تختصر بعض الصور التي تُظهر آلاف المغاربة المقتحمين الأسلاك الشائكة الفاصلة بين مدينة فنيدق وسبتة الإسبانية (داخل الأرض الأفريقية) مأساةً إنسانية تتكرّر فصولها كلّ فترة، فيذهب ضحيّتها عشرات الأشخاص.
على أن هول المأساة وصوَرها فاقت هذه المرّة سابقاتها، وذكّرت بعبورٍ بحري– برّي لعشرات آلاف السوريين بين تركيا ودول البلقان الأوروبية، شهدناه تكراراً في العامين 2014 و2015، حين كانت سوريا في ظلّ حرب ضروس ومجازر أسدية وصعود داعشي وتدخّلات روسية وإيرانية وأميركية.
فلماذا إذاً هذا التشابه، في حين أن المغرب بعيد كل البعد عن السيناريوهات الحربية وكوارثها؟ ولماذا هذا الطور الجديد من أطوار المأساة على مقربة من التماس الأفريقي الأوروبي المباشر؟
بين «الحُقرة» و«الحرّاقة»
ثمة كلمتان شعبيّتان يكثر استخدامهما في المغرب والجزائر، والى حدّ ما في تونس، تعبّران على نحو ثاقب عن وجهين من وجوه المأساة التي تدفع بأفراد وجماعات إلى المغامرة بحياتهم وحياة ذويهم من أجل العبور إلى أوروبا.
الكلمة الأولى هي «الحُقرة»، مع حرف قاف يُلفظ كما الـG باللغة الفرنسية. و«الحُقرة»، تعني التعرّض للاحتقار والظلم من قبل أناس أقوياء ومحصّنين إن انتهكوا القوانين. وهي تولّد مزيجاً من الغيظ والإحباط تجاه موازين القوى التي تُمليها، بما يدفع غالباً الى السعي للخلاص منها والنأي عنها بكل السُّبل المتاحة.
والكلمة الثانية، «الحرّاقة» (بالـG أيضاً)، تعني أولئك الذي يعبرون الحدود على نحو «غير شرعي»، معرّضين أنفسهم لمخاطر الغرق بحراً أو القتل أو الاعتقال برّاً، من أجل فرصة نجاة من «جحيم» بلادهم. وأصل الكلمة مركّب بين العربية والاستعارة من مجازٍ فرنسي. فالمقصود بالحرق، هو ما يفعله أولئك الواصلون إلى الضفة الثانية أو المقلب الآخر من حرقٍ لأي أوراق ثبوتية، لمنع إرسالهم إن اعتُقلوا الى الموضع الذي نزحوا أو هربوا منه. أما الاستعارة، فتأتي ممّا يُقال بالفرنسية عند المرور المُخالف بدل التوقّف أمام الإشارة الحمراء (griller le feu)، أي «حرق» الإشارة. والحرّاقة بهذا المعنى لا يكتفون بحرق أوراقهم، بل يحرقون معها الخطوط الحمراء الموضوعة أمام حركتهم ليصلوا الى «أرض ميعادهم» بعيداً عمّن يمارس عليهم «الحُقرة» بلا رحمة.
التفاوت الاجتماعي المتعاظم الاتّساع
يسود المملكة المغربية تفاوت طبقي هائل الاتسّاع داخل المدن الكبرى المكتظّة، وبين المدن وضواحيها وعشوائياتها، وبينها وبين الأرياف المعزولة. ولا يقتصر التفاوت على الدخل والاستهلاك وأنماط العيش ومستويات التعليم في بلد متنوّع الثقافات، غنيّ التراث وبهيّ العمران، بل ينسحب أيضاً على علاقات سياسية واجتماعية شديدة الهرمية والسطوة في نظام يديره ما يُسمّى بالمخزن، أي محيط الملك المباشر، حيث مركز القرار الفعلي. وليس أبلغ ممّا تردّده مدرّجات كرة القدم، لا سيّما «في بلادي ظلموني» التي يُنشدها منذ سنوات طويلة ألتراس فريق الرجاء البيضاوي (الذي اشتُهر مؤخّراً بأنشودته «يا الحبيبة يا فلسطين»)، للتعبير عن شعور المعدومين بالمظالم والتمييز والاحتقار من السلطات المختلفة.
