أسئلة يوم السبت

خطاب بكركي وعقم «المع والضد»
بعد خطاب البطريرك، السبت الفائت، بدأت سجالات قد تبدو مضيعة للوقت في انتظار ردّ حزب الله الذي سيحدّد معالم الاشتباك القادم. من هذه السجالات، النقاش الدائر حول أحقية رجال الدين بالكلام بالسياسة، في بلد يشكّل فيه تداخل المؤسسات الدينية والسياسة إحدى ركائز مجتمعه السياسي.
يمكن رفض هذا التداخل لأسباب سياسية أو عقائدية، ولكن لا يمكن تجاهله لأنه لا يتماشى مع تطلعاتنا «العلمانية»، خصوصاً متى كانت هذه «العلمنة» انتقائية.
بيد أن هذا النفي لا يطال طبيعة المتحدث نهار السبت فحسب، بل أيضًا جوهر كلامه. فـ«التدويل» لم يعد مطلبًا يمكن تحديد موقف «المع أو الضد» منه. أصبح واقعًا راسخاً يطال كامل جوانب السياسة اللبنانية. فمن طبيعة الإقتصاد اللبناني والحلول المقترحة للخروج من أزمته، وصولًا إلى باقة القرارات الدولية التي تحكم، ولو بصعوبة، مجرى السياسة، ومرورًا بتدويل أبسط الإجراءات السياسية كتدخّل ماكرون لتشكيل حكومة وانتظار تداعيات الانتخابات الأميركية لتحديد مجرى السياسة الداخلية، بات لبنان مدوّلًا، ومن المرجّح أن يتعمق أكثر هذا التدويل. هنا أيضًا، يمكن رفض مبدأ التدويل، ولكن لا يمكن تجاهل حالة التدويل التي نعيشها.

التدويل في وجه التدويل
في الآونة الأخيرة، باتت تزداد المطالب لتدويل ما، على الأقل في ملفات يبدو فيها «الخارج» مكمن ثقة أكثر من «الداخل». فبعد مهزلة التحقيق في انفجار المرفأ، كيف يمكن رفض طلب تدويل التحقيق، وإن كان مطلبًا يبدو صعب المنال؟ وبعد المحاولات المتكرّرة من قبل رياض سلامة وغيره لسرقة المساعدات الآتية من هذا الخارج، كيف يمكن رفض مسألة تدويل إدارة الاقتصاد اللبناني، وإن كنّا مدركين لتواطؤ هذا الخارج مع الداخل لعقود؟
دفع البطريرك هذه المطالب إلى حدودها السياسية، ربّما القصوى، بمطالبته بحلّ دولي لمسألة حزب الله. لا تكمن مشكلة هذا الطرح في مطالبته بتدخّل خارجي، بل بعدم واقعية مطلب كهذا في الظروف الحالية. بيد أنّ هذا الوهم أقلّ هشاشة من الوهم المقابل، أي وهم «السيادة» الذي يتلطى وراءه «تدويليّون» ضمنيّون. بهذا المعنى، قد تكون خطوة بكركي نابعة من موقع «رجعي»، وخارجة عن سياق سياسي، لكنّها فضحت خواء هذه الثنائية، ومن ورائها معضلة حزب الله. أبعد من ذلك، في وضوحه الساذج المطالِب بـ«التدويل من أجل الحياد»، فضح البطريرك مسار السياسة اللبنانية الذي بات متوجهًا نحو حلول تأخذ أشكال مؤتمرات دولية لتوافقات طائفية. يمكن رفض مسارات كهذه، ولكن لا يمكن تجاهلها.

بكركي وثورة تشرين
لا شكّ أنّ البطريرك وضع خطوته في استكمال للحالة الاعتراضية التي عمّت البلاد منذ أكثر من سنة، مضيفًا إلى مطالب الثورة موقفه السياسي من سلاح حزب الله وهواجسه الطائفية من التوطين واللجوء. لم يستكمل البطريرك ثورة تشرين بقدر ما حاول أن يؤطّر خطابها الاعتراضي، والذي كان جزء منه موجّهاً ضد المؤسسات الدينية، ضمن خطاب سياسي «سيادي». لم يكن ذلك استكمالًا للثورة بقدر ما هو محاولة لطيّ صفحتها مع عودة السياسة «الجدية» والسيادية إلى أعالي سلّم الأوليات. فربّما لا يلاحظ البطريرك من صرحه أن أحد أسباب الامتعاض الشعبي كان رياض سلامة الذي دافع هو عنه، بإسم الدفاع عن المواقع المسيحية في السلطة، أو أنّ التسوية الرئاسية التي أتت بميشال عون كانت صنيعته.
قد لا يكون خطاب البطريرك استكمالًا للثورة كما أراد، ولكنّه يصبّ في اتجاهٍ ضمن جمهور الثورة العريض، والذي وصل إلى ذروته في تظاهرة 8 آب. فمع الوقت، وجد التململ الشعبي صدىً في البيئة المسيحية، التي تشهد أصلًا خلافًا سياسيًا حادًّا بين ممثّليها الحزبيين. فكان من اللافت أن الأحزاب السياسية الوحيدة التي حاولت استمالة الثورة كانت أحزاباً «مسيحية» حاولت أن تشكّل إطارًا سياسيًا للثورة، وإن كان هذا الإطار مرفوضًا من قبل أكثرية القوى المنتفضة. وصل هذا الحراك ضمن البيئة المسيحية إلى ذروته بعد انفجار المرفأ، حين صعدت الهتافات ضد حزب الله إلى العلن، خاصة بعد المواقف المخزية لنصر الله تجاه هذه الكارثة. في هذا المكان، حاول البطريرك إعلان «الثورة» كأحد مراجع انتفاضته المسيحية، وإن كانت ثورة على قياس خياله.

