شهر على الحالة الاستثنائيّة: مصير الحقوق والحريات

هذا المقال جزء من ملف «تونس: إنقلاب؟»

مرّ شهر على إعلان الحالة الاستثنائية، والرئيس يدير الدولة حسب نظام سياسي متخيّل يشبه إلى حد كبير النظام الرئاسوي. لم يلتزم بأي تعهّد أعطاه للمواطنين وللمجتمع المدني. فلم يعيّن رئيساً للحكومة، ولم يضع خارطة طريق واضحة للخروج من الحالة الاستثنائية، ولم يعطِ أيّ ضمانة ضدّ الانحراف بالسلطة. أكثر من ذلك، فقد كان المسّ بالحقوق والحريات مسألة شبه عادية، نظرًا للمدّ الشعبي المساند له.


تمّ افتراض وجود «الحالة الاستثنائية» وتنظيم اجراءاتها ضمن الدستور، وذلك لمواجهة مسألة أو وضعٍ يهدّد الدولة بخروجه عن العمل المعتاد للمؤسّسات.

هي وضعية داخل الدستور، وليس خارجه، والهدف من تفعيلها الرجوع للسير العادي لدواليب الدولة، وليس الخروج عن الشرعيّة الدستوريّة.

لكن بما أنّها وضعية داخل الدستور، فإنّ الحقوق والحريات المضمونة بالدستور تبقى سارية المفعول ولا يمكن الحدّ منها، إلّا بقانون وباحترام شرطَيّ الضرورة والتناسب، مع وجود هيئات قضائية تحمي الحقوق من أي انتهاك (الفصل 49 من الدستور).


إلّا أنه منذ تاريخ 25 تموز، تمّ ضرب عدد من الحقوق والحريّات.

ضرب الحق في الأمان

رفع رئيس الجمهورية، بصفة أحادية، الحصانة البرلمانية عن كل أعضاء مجلس النواب في بيان 25 تموز الذي تمّ تفعيله بالأمر الرئاسي عدد 80 المؤرخ في 29 تموز 2021. هذا الأمر يتنافى تمامًا مع المبادئ الدستورية والتعهّدات الدولية لتونس. فعلى المستوى الدستوري، لا وجود لأيّ حكم دستوري يمنح رئيس الجمهورية هذا الحق. بل أبعد من ذلك، يمنع الدستور ذاته حلّ مجلس النواب، ويجعله في حالة انعقاد دائم طيلة الحالة الاستثنائية (الفصل 80). أكثر من ذلك، تمّ انتهاك الحق في الأمان انتهاكًا صارخًا من خلال تتبّع النواب واقتحام المقرّات دون إذن قضائي. لم تقف الأمور عند هذا الحدّ، بل تمّ يوم 20 آب اقتحام الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وحجز الملفات الموجودة بها، والتي تحتوي على عدد هائل من المعطيات الشخصية للأفراد.

ضرب حرية النشر والإعلام

تقوم دولة القانون على الشفافية والحق في النفاذ إلى المعلومة، وهو ما أكّده الدستور في فصله 15، المتعلّق بمبادئ تنظيم وعمل الإدارة، والفصل 32، المتعلّق بالحق في النفاذ إلى المعلومة. إلّا أن ما يحصل منذ 25 تموز يتعارض تمامًا مع هذه المبادئ، إذ تمّ اتخاذ تدابير وإجراءات تضرب حرية الإعلام، دون استشارة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، كما حصل مع إغلاق مكتب «الجزيرة» أو إعفاء المدير العام للتلفزة الوطنية.

التتبّع على أساس ممارسة حرية التعبير

بدأت موجة التتبّعات ضد النواب ومسؤولين حكوميين، ابتداءً من 30 تموز، بإيقاف النائبين ياسين العياري وماهر زيد، ومن ثمّ النائب فيصل التبيني في الثاني من آب، وبعده بثلاثة أيام، النائب الجديدي السبوعي الذي تمّ إطلاق سراحه فيما بعد. وفي 9 آب، أوقف النائب سعيد الجزيري الذي تمّ إطلاق سراحه أيضًا، وفي 19 آب، أوقف النائب محمد الصغير، قبل إطلاق سراحه، ولا تزال التوقيفات متواصلة.

ضرب حرية التنقّل

تمّ ضرب حرية التنقّل من خلال الإقامة الجبرية على أساس أمر 26 كانون الثاني 1978. فقد تمّ تفعيل هذا الأمر، منذ 25 تموز، ضدّ عدد من النواب والقضاة والشخصيات السياسية بطريقة تعسّفية، سواء من خلال وضعهم تحت الإقامة الجبريّة أو منعهم من السفر.

ضرب حرية التجمُّع والتظاهر

حرية الاجتماع والتظاهر حرية مكرّسة دستوريًا حسب الفصل 37 الذي ينصّ على أن «حرية الاجتماع والتظاهر السلميّيْن مضمونة»، لا يمكن تقييدها بالترخيص المسبق (كما كانت الحال في زمن الدكتاتورية). ولا يمكن للحدّ من تلك الحريّات أن يمرّ إلا من خلال احترام الفصل 49 من الدستور الذي يتطلب إصدار قانون يضع الأسس والإجراءات التي يتمّ من خلالها الحد من هذه الحرية الأساسية. وهذا ما لم يحصل. فجاء منع «كافة التظاهرات والتجمعات العائلية والخاصة والعامة بالفضاءات المفتوحة أو المغلقة»، حسب أمر رئاسي (عدد 83 لسنة 2021 مؤرخ في 30 تموز [جويلية] 2021) يتعلّق بإقرار تدابير احترازية لمجابهة جائحة كوفيد 19.


مع انقضاء المدّة الأولى للحالة الاستثنائية، مدّد الرئيس، من خلال الأمر الرئاسي عدد 109 لسنة 2021 المؤرخ في 24 آب [أوت] 2021، التدابير الاستثنائية المتعلقة بتعليق اختصاصات مجلس نواب الشعب. وعلى خلاف الأمر عدد 80 الذي تمّ من خلاله إعلان الحالة الاستثنائية، لا يضبط الأمر مدّة التمديد ويجعلها نافذة «إلى غاية إشعار آخر». وكأنّ الحالة الاستثنائية أصبحت حالة عادية يتمّ تحديدها بمجرد إشعار.

تناقضات اللحظة القيصريّة في تونس

نقطة فاصلة في التاريخ السياسي شروط إمكان اللحظة القيصرية أزمة الهيمنة واحتضار الدولة حرب المواقع التي خاضتها حركة النهضة جرائم إرهاب واغتيالات سياسية ولادة القيصر

أسبوعان على الحالة الاستثنائية: كيف تصرّف الرئيس التونسي؟

هذا النظام يعطي جميع السلطات للرئيس وحده. فهو الذي يعيّن الوزير الأوّل من دون مصادقة البرلمان عليه، وهو الذي يعيّن الوزراء ويتابع عملهم، وهم مسؤولون أمامه. وهو كذلك القائد الأعلى للقوات العسكرية والأمنية كما كان يقول دائماً، وله أيضاً من السلطات ما يمكن أن يجعل القضاء تحت إمرته.