وقد ازدادت حدّة التفاوت، ومعها حدّة الانقسامات والاحتقانات الاجتماعية، في السنوات الأخيرة، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة (المستوردة)، وتأثّر المغرب بالأحوال الاقتصادية الأوروبية المنكمشة بسبب ارتباطه العضوي بها، وتراجع الزراعة والأنشطة الفلاحية بعد تكرار مواسم الجفاف، وتركّز الموازنات على تطوير البنى التحتية (مع مديونية بفوائد عالية)، وسوء توزيع الدخل وتضخّم الاقتصادات الموازية غير المحمية عمالتها بضمانات صحية أو بتعويضات، إضافة طبعاً إلى الفساد في بعض دوائر السلطة والمرتبطين بها. ومع ازدياد معدّلات البطالة في بلاد فتيّة ومنخفضة معدّل الأعمار (تبلغ البطالة نسباً تتخطّى الـ30 في المئة)، ازداد الضغط ومعه الانتفاضات الشعبية (خاصة في الريف) ومحاولات إسكات الاعتراض التي شهدت مؤخّراً سلسلة اعتقالات لصحافيين وفنّانين، ولَو أن التنوّع السياسي المكرّس منذ عقود ظلّ حامياً لجوانب من التعدّدية ولقسم من الخطابات النقدية.
ولم يبدّل اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية مقابل اعتراف الرباط بتل أبيب (في اتفاقات أبراهام) الكثير من الأمور، إذ لم تتدفّق الاستثمارات الأميركية، حتى الآن على الأقلّ، ولم تتحسّن الأحوال المالية. ويؤدّي الإقفال المستمر للحدود مع الجزائر، بسبب الصحراء وغيرها من قضايا إشكالية تاريخية عالقة، إلى خسارة فرص اقتصادية وتبادل سلع كثيرة، لا يبدو أن حلولاً لها مطروحة على طاولة البحث والتفاوض في المقبل من الأشهر.
لهذه الأسباب الاقتصادية المغذّية للشعور باليأس من تبدّل الأحوال محلياً، يسعى مئات الألوف من الشبّان سنوياً للهجرة، ولا استثناء مغربياً في الأمر، إذ أن الهجرة بجميع أشكالها مطلب مئات الملايين من البشر حول العالم. مع فارق أن التماس مع أوروبا من خلال سبتة الإسبانيّة يقع على بعد كيلومترين برّيين من طرف مدينة فنيدق، على الساحل الشمالي المغربي (وتفصل المياه الإقليمية للبلدين عشرات الأمتار البحرية لا أكثر). والمغرب يَعدّ رسمياً سبتة أرضاً محتلة، تماماً مثل مليلة إلى الشرق والجزر القريبة منهما أو من المنطقة الفاصلة بين طنجة وجبل طارق غرباً. لكنّه يدعو إلى «نزع الاستعمار» عنها بالحوار والدبلوماسية.
هل من تلاعب سياسي في ما حدث آخر تموز؟
ازدهرت مع المشاهد التراجيدية لعبور عشرات الألوف الأسلاك الشائكة والفواصل المائية باتجاه سبتة، وموت العشرات غرقاً أو اختناقاً (قبل أن يُعاد معظم الناجين العابرين الى المغرب ويتعرّض عدد منهم لعنف الشرطة المحلية)، نظرياتٌ تعدّ ما جرى أمراً مُدبّراً من النظام المغربي لأسباب سياسية. فالمغرب مستاء، كما قيل، من سياسة الحكومة الحالية في مدريد بعد تحسّن علاقتها بالجزائر. ومستاء أيضاً من مواقفها تجاه حليفته الولايات المتحدة وسياساتها الإقليمية. وهو يريد ابتزازها بورقة المهاجرين من أجل فرض تعاون اقتصادي وأمنيّ يختلف عن القائم راهناً. وردّ باحثون مغاربة على الأمر بنفيه، إن لجهة كون محاولات «الحرّاقة» دورية، أو لجهة وقوع ما جرى في يوم الاحتفال بعيد العرش، وفي وقت تجهد السلطات المغربية لجذب استثمارات، متفاخرةً بما تعدّه استقراراً وانفتاحاً ونجاحات دبلوماسية، ووسط تطوير متسارع لبُنى سياحية ورياضية تحضيراً للمشاركة باستضافة كأس العالم لكرة القدم 2030 مع البرتغال، وإسبانيا نفسها.
