تعليق بيئة
سامر فرنجية

هل ما زال أحدٌ يسيطر على مجرى الأمور؟

«الطفيليات» في وجه «الفاشيات»

22 أيلول 2026

خارج الصورة

صورتان تُهَيمنان على مخيّلتنا للعالم اليوم.

  • صورة انهيار بيئي، برزت مؤخّرًا في موجات الحرارة القياسية والحرائق التي باتت تؤكّد حتمية الدمار الآتي، في غياب تامّ لأي محاولة جماعية جديّة للسيطرة على وتيرة الانهيار، خاصّةً مع قرار ترامب الانسحاب من الاتّفاقيات الدولية، وفي ظل السباق المتزايد على الموارد.
  • صورة سيطرة كاملة للتقنية على حيوات الإنسان، عزّزتها تحذيرات عاملَين في القطاع من ثمّ أصحاب شركات الذكاء الاصطناعي، والتي باتت مُطالبتهم بضبط سرعة التقدّم العلمي، في ظل رفض ترامب للموضوع، أشبه بتأكيد لجدّية احتمال خروج الذكاء الاصطناعي عن إرادة صانعيه والتحكّم بالعالم.

في بعض الأحيان، تلتقي هاتان الصورتان، كما في غزّة أو جنوب لبنان، حيث خلّفت التقنية القاتلة وراءها مشاهدَ من الدمار والخراب وعوالم غير قابلة للحياة بعد اليوم. لكن حتّى عندما لا تلتقيان، ترسم هاتان  الصورتان خيالَ عالمٍ بات خارج السيطرة، حيث الإرادة الإنسانية لم تعد تسيطر على مجرى الأمور، وحيث تستقلّ صنائع الإنسان عنه.

أمطار، نفايات، انفجار، حروب

يستفيق العالم اليوم على غطرسته، ربّما لتفادي مواجهة طبيعة نظامه الرأسمالي. لكنّ هذا الإحساس بالخروج عن الصورة والسياق وفقدان السيطرة على مصيرنا المشترك يشكّل يوميّات مَن يعيش في ركام أطراف هذا العالم.

فمن الصعب على من يعيش في لبنان، مثلًا، ألّا يواجه هذا الإحساس بأنّه فاقد لأي سيطرة على مستقبله، سواء أكان لصالح الطبيعة أم دول خارجية أم انهيار مؤسّساته الجامعة. 

أمطار صيفية لبضعة ساعات أدّت إلى خروج المدينة عن السيطرة، في مشاهد تذكّر باحتلال شوارعها من قبل التراكم المتواصل للنفايات. ساعات قليلة كفيلة بتذكير القاطنين في المدينة أنّهم تحت رحمة الطقس، أو عادوا، رغم الباطون، ليعيشوا حسب تقلّبات الطقس. الطقس ليس الفاعل الوحيد الذي يتحكّم بمصيرنا. فالكلام المتزايد عن «عودة» الحرب تذكير دائم بأنّ مصير سكّان هذه البقعة من الأرض محكوم بأمور تفوق قدراتهم للسيطرة عليها، حتى بات الكلام عن الحرب شبيه بالكلام عن الطقس، تجميع لإشارات متقطّعة ومتناقضة يراد منها التنبّؤ باحتمال عودة الحرب أو إطالة الصيف لبضعة أسابيع إضافية. لكنّ عدم السيطرة لا يطال الأمور «الكبيرة» فقط، بل بات عنواناً لشؤوننا اليومية أيضاً. مع اقتراب إعلان نتائج التحقيق في انفجار المرفأ، نواجه احتمال أنّ أكبر أنفجار شهدته العاصمة قد يكون ناتج عن فسادٍ صغير وموظّفين قليلي الكفاءة واستهتار عام. ليس من مؤامرة أو مجرم، بل مجرّد تفاهة إدارية، باتت تنذر بأنّ جرائم كهذه قد تتكرّر، وليس مَن يسيطر على الأمور ومَن يمكن محاسبته. 

