صورة مهترئة
بينما كنت أتمشّى في أروقة المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، مررت بقرب هذه الصورة.
امرأة جنوبية تجلس وحزن العالم في عينيها، ثديها الأيسر يَظهر خارج ثوبها بينما تظهر طفلتها واضعة يدها الصغيرة على ثدي أمّها.
الصورة، مهملة على الأرض، متّسخة قليلاً، الصقت على لوح خشبي مهترئ، بجانبها على الأرض مجموعة أخرى من اللوحات والصور، كتب عليها اسم المصوّر جمال السعيدي.
عدتُ إلى هذه الصورة ثلاث مرّات. أنظر إلى عينيّ هذه السيّدة، فتعصف بي موجة من الحزن على بئس مصيرنا الجنوبي السيزيفي. أواسي حزنها بحزني الخاص، واحتمال خبر نجاة قريتنا ومنزلنا من الجرف لا يزال حاضراً.
يتسرّب القلق من قدميّ إلى أعلى جسمي، فينقبض صدري، حزن، قلق أم خوف؟ لست متأكدة من طبيعة الشعور بالضبط. فلقد توقّفت عن متابعة جلسات العلاج النفسي حين أصرّت معالجتي النفسية أنّ عليّ التمكّن من التمييز بين أنواع المشاعر المختلفة. كان أصعب ما طُلب مني آنذاك.
توقفت عن رؤيتها بعدها.
«سيّدة بنت جبيل»
اتصلتُ بالمصّور جمال السعيدي وسألته عن الصورة:
- من هي هذه السيدة، وكيف قبلت بأن تتصوّر عارية؟
- السيدة من بنت جبيل، تهجّرت إلى حرش الصنوبر بالقرب من منطقة الغولف في بيروت في حرب الـ78، حيث تجمّع هناك المئات من اللاجئين في الخيم والأحراج، كما يحصل اليوم تماماً.
- كيف قبلت أن تتصوّر مكشوفة الصدر؟
- هي لم تمانع إطلاقاً، وأتذكر أنّها قالت لي: «لم يعد هناك شحار وذلّ أكتر من هيك».
رأيت في «سيّدة بنت جبيل» هشاشةً وحزناً، وكأنها بجلوسها كاشفة صدرها تعلن أنه لم يعد لهذا الجسد من قيمة سوى أنه وسيلة لإطعام طفلتها الصغيرة التي تضع يدها عليه وكأنها تقول «إنّه لي».
يتابع السعيدي متحدثاً عن تقنيات التصوير في العام 1978، التي لم تكن مثل اليوم، وقد استغرق التقاط الصورة وقتاً طويلاً، بما معناه أن هذه المرأة لم تأبه لشيء. فبينما كان المصوّر يجهّز كاميراه، كانت هي مسمّرة في جلستها، عازمة على إظهار عريها. فكشفت حزنها كاملاً، عارياً، لا لبس فيه- حرفياً.
بتنورتها القروية المزركشة، ويدها التي تسند رأسها المثقل بالهمّ، تبدو أمّاً ثكلى، منهكة أيضاً من عبء الأمومة الأزلي، افترشت الأرض برفقة طفلين على الأقل، أحدهما يظهر واضحاً في الصورة، والآخر يبدو ممدَّداً أمامها وقد ظهرت رجله في أسفل يمين الصورة.
تحاكي الصورة أيقونة مريم العذراء بنسختها الجنوبية، مع ابنتها الصغيرة، ولكنها هنا تبدو هي المصلوبة وابنتها هي الشاهدة على ألم المصير.
أين ذهب هذا الحزن كله
منذ بداية الحرب في العام 2024، بدأت صُور النكبة الجنوبية تظهر عبر الصوت والصورة، ولكن بخجل. حاولتُ بصعوبة أن التقط شكلاً للحزن، لصورته، للفقد الذي نعيشه الآن، فلم أجد.
