العنصريّة في زمن الكارثة

كان لا بدَّ للمدينة أن تنفجر بأبنيتها، بناسها، وغربائها، بعد عقودٍ من الفساد. كان لا بدّ للمدينة التي أرادوها شبههم ولم تُشبهنا يوماً، أن تشاركنا صرخةَ الرفض هذه المرّة.

المدينة التي تضمّ مختلف الفئات والطبقات الاجتماعيّة أبكت الجميع. ولأنّ الموت لا يميّز بين غنيّ وفقير، ولا بين مواطن وأجنبيّ، تجاوز عدد الضحايا السوريّين الـ40 شهيداً، أي ما يقارب ربع ضحايا الانفجار، بالإضافة إلى عاملات وعمّال أجانب ومواطنين يوميّين ولاجئين فلسطينيّين كان مصيرهم إمّا الاستشهاد أو خسارة مأواهم وأمانهم.

هؤلاء وغيرهم من ضحايا الانفجار مجهولي الهوية الذين لم يتعرّف عليهم أحد، ما زالت بعض جثثهم تحمل علامة المجهول، وبعضها الآخر يواجه عرقلات إجراءات الدفن.

ولأنّ اللاجئين الفلسطينيين تاريخياً كان لهم دور فاعل بالإغاثة في الأزمات، هرْوَلَ شباب المخيّمات الفلسطينيّة منذ اللحظات الأولى للانفجار من مختلف أماكن تواجدهم إلى بيروت لمساعدة فرق الإنقاذ في رفع الأنقاض وإزالة الركام. فعلوا ذلك إيماناً منهم بالالتزام بواجبهم الأخلاقي والإنساني لبلدٍ عاشوا فيه ولم يُعطِ نفسه فرصةً أن يعيش فيهم.

كان للدفاع المدني الفلسطيني دور فاعل في الإغاثة ورفع الردم وإخماد الحرائق. كما شاركت جمعيّات فلسطينيّة، على رأسها جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، في العمليّات الإسعافية من خلال وضع إمكانياتها تحت تصرّف الصليب الأحمر اللبناني وفتح مستشفياتها «حيفا» و«الهمشري» للعشرات من المصابين وإطلاق حملة التبرّع بالدم. كما أعلن الكثير من الفلسطينيين فتح بيوتهم للمشرّدين إثر الانفجار، بالإضافة إلى تضامنهم الواسع وباقي شعبهم في فلسطين إلكترونياً مع ضحايا الانفجار.

ولعلّ المشهد الأكثر بطوليّةً واستثناءً وإنسانيةً هو مشهد العاملات الإثيوبيات وهنّ ينقذْنَ حياة أطفال ويشاركْنَ في حملة رفع الركام في يوم عطلتهنّ الوحيد.

كلّ ذلك حدث في ظلّ تعتيم إعلاميّ تلفزيونيّ تامّ. فبالرغم من أنّ الانفجار هزّ المدينة بأكملها، إلّا أنّه عجز أن يهزّ النظام العنصري المتجذّر تاريخاً وحاضراً في وعي ولا وعي السياسيّين والعامّة. فقد حرّض سياسيون وإعلاميون لبنانيون على اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، وعلى رأس أولئك جبران باسيل الذي حذّر ماكرون مباشرةً بعد الانفجار من وجود مليونَيْ لاجئ فلسطيني وسوري في لبنان.

لم يكن بعض الأهالي أقلّ وقاحةً من جبران باسيل ونظامه الذي يمثّلهم، فقاموا بطرد لاجئين فلسطينيين هبّوا لمساعدتهم لمجرّد سماعهم لهجتهم. وقد استهجن الشباب الفلسطينيّون هذه السلوكيات العنصرية غير المبرّرة، مطلقين هاشتاغ #فلسطيني_ وأفتخر حيث دعوا بعضهم بعضاً للتريّث بالنزول إلى الشارع لإزالة الركام.

هذه ليست المرّة الأولى التي يحاول الفلسطينيون فيها الانخراط وكسر الحواجز مع الشعب اللبناني، وهذه ليست المرة الأولى التي يقابلون فيها بالرفض والعنصرية.


بينما تتظاهر عاملات المنازل الأجنبيات مطالبات بالرجوع إلى بلدانهنّ، وبينما يتحدّى اللاجئون الأزمة الاقتصادية وسلب حقهم في العمل ويجمعون التبرّعات لبيروت، وبينما يخسر الكثير من العمّال المياومين عملهم، فإنّ لجميع المقيمين في لبنان من مواطنين ولاجئين عرب وعمّال أجانب الحق الكامل في الأخذ بالثأر والانتقام من النظام الذي دمرّهم- وما يزال- بعدما أثبتوا أنّهم أحرص على البلد من سياسيّيه.

وبما أنّ الكوارث لا تمحو وصمة التهميش والإقصاء، لا بدّ للثورة أن تكون شاملة، وأن تُشبه كلّ من بكى على بيروت وانظلم طيلة حياته مثلها. لا بدّ للنظام الذي يُجبر الفلسطينيين على إطلاق هاشتاغ يعبّر عن اعتزازهم بهوياتهم في ظلّ الأزمات الانسانيّة، أن يسقط مع مخلّفاته وبنيته وحُماته.

الأمن النظيف في جمهوريّة رامكو

اسمه عناية الله لم يكن يعرف الكثير عنّا حين تحوّل إلى عامل تنظيفات يقول زملاؤه إنّه أصيب بمرضٍ عقليّ كان القتل وسيلتهم الأخيرة للتخلّص منه هو واحدٌ من عمّالٍ لم تسأل حكومة التكنوقراط عن حجرهم المنزليّ من الآن فصاعدًا، قد نعتاد على مشهد الأمس

إنّه المخيّم

في السابع عشر من تشرين الثاني، اندلعت الثورة اللبنانية. نسينا التخاذل وهرولنا الى الشوارع، حاملين في داخلنا محصّلة أسئلتنا الوجوديّة. كسرنا الحواجز لأننا آمنّا بأنّ حراك المخيّمات سيتبلور مجدداً في الساحة اللبنانية. لكن، مرّة أخرى، صفعَنا الواقع وخيبة الأمل