانهيار الداخلي للبلد وبعد أعوام من النضال القومي العربي واليساري دعماً للمقاومة الفلسطينية يشكلان محوراً مشتركاً لهذا الجيل من المناضلين اليساريين خائبي الأمل، وقد أشار إلى ذلك كل من وجيه كوثراني وعزة شرارة بيضون في أثناء اجتماعاتنا، على سبيل المثال. وجد شرارة لبنان غائباً عن التضامنات الطائفية والعائلية والمناطقية الأكثر رسوخاً في خلفيته الشيعية، وهي التي يشير إليها بـ«الولاءات الأهلية». يقظة انتمائه إلى الوطن اللبناني لن تتناقض فقط مع التضامنات ما دون الوطنية للجماعة، بل أيضاً مع الصلات ما فوق الوطنية، خصوصاً القومية العربية. شرارة البعثي السابق الذي رأى في سنة 1968، وفي ذروة النضال الماركسي، أثر البعث في العقلنة النسبية، عَكَس تحليله بعد ربع قرن. أصبحت القومية العربية «دين الأهل» (213). لم تعد السياسات الإيديولوجية العروبية جزءاً من قصة التحديث، بل صارت، سنة 1994، «الدين» ما فوق الوطني للولاءات ما دون الوطنية التي أفضى ارتباطها إلى زعزعة الحلقة الوسطية: الوطنية اللبنانية. ما تغفله مقالة شرارة عن سيرته الذاتية التي نشرها بعد الحرب الأهلية هو الارتباط المحدد بين فكرة القومية اللبنانية والمخيلة المسيحية المارونية المؤيدة للغرب السائدة في لبنان آنذاك، والموقع الطرفي الذي احتلته الجماعة الشيعية والجنوب اللبناني في الجمهورية الجديدة.
ما يستحضره شرارة لا يلمس فقط القضية الفلسطينية والإيديولوجية القومية العربية، بل يعود أيضاً إلى عواقب التحرر الوطني والممارسات العنيفة للحركات المناهضة للاستعمار التي أيدها في شبابه. اتّكأ على ما جرى بعد تحرير الجزائر لنقد الاستخدام المشيّئ (reified) لأعمال فرانز فانون في حقول أكاديمية مثل دراسات ما بعد الاستعمار والدراسات الثقافية، فأشار في واحد من لقاءاتنا إلى أن «عوالم وفرضيات تبنى، فيما يُنسى أن فانون كتب بين 1957 و1962 أو 1963 بين ثنايا «جبهة التحرير الوطني»، من دون إيلاء أي اهتمام بصيرورة الجزائر الاجتماعية والتاريخية». توفي فرانز فانون سنة 1961. هذا التعليق في شأن الاستخدام المعاصر في المنظومات الدراسية أُلقي كإضافة وسط محادثة كان يعبّر فيها عن تحفظه على أسلوب من الممارسة الثقافية سمّاه «الترصيع». يقوم هذا الأسلوب من الرطانة النظرية السطحية على الاستحواذ على مفاهيم معيّنة واستخدامها من دون الانتباه إلى أمرين: جينيالوجيا المفاهيم وكيفية ارتباطاتها بأصلها وكيف ارتبطت بالمتغيّرات التاريخية– الاجتماعية.
الأهمّ أن شرارة بعد حوالى الخمسين عاماً يعود إلى الآليات والأشكال العنيفة في ممارسة جبهة التحرير الجزائرية والمعارك الداخلية الضارية بين القوميين الجزائريين في ذلك الحين. وبعد استقراره في ليون (1959) انخرط شرارة في النضال الجزائري في سبيل الاستقلال. انضمّ الطالب اللبناني الشاب إلى «شبكة فرانسيس جانسون». ساعدت الشبكة الجزائريين من خلال ناقلين حملوا عدداً قليلاً جداً من الأسلحة والمال والأوراق المزيفة ووجهوا المناضلين إلى المخابئ الآمنة. ويتذكر قائلاً «عرفت في ذلك الحين من امرأة فرنسية جزائرية أن حلقات الدعارة في فرنسا كانت في أيدي جبهة التحرير». وفي ذلك الوقت أيضاً أصبح مدركاً لتنفيذ «جبهة التحرير اغتيالات ضد مناضلي «الحركة الوطنية الجزائرية» [التي أسسها مصالي الحاج واعتبرت مؤيدة لفرنسا]، وفرضها الخوات بالقوة وتصفية اللصوص». زادت هذه الممارسات من مشاعر «الرعب والقرف الحقيقي» التي أخمدها اعتناق رؤية «للممارسة السياسية تحتوي دائماً على حصة من العنف والقذارة». يتذكر المناضل القديم أن هذا التبرير الإيديولوجي مستلهم من كتاب موريس ميرلو-بونتي «الإنسانية والإرهاب» (1947) الذي قرأه في ذلك الزمن تقريباً. ويتلو شرارة من الذاكرة، بالفرنسية، سطراً من الكتاب، يقول: «إنه شيء بهذا المعنى «ليس علينا الاختيار بين الطهارة والقذارة، بل بين أنواع مختلفة من القذارة»». عبارة مرلو- بونتي هي بالضبط Nous n’avons pas le choix entre la pureté et la violence, mais entre differentes sortes de violence” {ليس علينا الإختيار بين الطهارة وبين العنف، بل بين صنوف مختلفة من العنف} Humanisme et Terreur (Paris: Gallimard, 1947), 118. وفي الوقت ذاته تقريباً، بدأ قراءة كارل ماركس وفريدريك إنغلز، ما نقل حقل المسائل التي كانت تشغله وهمّش مسألة العنف في السياسة. ومع انغماسه في التقليد الماركسي، بدأ سحر حركة التاريخ يفعل فعله.