نقاط اشتباك جديدة
أيّاً يكن مصير دعوة بكركي إلى عقد مؤتمر دولي حول لبنان، فإنّ ما حدث السبت هو إعلان انطلاق الخلاف المسيحي- المسيحي بين بكركي وبعبدا. وهنا أيضًا، يأتي هذا الصراع بعد أكثر من سنة على هدم «العونية السياسية» لصاحبها جبران باسيل، والسحب التدريجي لأي غطاء شعبي كانت تحظى به. وعلى الأرجح، ستشهد هذه الساحة صراع ثلاثية البطريرك وعون والجمهور الواسع الممتعض من الإثنين.
بيد أنّ هذه الثلاثية ليست الوحيدة التي دخلت الساحة يوم السبت. فترؤُّس البطريرك للمعركة «السيادية» ضدّ حزب الله بدأ يرسم موقعاً مسيحياً مستقلاً عن الكتلتين الطائفتين الأخريين، ووضع سكة خلاف مسيحي شيعي لا نعرف معالمه بعد. وربّما نكون هنا قد دخلنا مرحلة سياسية جديدة، تختلف عن التي سبقتها ولكن أيضًا عن مرحلة اصطفاف 8/14 آذار، رغم مخاوف البعض من العودة إلى هذه المرحلة كلما عارض أحد حزب الله.

حدود الثورة السياسيّة
ليس مستغربًا أن تكون مواقف ما يسمّى بقوّة الثورة ملتبسةً أو حتى عدائيةً تجاه إعلان بكركي. فهو نابع عن معقل طائفي وهدفه التأسيس لحلف مسيحي، وتفوح من خطابه روائح عنصرية، ويطالب بتدويل إضافي للأزمة الداخلية في الوقت الذي يدافع فيه عن «موارنة مصرف لبنان». ليس مستغربًا أن يبدو «فولكلور سيادي» كهذا خارج أدبيات الثورة وفولكلورها المدني. ليس مستغربًا ولكنه ليس كافياً.
كما أنّ نقد الثورة هنا في غير محله. فتحميل الثورة مسؤولية الفراغ وضرورة «دعم» بكركي لأنّ الثورة فشلت في تأمين بديل مقنع للناس ينمّ عن فقر في قراءة هذا الحدث الذي شكّلته الثورة، إن لم يكن عن سوء نية في تقييمه. فهذا النقد بات غير كافٍ هو الآخر، وينمّ عن رغبة في تحديد هذا الحدث داخل أطر باتت «مهرغلة».
يمكن رفض حدث السبت بإسم طهارة ثورية، ربّما مطلوبة في لحظات مثل هذه. فكلّ ما بقي من هذه الثورة هو «شرعية مستحيلة» تحاول الأطراف، الداخلية أو الخارجية، استمالتها. والخطر في وضع كهذا ليس «سرقة» الثورة، ولكن فقدانها لراهنيتها. الخطر في هذا المكان هو الخلط بين الرفض والتجاهل، أي اعتبار أنه يمكن تجاهل نهار السبت لأنّه لا يدخل ضمن أدبيات الثورة، أكان تجاهلاً للتركيبة الطائفية للسياسة اللبنانية أو مسألة التدويل الحاصل أصلًا أو المخاوف الفعلية لوجود حزب مسلّح ومذهبي في هذا الوضع. يمكن رفض طرح بكركي ولكن لا يمكن تجاهله.

ففي السياسة، يمكن رفض الأجوبة المطروحة، ولكن لا يمكن رفض الأسئلة حين لا تعجبنا.

عن الحياد واستحالاته

التمييز بين مستويَيْن للسياسة فسأستعين بالمفكرة البلجيكية شانتال موف وبما أنّ كل مشروع سياسي هو مشروع هيمنة دون إعطائهم الحقّ بالاعتراض عليه ليست دفاعاً عن جدوى تأليف حكومة محايدة