فمنذ التحرير، برز نوع آخر من أشكال «الصورة». ملصقات تُظهر صور شهداء مع خلفية صفراء وورود حمراء أو مع صورة لمغيب شمس برتقالي. أعداد هائلة من البورتريهات المعدلة بالكومبيوتر غزت طريق المطار والطرق المؤدية إلى الجنوب.
وصلتني صورة لسيدات قُتلن من عيترون. ظهرت السيدات في الصورة، كقطعة قماش سوداء فقط. عشرون امرأة حُشِرنَ في صورة واحدة. لا تميَّز صورة الواحدة عن الأخرى إلا بالاسم الذي كُتب تحتها. في هذه الملصقات، غُيّبت المرأة تماماً.
الصورة، تلتقط الوقت، المشاعر، وتثبّت حدوثها
على الرغم من أنه لا يجوز لنا مقارنة صورة فوتوغرافية، التقطها مصوّر بعناية تامّة لامرأة مكسورة، منكوبة في أرضها وبيتها وعيشتها (سيّدة بنت جبيل)، بصور عادية جُمعت ووضعت على ملصق، الغاية منه ذكر أسماء الشهداء فقط، إلا أن هذا النوع من الملصقات هو الوثيقة شبه الوحيدة التي نملكها الآن.
بعدٌ آخر يضاف إلى غياب الصورة الحقيقية، هو فبركة الصورة المعدّلة، سواء عبر الفوتوشوب أو من خلال الذكاء الاصطناعي. فمع استخدام الذكاء الاصطناعي، صرنا نشهد إعادة ابتكار لصور الشهداء والراحلين، بشكل تخيّلي، كصور أفراد عائلة بأكملها، مجتمعين، مبتسمين، يرتدون الأبيض وكأنهم ملائكة صعدوا الى السماء.
الصور المعدّلة بالذكاء الاصطناعي لا ترقى لما تمثّله الصورة الفوتوغرافية الأصلية. الثانية توثق المشاعر، والعينين، وطريقة الجلوس، والإحساس، والملابس وتفاصيل تحمل دلالات عديدة تسمح لنا بتفكيك الكثير من سمات الشخص وهيئته. أمّا الصور التي خضعت للتعديل بواسطة الذكاء الاصطناعي، فهي فبركة جديدة، واستلاب آخر لصورة الجسد، غالبًا من دون موافقة صاحبه.
الحزن لمن يجرؤ
في أسباب غياب هذا النوع من الصور في الحروب الأخيرة، لا يمكننا الهرب من واقع المنع المفروض من قبل حزب الله الذي ارسى رقابة مشددة على الجنوبيين من خلال تقييد حرية التعبير بأشكالها كافّة. وقد رأينا ذلك من خلال العديد من حالات القمع التي هدفت لإسكات أي حالة لا تتوافق مع مزاج الحزب.
مقطع فيديو لسيّدة أعرفها خرق الصمت المطبق الذي يعتصر قلوبنا. فقد رأيت هذه السيّدة وهي تندب ابنها البالغ من العمر 15 عاماً وقد استهدفته غارة إسرائيلية على قريتنا. تتلوّى الأمّ أمام قبر ابنها ككائن ذُبح توّاً، جسدها ينتفض من الألم- المشهد الذي برغم قساوته، قمنا بتداوله بكثافة. إلّا أنّ النحيب بات نادراً، ورؤية فيديو كهذا تدلّ على الفاجعة التي تحدث وتمرّ بصمت مهيب، خاصةً وأنّ معظم الأمهات اللواتي خسرن أولادهن تعوّدن على كبت حزنهنّ. الحزن بأكمله صار مخفياً، غير مرئيّ وغير مستحبّ إظهاره.
