أنا أَخْرى
13
دقيقة

1

خريت على نفسي جالساً في «الدرس الخصوصي» وسط زملائي وزميلاتي. لم تكن خريةً كبيرةً، وعلى الأرجح أنّها كانت أثراً جانبياً لحبوب المضادّ الحيوي التي أتناولها محاولاً التعافي من دور برد عنيف. لطالما أفقدتني المضادات الحيوية السيطرة على أمعائي وأزعجت جهازي الهضمي.

بطني تتلوّى وتصدر أصواتًا، أظنها غازات، فأحاول كتمها، لكن تنفلت الشخّة كزفرة، خلاص، دون إرادتك، فتخرج الخرية سائلاً خراوياً يبلّل كلوتي وربما بنطالي. جلستُ بقية الدرس مائلاً متّكئاً على فخذي الأيسر، حتى لا يلتصق الخراء بمساحة أكبر من فخذي وطيزي فيلتهب جلدي. 

كنت في الثانوية العامة في درس فيزياء خصوصي. في غرفة ببيت المدرّس، نجلس ملتفّين حول طاولة السفرة، نستمع إلى شرحه وندوّن الأرقام والمعادلات. سبعة مراهقين ومراهقات، وسطهم أتظاهر بالانشغال العميق بمعادلات الكهرباء بينما كل ما أفكر فيه ألا تكون الرائحة نافذة وينتبه أحدهم إلى ما جرى. غارقاً في خرائي مرعوباً من اكتشاف أمري. لو عرف أي زميل، فسيطلق عليّ لقب «أبو شخّة»، وعاره سيصمني إلى الأبد.

2

يفتتح دومينيك لابورت كتابه «تاريخ الخراء» بمرسوم الملك فرانسوا الأول الذي صدر في 15 آب 1539 والذي أعلن فيه إيقاف العمل باللغة اللاتينية واستبدالها باللغة الفرنسية كلغة وحيدة مقبولة في المراسم والمراسلات الفرنسية وإصدار القرارات والقوانين. بعدها بحوالي أربعة أشهر، صدر مرسوم ملكي بواحد من أعرق القوانين الفرنسية وأفخرها، وهو المعروف بمرسوم «تنظيم الخراء».

حدّد المرسوم بشكلٍ تفصيليّ، إجراءات التخلّص من الفضلات والبول والبراز الآدمي والحيواني. فيجب أن يتمّ هذا في ظلام الليل، وفي مصبّات رسمية محدّدة، وأن يلقي المرء مياهً نظيفة لغسل المجرى من فضلاته وتسهيل انسيابها. حذّر القانون كذلك من العقوبات والغرامات التي قد تطال المرء في حال مخالفة أي من تلك التعليمات، وألزم جميع المواطنين بدفع ضريبة لتحسين أنظمة تصريف الفضلات وكبّها خارج حدود المدينة.

يربط لابورت بين المرسومَيْن، حيث يرى أن اللغة الفرنسية الحديثة وُلدت من لغة القانون وتحت إشراف شعراء ومستشاري الملك الذين تحدّثوا في ذلك الزمن عن ضرورة تنقية الفرنسية وتنظيفها. كان للّاتينية رائحة الصفوف الدراسية والانضباط والمجد الروماني، بينما كانت الفرنسية هي لغة الشارع وعوام الناس، ثم أعيد كتابة وتنظيف تلك اللغة من خراء الشوارع الغارقة في البول والفضلات، لتليق بمجد المحاكم والمكاتبات الحكومية والمراسلات الرسمية. 

يضرب لابورت مثلاً بمرسوم تنظيف الخراء الذي نُشر بلغة خضعت للتحرير والتجميل واستبدال الألفاظ السوقية الدالة إلى الخراء والبراز، بكلمات ليس لها رائحة كريهة، مترفّعة عن الألفاظ البذيئة لعوام الفرنسيس. أو كما يكرّر لابورت في أكثر من موضوع:

إذا كانت اللغة جميلة، فذلك لأنّ السيّد قد شطفها وغسلها.

