«سوليدير» واقتصاد الأزمة
عام 1994، تأسّست شركة «سوليدير»، وتمّ تنصيبها كالشركة المسؤولة عن إعادة إعمار وسط بيروت. جاءت «سوليدير» في قلب مشروع رفيق الحريري لإعادة الإعمار، كالمرآة لمشروعه السياسي والاقتصادي للبلد. وقُدِّم للشركة ما لم تحصل عليه أيّ شركة أخرى: استثناءات قانونية، امتيازات واسعة، وإعفاءات ضريبية ومالية، وسمح لها بالاستيلاء القسري على وسط المدينة. منذ تأسيسها، قُدِّرت قيمة الامتيازات التي حصلت عليها الشركة بنحو 3 مليارات دولار أميركي، تشمل مليارَين جرّاء حقوق ردم البحر واستحداث أراضٍ على الواجهة البحرية وإعفاءات ضريبية بنحو 470 مليوناً. انطلاقًا من هذه الامتيازات، قامت «سوليدير» بأكبر عملية سطو عقاري شهدها وسط بيروت، حين أُجبر معظم أصحاب البيوت والمحال التجارية على استبدال عقاراتهم بأسهم في الشركة بقيمة هزيلة.
«سوليدير» لم تكن مجرّد شركة، بل تحوّلت إلى نموذج الاقتصاد الريعي الذي ساد منذ انتهاء الحرب الأهلية، وباتت في صلب نظام سياسي- اقتصادي أعاد توزيع الثروة والنفوذ عبر تحالف أمراء الحرب السابقين والمال. شكّلت النموذج لصعود القطاع العقاري كأحد أركان اقتصاد ما بعد الحرب، وأزمته بعد عام 2019. فمثّلت «سوليدير» اقتصاداً قائماً على الريع المالي والمضاربات العقارية، مدعومًا بشبكة سياسية ومصرفية، ومحمولًا بنظرة تعليبيّة للمدينة وسكّانها.
هذه النظرة باتت اليوم محور السجال السياسي، أو هذا ما يجب أن يحصل.
التمديد إلى الأبد وما بعد الأبد…
حُدِّدت ولاية «سوليدير» بمهلة أقصاها 25 سنة. لكن عام 2005، مدّدت حكومة فؤاد السنيورة ولاية الشركة عشر سنوات إضافية لتنتهي ولايتها عام 2029 بدلاً من 2019. واليوم، قبل ثلاث سنوات على انتهاء هذه المهلة، طلبت الشركة مجدّداً تمديد ولايتها لمدّة 25 عاماً لتنتهي ولايتها في عام 2051، مستخدمةً منطق الأمر الواقع: إذا لم تحصل على التمديد الآن، فستحصل عليه لاحقاً، خاصة مع خفوت النهج الإصلاحي وإمكانية عودة سياسيين مقربين من الشركة إلى سدّة الحكم.
المفارقة أنّ «سوليدير» تطلب التمديد فيما لا تزال مجموعة واسعة من التزاماتها الأساسية معلّقة. فبعد 32 سنة على تأسيسها، لم تُنجز الشركة إلا القليل من المشاريع «ذات المنفعة العامة» التي كان يُفترض أن ترافق إعادة إعمار وسط بيروت، كالحديقة العامة على الواجهة البحرية أو «المسرح الكبير». تطلب سوليدير التمديد أيضاً فيما 40% من الشقق السكنية لا تزال فارغة، رغم أزمة السكن الخانقة في المدينة، بما يعكس منطقاً عقارياً يتعامل مع الأرض كأصل للمضاربة لا كحقّ عام.
وهنا، بدلاً من أن يتحوّل عدم تنفيذ التزامات سوليدير إلى سبب لتصفية الشركة أو محاسبتها، يصبح أحد المبرّرات لتمديد ولايتها.
في الواقع، تراهن الشركة على ارتفاع أسعار العقارات في السنوات المقبلة. فإن صُفّيت الشركة اليوم، تُحتسب قيمة أراضيها بنحو 1.6 مليار دولار بحسب ميزانية الشركة لعام 2023. أما التمديد، فيمنحها فرصة انتظار ارتفاع قيمة أراضيها للوصول إلى تقديرات مجلس إدارتها البالغة نحو 4 مليارات دولار. أي أنّ الفارق، البالغ نحو 2.4 مليار دولار، هو القيمة التي تراهن «سوليدير» على تحقيقها من تمديد ولايتها. كما تراهن «سوليدير» على التمديد لاستغلال الواجهة البحرية التي استولت عليها الشركة من خلال خصخصة المُلك العام.
بمعنى آخر، لا تطلب الشركة وقتاً إضافياً للتطوير أو البناء، كما لا تطلب التمديد من أجل تلبية التزاماتها السابقة أو بحجة «المنفعة العامة». طلبت «سوليدير» وقتاً إضافياً من أجل المضاربة العقارية، واستمرار حالة الاستغلال العقاري الذي بنته منذ عقود.
