تعليق عمّال
منار شربجي

دولي بارتون وكارل ماركس: عن كراهية العمل والنيوليبراليّة

1 أيار 2022

الرفيقة دوللي بارتون 

نساءٌ يركضن. قهوة عم تندلق. مديرٌ ممتعض. موظفةٌ على وشك أن تقتله. وأيامٌ تكرّر نفسها.

أصدرت دوللي بارتون أغنيتها الشهيرة «ناين تو فايف» منذ حوالي 40 عامًا، إلّا أنّها لا تزال تحاكي واقع العمّال حتى الآن، خصوصًا المنظَّمين منهم، وفق دواماتٍ رسميّة. 

وبينما تنوّعت أشكال العمل حاليًّا، مع انتشار ظاهرة الـfreelancing والمشاريع الصغيرة والعمل عن بعد، فإنَّ توصيف دوللي لظروف العمل والاستغلال التي تكاد «تدفع بنا نحو الجنون»، بحسب تعبيرها، لا تزال تتماشى مع الواقع الحالي بغضّ النظر عن التحوّلات التي طرأت مؤخرًا على أسواق العمل.  

تستحضر دوللي في أغنيتها ظاهرتَي الاستغلال والاغتراب اللتين ترافقان عمّال «التاسعة إلى الخامسة»، مع تركيزٍ على تجارب النساء في أماكن عملهنّ. فما كان من روّاد «الميمز» إلا أن شبّهوا دوللي بارتون بكارل ماركس، مظهرين أوجه الشبه بين الاثنين. وبعد دوللي، أتت الرفيقة بريتني سبيرز التي كانت قد نادت بإعادة توزيع الثروات في منشورٍ لها على انستغرام، بعد انتشار جائحة كورونا وفرض الحجر المنزلي عالميًّا. 


«ليس لديّ وظيفة الأحلام، فأنا لا أحلم بالعمل»  

تُسلّط هذه التشابيه الضوء على تعميم الخطاب الماركسي والوعي الطبقي وانتشارهما في فضاءَيْ ثقافة البوب والميمز، خصوصًا وسط الأجيال الأصغر وGen Z بالتحديد. 

لم يبدأ انتشار الأفكار المعادية للرأسمالية ومفهوم العمل مع القيود التي فرضتها جائحة كورونا، إلّا أنَّ حالات الصرف الجماعي والاضطرار إلى العمل عن بعد ووفرة وقت الفراغ لفتت أنظار العمّال حول العالم إلى ظروف عملهم الاستغلالية وسرّعت نموّ المواقف المعارضة للنظام الرأسمالي.  

تحوّلت معاداة العمل من ظاهرةٍ راديكالية محصورة في دوائر يساريّة إلى خطابٍ عام بعدما وجد العديد من العمّال أنفسهم تحت خطر الصرف التعسّفي بسبب سياسات التقشّف، أو عندما اختاروا الاستقالة بسبب ساعات العمل التي لا تنتهي. أتى ذلك وسط تزايد الصعوبات النفسيّة خلال الحجر المنزلي، والتي أفقدت العمّال قدرتهم على التركيز أو ساعدتهم على إدراك أنَّ مصدر تعاستهم وتوتّرهم هو إجبارهم على الإنتاج المستمرّ على حساب صحّتهم النفسية والجسدية. فارتفعت وتيرة المحتوى الذي يستهزئ بمفهوم العمل على وسائل التواصل الاجتماعي، وسط إجماعٍ واسع على كرهه أو لاجدواه. 

ومع تنامي هذه الظاهرة، برزت تيّارات تنتقد مفهوم العمل وتنادي بتحسين ظروف العمّال. ساهم هذا الخطاب ببلورة جهود العمّال وتشكيل نقاباتٍ عمّالية، كما شهدنا مؤخرًا في شركة «أمازون» وسلسلة متاجر «ستاربكس». 

وبوجه هذه التيّارات المعارضة، انتشر أيضًا خطابٌ نيوليبرالي استطاع أن يفرّغ هذه المواقف من بعدها السياسي والراديكالي، وحوّلها إلى موجةٍ تحفّز العمّال على استبدال وظائفهم بالعمل غير المنظّم والمشاريع الصغيرة والـfreelancing. 


الاستغلال النيوليبرالي  

تسمح أساليب العمل الجديدة للعمّال بالانخراط في مجالاتٍ من اختيارهم وفق هواياتهم الخاصة، وتتيح لهم أن يعملوا بحسب ساعاتٍ مرنة من دون ضغوط إدارية، خصوصًا في المجالات الفنية والثقافية وخلق المحتوى على وسائل التواصل الإجتماعي مقابل المال، كحال المؤثّرين أو الـinfluencers. 

في المقابل، استطاعت الرأسمالية كعادتها أن تستغل هذا الترند لتعزّز خطابًا نيوليبراليًّا يحوّل الاستغلال الإداري إلى استغلالٍ ذاتي. فانتشرت مؤخرًا ثقافة الـhustle والنشاط المفرط والإيجابية السامّة التي تركّز على أهمية النجاحات الفردية كمؤشرٍ على قيمة الفرد. 

نرى هنا إعادةً لإنتاج دورة العمل الرأسمالية وظروفها الاستغلالية، ولكن هذه المرّة من منطلقٍ فرديّ يوهم الأفراد أنَّ بإمكان الجميع أن يصبح مديراً ورئيسَ نفسه. فيلقى اللوم في حالة «الفشل» هنا على الجهود الفردية والعمّال الكسولين بدلاً من بنية سوق العمل التي لا يمكنها أن تستوعب طموحات ومبادرات ومشاريع الجميع.

يتّضح إذًا أنَّ تعميم الخطاب الراديكالي لم ينجح بفضل الجهود المسيّسة لإعادة التفكير بمفهوم العمل وضرورته الفعلية فحسب، بل أيضاً بسبب المحاولات النيوليبرالية لاستغلاله. فتعزّزت، من جهة، وحدة العمال ونضالهم من أجل المساواة والعدالة، والتُهِمت، من جهة أخرى، هذه المحاولات مع سعي الأنظمة النيوليبرالية لتفريغها من بعدها السياسي واستبدالها بإعادة هندسةٍ عالمية لسوق العمل تصبّ في مصلحة الرأسمالية.

آخر الأخبار

مقابلة هادي مطر مع ذا نيويورك بوست
بعد إحراقها على يد زوجها هناء خضر تَنضَمّ إلى ضحايا العنف الأُسَري 
متغيّرات الأسعار مع اعتماد الدولار الجمركي 20,000 ليرة لبنانية 
ميقاتي يعِد بحماية الأهراءات بعد حرقها
ملف اللاجئين - النظام السوري يكذب والحكومة اللبنانيّة تصدّق
المودع بسّام الشيخ حسين إلى الحرية وتخوّف من خطف إنجازه