رايخ ضدّ شربل خليل

ضرباً لكلّ توقّعاتنا، ما زال شربل خليل يتفوّق على نفسه. كلّما ظهر على الإعلام ليدلو بدلوِه، نقول: ها هي القمّة، ثمّ يعود ويفاجئُنا في الإطلالة اللاحقة، حتّى كانت آخرها تلك التي نبّه فيها اللبنانيّين من سهرات الكورونا.

من باب النكتة، تخيّلتُ مناظرةً علنيّةً بين شربل خليل ووليام رايخ. لمن لا يعلم، رايخ محلّل نفسي أسّس الفرويدو- ماركسيّة في القرن العشرين، واشتُهر بمناداته بالحريّة الجنسيّة لدى الشباب، وربط هذا المضمار بالسياسة. فقدّم نقداً دسماً للبرجوازيّة، ومارس مهنته في الشارع والأحياء الفقيرة، وكانت أشهر مؤلّفاته: «الثورة والثورة الجنسيّة»، و«سيكولوجيا الجماهير الفاشيّة». يُفترض أن نفهم إذاً، من عناوين كتبه فقط، رغبتي بالمناظرة هذه.

فشربل، كما رايخ، مُنظّر أيضاً. بعيداً من إنتاجه «الكوميدي»، صاغ صديقنا عدّة نظريّات في المؤامرة، كان أشهرها المتعلّق بحفل مشروع ليلى والماسونية العالميّة. ثم لمع نجمه من جديد خلال انتفاضة 17 تشرين والتحريض العلنيّ ضد الثوّار، بحجّة أنّهم «يساريّين ملحدين يتزوّجون مدنيّاً». إلى أن أتحفنا منذ أيّامٍ بأنّ شباب الانتفاضة قد يعملون في الأيّام المقبلة على إقامة «سهرات كورونا»، حيث سنسكر فيها جميعًا ونغزو من بعدها الشوارع لنعطس على وجوه المسنّين.

وفوق الدكّة، لا يفوّت شربل مناسبةً إلّا ويذكر فيها موضوع المثليّين والفئات المهمّشة الأخرى ويعيّرها حسب ميولها الجنسية، محذّراً منها، محرّضاً عليها، وكأنّ أزمة لبنان العهد القوي تكمن بأنَّ فيه «لِواطاً».

وهذا ما يهمّنا من المسألة، أزمة لبنان العهد القوي. فبعد أن بسطنا أفكاره، نستنتج سريعاً أن صديقنا شربل، بطبيعة الحال، عَونيّ. وما يقوله ليس إلا عيّنةً من أيديولوجيا «التيّار الوطني الحرّ» المعاصرة. وهنا تأتي المناظرة التي أطالب بها، بين أيديولوجيا «العهد»، والأيديولوجيا النقيضة. واللمعة في تلك الأخيرة، أي في مساهمات رايخ، هي الربط الذي أقامه بين السياسيّ والنفسيّ (تحديداً الجنسيّ)، وبين الفرديّ والاجتماعيّ.

على المقلب الأوّل،
لدينا إذاً أيديولوجيا تجد جذورها في الفاشيّة، في تقديس السلطة وصورة «الأب» الضامن لها، وفي الارتكاز إلى أفكارٍ مجرّدة (الدين أو قضيّة التراب الشافي مثالاً) للتحكّم بسيكولوجيا الجماهير، وفي نظريّة «العرق الصافي»- وهذا ما يفسّر عنصريّة التيار- وفي تكريس نموذج العائلة النوَويّة والنموذج الاقتصادي النيوليبيرالي المولِّد لها، وفي رفض كل ما هو ثوريّ (الانتفاضة مثالاً) وتكريس ما هو مُحافظ (حتى حين يدّعي التيار التغيير، يصف نفسه بالـ«إصلاحيّ»).

على المقلب الثاني،
لدينا الرفيق رايخ، ولعلّه كان ليبدأ بجملته المفتاحية: إن الكبت الجنسي عند المراهقين، هو الشرط لخضوعهم للنظام السلطويّ. لا مجال هنا لبسط كامل النظرية، لكن إن سلّمنا جدلاً بصوابيّتها- وهي بلا شك صائبة- نفهم تلقائيّاً الأفكار التي يروّج لها مغَرِّدو «العهد» (دون أن ننسى جوزف بو فاضل وسمير صفير). تأتي تصريحات هؤلاء مفعمةً بالذكوريّة تحت عباءة «الأخلاقيّات»– والتي هي، بالشكل الذي تُطرَح به، بدعة بُرجوازية، تُطابق نفسيّاً فكرة «الرقابة» وتعزيز وظيفة الأنا الأعلى، وبالتالي تعزيز الكبت. فـكلّما زاد كبت وعي الجنس بوجه عام، اتّجهت الشبيبة يميناً. من هنا هذا النبذ لكلّ ما يمتّ إلى الحريّة النفسيّة- الجنسيّة. فـالرجعيّة السياسيّة، وعلى رأسها الفاشية والكنيسة، تطالب الجماهير بالعزوف عن السعادة الأرضية، وبالحشمة والطاعة والامتثال، وبالتضحية في سبيل الأمّة والشعب والوطن […] وهي تحيا وتغتني، سياسيّاً، من تطبيق الجماهير لهذه التعاليم.


بقدر ما تبدو تصريحات شربل وأصدقائه مضحكة، بقدر ما هي خطيرة ومؤثّرة على التكوين النفسيّ- وبالتالي على الميول السياسيّة لشريحة واسعة من الشباب. عليه، تكمن المَهمَّة، بعد إدراج هذه التصريحات ضمن أيديولوجيا الطبقة الحاكمة، في العمل على تفكيكها ونقضها.

باختصار، عاش الشباب وثورتهم الجنسيّة، وليسقط الفوهرر الأبويّ.

الفيروس النائم في صدري

لم أنتبه لعوارض هذا الزائر الثقيل إلا بعد أربعة أيّام على وصوله الأدوية التي وُصِفت لنا لم تتعدَّ البراستامول ودواءً للسعال وكبسولات من فيتامين دي 3 وكان الحامض والزنجبيل يرافق أكواب الأعشاب المغلية كي نشرب أنخاب الحياة التي لن يقتل مباهجَها فيروس لعين

ما بعد

ومثل السحر، تتوفّر المليارات الناقصة فجأةً، وتنطلق بزخم آلة صكّ النقود، هذه الآلة التي رفضوا من قبل تشغيلها من «فراغ» لربما كان سلاحنا الفعلي، سلاحنا الوحيد، هو أن ننزل إلى الشارع، أن نعانق بعضنا بعضاً، كلّنا، جميعاً، جسداً واحداً، كبيراً، ضخماً، غير محتمل الوجود