شعبويات سيادية

في عالم خارج عن السيطرة، أو يبدو وكأنّه خرج عن السيطرة، الإغراء الفاشي يزداد، ومعه الحلم بقيادة حديدية لعالم بات رخوًا. قد يبدو تصريح ترامب عن عدم الحاجة إلى قوانين أو ضوابط جديدة لكبح الذكاء الاصطناعي، والتي يمكن استبدالها برئيس «قوي وذكي»، التعبيرَ الأكثر كاريكاتوريًا لهذه الرغبة العارمة للقيادة القوية، وهي رغبة باتت تجتاح العالم انتخابيًا. صعود اليمين المتطرّف الفاشي هو، بمكان ما، تعبير عن رغبة للسيطرة (المستحيلة) على عالم يبدو وكأنّه بات خارج السيطرة.

أمّا في لبنان، فهذه الرغبة تأخذ شكلَ الكلام الفضفاض والمتكرّر عن السيادة واستعادتها وبنائها وحمايتها. رجال يصيحون على شاشات التلفزيون دفاعًا عن سيادة، يريدون إعادة استعادتها من أولئك الخونة، متجاهلين أنّ السيادة باتت مستحيلة في بلد مُفلس ومُحتلّ ومُنهار. أو ربّما لأنّهم يدركون هذه الاستحالة، يزداد صياحهم، وهم يضحكون على جمهورٍ لم يعد يسمعهم منذ زمن. 

طفيليات ما بعد الرأسمالية

إحساس عام، إذن، بأنّ الأمور باتت خارج أي سيطرة، وردّات فعل فاشية كدعوة لإعادة السيطرة عليها، من فوق. لكنّ الخلاص لن يأتي من فوق، مهما صاح. وربّما بات علينا تعلّم الحياة في عالم لم يعد يأبه بهذه «السيادات». عالم بات يَسير من دون اتّجاهٍ واضح، ويتطلّب من الجميع التأقلم معه والبحث في حطامه عن مساحات لابتكار حيوات «طفيلية».

في فيلمه «معطّرًا بالنعناع»، يرسم المخرج محمد حمدي معالم الحياة بعد الانكسار، متتبّعًا أشخاص بات النعناع ينبت في شعرهم ومن أجسادهم، في أزقّةٍ وغرف معتمة، بحثًا عن حشيش. لا يبدو أنّ هناك هدفًا من رحلاتهم إلّا استمرار هذه الحالة بضعة ساعات إضافية، قبل أن يسيطر النوم عليهم. في بحثهم هذا، يذوب الأفراد بالديكور، والحشيش بالنعناع، والمدينة بالإنسان. إنّها حالة «طفيلية»، حيث الاستمرار يأخذ شكل التعايش مع حيوات أخرى، أو على حسابها، حيوات إنسانية وأخرى غير إنسانية. 

في عالم رأسمالي خارج السيطرة، طرق الاستمرار قد تمرّ من خلال إعادة التعلّم من «الطفيليات» كيفية الاستمرار في الحطام، ريثما نستعيد مخيّلتنا عن أشكال «عوالم ما بعد الرأسمالية»، كما فعل جيروم باشيه ولوران جان بيير في كتابهما. فما يظهره الكاتبان في آن واحد، هو استحالة التفكير في ما بعد للرأسمالية، مقابل ضرورة هكذا «ما بعد» للخروج من حالة الضياع التي نحن فيها. هذه الدعوة المتناقضة قد تشكّل الطريق الوحيد لمواجهة الانزلاق الفاشي الآتي.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

هل ما زال أحدٌ يسيطر على مجرى الأمور؟

سامر فرنجية
حدث اليوم - الإثنين 21 أيلول 2026
21-09-2026
أخبار
حدث اليوم - الإثنين 21 أيلول 2026
المدرسة والبيت في مبنى واحد
21-09-2026
تقرير
المدرسة والبيت في مبنى واحد
اليمين واليسار يتقدّمان على حساب الوسط في ألمانيا
21-09-2026
أخبار
اليمين واليسار يتقدّمان على حساب الوسط في ألمانيا
بعد ذكرى عملية البيجر: نيويورك تايمز تستخدمها حلّاً للعبة «ووردل»
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 21/9/2026