طرح الحكومة
وجدت الحكومة نفسها في صميم معركة إصلاحية، لم تطلبها، بل ربّما كانت تحاول تفاديها. فـ«سوليدير» لم تعد شركة الحريري، بل بات اسمها مرتبطاً بالبنكرجي أنطون صحناوي الذي تحاول الطبقة السياسية، أكانت إصلاحية أم لا، تفادي الاشتباك معه. فاشتبك هو معها.
أمام الحكومة، نظرياً، ثلاثة مسارات للتعامل مع طلب «سوليدير» تمديد امتيازها.
المسار الأول رفض الطلب بشكل كامل والدفع نحو تصفية الشركة، إلا أنّ هذا الخيار يحمل مخاطر إعادة إنتاج المشهد نفسه الذي رافق تأسيسها، إذ قد تنتهي ملكية الأراضي والعقارات المتبقية إلى أيدي المجموعة نفسها من كبار المستثمرين والشركات القادرة على إيجاد طرق للالتفاف على أي قيود قد تُفرض على عمليات الاستحواذ.
أما المسار الثاني، فهو منح الشركة تمديداً كاملاً لمدة 25 عاماً إضافية، كما حصل في عهد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عام 2005، أي استمرار الامتياز من دون مراجعة جدية لشروطه أو إعادة تقييم دوره الاقتصادي والعمراني. وهذا الخيار مرفوض، لما يمثّل من شرعنة لعدد من المخالفات وتمديد أبديّ لمصلحة بعض المستثمرين على حساب المنفعة العامة.
المسار الثالث ما زال فضفاضًا. فبين خيار التصفية وخيار الرضوخ لشروط «سوليدير»، اختارت الحكومة مسار التمديد متوسّط الأجل، مع ربطه بجدول زمني لتنفيذ التزامات محدّدة من جانب الشركة. غير أن هذا الخيار، رغم محاولته تقديم نفسه كحلّ وسط، يعكس حدود القدرة الفعلية للحكومة على إعادة صياغة قواعد اللعبة. فالحكومة التي رفعت شعار الإصلاح تجد نفسها أمام واقع سياسي واقتصادي يضيّق هامش المناورة السياسية، ويجعل من إدارة الوضع القائم أولوية على تغييره جذرياً.
قد ينتج عن التمديد المشروط بعض المكاسب الملموسة، مثل تنفيذ مشاريع خدماتية أو تطوير بعض المرافق العامة، كتطوير مرآب للسيارات أو حديقة عامة. لكنّ هذه المكاسب تبقى في إطار المعالجة التقنية لوضع استثنائي أنتجته سنوات من التواطؤ بين المصالح السياسية والعقارية، ولا تمسّ جوهر النموذج الذي قامت عليه «سوليدير» بوصفها أحد أبرز تجليات الاقتصاد الريعي القائم على المضاربة العقارية.
ماذا بعد «سوليدير»؟
أهمية خطوة الحكومة في الردّ على ابتزاز «سوليدير» تكمن في إعادة فتح النقاش حول مصير هذه الشركة التي باتت تمثّل العقلية الاقتصادية التي أدّت بنا إلى الانهيار والأزمة الاجتماعية. من خصخصة الملك العام وتسخيره لمصلحة بضعة مستثمرين، إلى حصر وسط المدينة بالأثرياء وقطعها عن نسيجها الطبيعي، وصولًآ إلى تعميق عقلية مضاربة عقارية ومالية، «سوليدير» ليست شركة، بل هي مصغّر عن العقلية المسيطرة على الاقتصاد اللبناني.
إذا كان لا بدّ من تمديد، تفرضه عقود من المخالفات وأمر الواقع المأزوم، فيجب أن يكون التمديد الأخير، أي التمديد الذي يمهل الدولة والجهات المختصّة لبلورة رؤية «ما بعد سوليدير» وتطوير الأدوات الضرورية لتحويل واقع وسط بيروت. وهذه الرؤية تبدأ بإعادة النظر في الفلسفة الاقتصادية والعقلية المضاربة والمفهوم الإقصائي للمدينة، التي أسست كلّها لنموذج «سوليدير»، أي النموذج النيوليبرالي.
فالاختبار الحقيقي للحكومة لا يتمثّل في قدرتها على إدارة امتيازات قائمة، بل في مدى استعدادها وقدرتها على إعادة النظر في نموذج الاقتصاد الريعي القائم. ومن هذه الزاوية، لا يبدو ملف «سوليدير» مجرّد ملف شركة، بل هو أحد أبرز المؤشرات على قدرة الدولة اللبنانية على الانتقال من منطق إدارة الريع والامتيازات إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وعدالة.