من جديد، ظهرت فيديوهات أخرى قليلة حيث نرى نساءً ورجالاً يبكون أمام الكاميرا، كفيديو لسيّدة أخرى تجرّأت على الحزن والشكوى بعد أن بقيت عشرين يوماً على كورنيش البحر في صيدا نائمة في العراء إلى أن انتقلت للسكن في كليّة تحوّلت إلى ملجأ. بعينين دامعتين وقلب منهك، بكت السيدة بيتها الذي بنته بعد ثلاثة عشر عاماً من العمل في شك التبغ. اشتكت وقالت اللي بدو يعمل الحرب يقدّملنا. فقوبل حزنها وبساطة تعبيرها بهجمة مستعرة ضدها وضد عائلتها، وباتت في مكان نزوحها منبوذةً معزولةً عن بيئتها ومحيطها لأنها عبّرت عن حزنها.
في فيديو آخر، ظهر رجل وهو يبكي طفليه اللذين قُتلا على الدراجة، وجه آخر حفر حزنه في ذاكرتي.
مُنِع على هذه السيّدة- كما على بقية الجنوبيين اليوم- التعبير عن الحزن. فالحزن تجربة فردية، وفي عملية تمثيل الجنوب، لا مكان للفردية ولكلّ ما هو هشّ وبشري لصالح إظهار القوة والصمود. لكن في غياب تمثيل الحزن، كيف سيتم توثيق الحالة الوجدانية التي تعبّر عمّا عاشه الجنوبيون في الحرب؟ ومن هي الجهة التي ستجرؤ على القيام بذلك؟
في غياب الصورة، تحديداً كوثيقة دالّة على الحزن، ماذا سيبقى لنا بعد الحرب؟ ما الدليل على الوحشية التي حدثت؟ فاليوم، مع جرف أكثر من ستين قرية جنوبية، واختفاء كلّ معالم الحياة فيها، ومع الإسكات المنظّم الذي يتّبعه الحزب، نحن أمام حالة محو للذاكرة والمشاعر.
بعد أن توفّي أبي، ذهبتُ إلى قريتنا، واتخذتُ صورةً لي. وثّقتُ حزني، في وجهي. رأيتُ ملامحي مختلفة، وقد هجرتْها الروح. لم أتعرّف إلى نفسي في الصورة. قد لا تُظهر أيّ صورة الحقيقة كاملة، ولكنها تَختزل في لقطة واحدة شعوراً حقيقياً، وتُجمّده في الزمن. فهي تثبت لنا أنّ شيئاً هائلاً أصابنا، الفقد هو أكبر الخسارات.
العودة إلى المجلس
بالعودة الى صورة «سيّدة بنت جبيل» في أروقة المجلس، كنت أتشوّق للذهاب إلى ذاك المجلس في صغري مع خالتي رباب التي عملت هناك كسكرتيرة للأستاذ حبيب صادق آنذاك. كنت أجلس ساعات في مكان يعجّ بالفنانين والموسيقيين، غارقةً برفقة كمية هائلة من أقلام التلوين المتنوعة والأوراق البيضاء الكثيرة ومتعددة الأحجام. أرسم وتعلّق لي رباب رسوماتي على الحائط ويأتي أشهر الرسامين التشكيليين، فتسألهم عن رأيهم فيها.
اليوم، في الغرفة نفسها، أرى صوراً بالأبيض والأسود معلّقة لمفكّرين وعلّامين، علمانيين وشيعة، اغتيلوا على يد العدو الإسرائيلي كما على يد أطراف لبنانية أخرى. صور حزينة في مجلس ثقافي قديم ومتعب، لم أجد أي شيء فيه يدلّ على حاضر الجنوبيين. المجلس كان في حالة تأهب لإدارة عمليات إغاثة للنازحين، بينما تستضيف قاعة المحاضرات فيه عائلة نازحة لم تجد مكاناً آخر تأوي إليه.
حزننا اليوم هائل ومكبوت، حزن إنسان مُنع عليه أن يحزن، حزن مكتوم الصوت والصورة، لا شكل له. حالة من الفقد الصامت كالتي جسّدها حسين فقيه، الحاج أبو علي، الذي استلقى على ركام منزله في صريفا إلى أن مات هو الآخر من حزنه.