غير أن الكثير من الشهادات والصور تُخالف هذا النفي، وتُبيّن حصول أحداث مدبّرة، مثل النقل المنظّم بالشاحنات لمئات من محاولي الهجرة، وتصريح بعضهم بسماعهم أن اتفاقاً كان ليسمح لهم بالعبور، بما شجّعهم على محاولته. كما أن اكتظاظ فنيدق بالآلاف من غير سكّانها الوافدين إليها وإلى منطقتها كان يسهل رصده على مدى أيام، وفهم أن مقصده لن يكون إلاّ محاولة اجتياز السياج الحدودي.
بهذا المعنى، يمكن القول إن ما جرى لم يكن حدثاً فريداً من نوعه، إذ يحاول آلاف «الحرّاقة» المغاربة والأفارقة شهرياً الإبحار أو اقتحام الحدود الإسبانية. لكنّ حجمه كان أكبر بكثير من المعتاد، الأمر الذي يُجيز اعتبار التوظيف السياسي قائماً، تسهيلاً له بالمباشر أو غضاً للنظر عن تداعياته بهدف استخدامها لاحقاً. وقد يكون سيناريو التوظيف تطوّر على نحو خرج عن السيطرة، إذ انتشر خبر احتمال العبور فتدفّقت جموع على نحو أسرع من القدرة الأمنية على ردعها أو التعامل معها وفق المُشتهى مسبقاً.
استغلال أعداء الحكومة الإسبانية
كلّ هذا لا يغيّر في أي حال من حجم المأساة الإنسانية التي شهدناها، وما تعكسه من حقائق معيشية مغربية. ولا يُغيّر كذلك من حقيقة أن أعداء حكومة بيدرو سانشيز اليسارية في إسبانيا وفي كامل أوروبا استغلّوا الأحداث، فهبّوا للهجوم عليه وعلى سياساته الاجتماعية والخاصة بالهجرة وقوننة إقامات المهاجرين «غير الشرعيين». ودعا بعضهم، كما رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني مدعومة بأكثرية موصوفة داخل الاتحاد الأوروبي، إلى تعليق اتفاقية شينغن مع إسبانيا (وهي الاتفاقية التي تتيح التنقل بحرّية في الفضاء الأوروبي). كما شنّت التيارات الفاشية الإسبانية والأوروبية حملات ضد سانشيز و«الاجتياح المسلم»- على ما أسموه- لأوروبا. ولا شكّ أن دونالد ترامب ومعه بنيامين نتنياهو، اللذين يناصبان سانشيز العداء بقدر ما يناصبهما إياه، فيرفض الإذعان سياسياً واقتصادياً للأول ويسمّي الثاني «المجرم الإباديّ»، يعوّلان على «الأزمة» الإسبانية والأوروبية الراهنة من أجل رؤية انتخابات إسبانية العام 2027 تُطيح بحزب سانشيز الحاكم. وهو أمر يبدو ممكناً إن لم يتصالح الأخير مع أقصى اليسار الذي خرج من حكومته، وإن لم ينجح في تحسين صورته أمام جزء من الناخبين المتردّدين، خاصة أن منافسه المباشر، الحزب الشعبي اليميني، يتقدّم في معظم استطلاعات الرأي، كما في عدد من الانتخابات الإقليمية. وسيكون التعامل مع تبعات ما جرى في سبتة بلا شكّ واحداً من المواضيع الأكثر حماوة في السجالات السياسية الاسبانية والأوروبية في الفترة المقبلة.