مساكين الأوروبيون، لغاتهم هي ابنة الدولة وصنيعتها، لا يستطيعون تخيل حياة للحضارة خارج الدولة، ولا لغة دون أجهزة عمل السلطة. فلا فرنسية، مثلاً، دون الدولة الفرنسية، ولا إنجليزية دون المملكة الإنجليزية. كما أنّ مستشاري الملك وشعراءه الذين وُكّلوا بالإشراف على عملية نحت الفرنسية الجديدة واشتقاقها، شكّلوا بعد ذلك الأكاديمية الفرنسية التي تولّت منذ القرن السابع عشر وحتى الآن — باستثناء سنوات الثورة الفرنسية من 1793 إلى 1803 — مهمّة الحفاظ على الفرنسية جميلةً وعسولةً وكيوت مع غسل مؤخّرتها من الخراء والشذوذ باستمرار. 

أما لغتنا العربية، فكما نعلم هي لغة أهل الجنة، حيث لا يبول سكان الجنة ولا يتغوّطون ولا يتمخّطون بل يكون ذلك جشاء كرشح المسك، ويلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس.

3

تنظيم عملية التبوّل والخري وتنظيفها، هو أوّل صفعة باسم العيب والعار، بشرعية التربية السليمة، يتلقاها المرء طفلاً.

يلعب الرضّع والأطفال في خرائهم بفضول وحرية. يلمسونه، يغرزون أصابعهم، يشمّون وأحياناً يتذوّقون.  ما أن يراهم الآباء، حتى يهبّوا صارخين معاتبين وعلامات الاشمئزاز على وجوههم. كل لفتة وحركة للرضيع تثير الحماسة والابتسام، فقط لحظة تغيير الكفولة يرى الطفل علامات التأفف على وجوه الوالدَيْن اللذين رأياها بدورهما على وجوه الآخرين وهم رضّع، وهكذا دواليك.

مهامّ الأبوّة والأمومة الرئيسية هي الإطعام والكساء ومسح الخراء، وتربية الأطفال هي سلسلة من التدريبات غرضها نقل خبرات وإمكانيات الأكل واللبس والشخ إلى الطفل. مع ظهور أولى علامات الوعي والإدراك، تبدأ تدريبات البول والخراء للأطفال. أولى علامات مغادرة الطفولة هي انتقال الطفل من مرحلة «الخري على روحه» إلى السيطرة على أمعائه والخري في الحمام، وهي تدريبات تأتي أحياناً مشمولة بالرعب والعنف لإجبار جسد الطفل وأمعائه على الانصياع لتعليمات التبوّل. في سنوات طفولتي انتشرت عادةٌ بين الأمهات أنّ أفضل وسيلة لتربية وتدريب الطفل على التحكّم في مثانته هي «لسعه بالنار» إن بال على نفسه.  

أبعد ذكرى مرعبة ومؤلمة من طفولتي، هي صراخي بعد تبوّلي على نفسي، حين سخّنت ماما سكينة على النار وقامت بلسعي في فخذي، لا أثر لتلك اللسعة على لحمي الآن، لكن الذكرى حاضرة دوماً. قبل وفاتها بسنوات، وفي لحظة عتاب وصراحة، ذكّرتها بهذا الأمر. أنكرت في البداية، وحين حكيت لها بالتفصيل ما جرى، اعتذرت وبكت بعدها أكثر من مرة، برّرت ما حدث أنها كانت صغيرة وتربّي طفلاً لوحدها محاطة بشبكة من خرافات التربية الريفية المصرية، وكنا نعيش لوحدنا في ليبيا خراب القذافي.

لم يتعرّض أيٌّ من أخوتي لهذا الأمر، وحتى رحيلها عاشت بذنب أن تلك الذكرى لا تزال حاضرة معي بشكل آلمها وجعلني أندم على مواجهتها.

خفّف من وطأة اللسعة النفسية، أني عرفت رجالاً ونساءً في عمر متقارب مني، لديهم هذه اللسعة، بعضهم يحمل أثر شوكة طعام على طيزه، أو ملعقة على كتفه، بل حمدت الله على مصيبتي حين حكت لي صديقة أن أمها كانت توقظها من نومها إذا بلّلت فراشها لتلسعها في لسانها بسكينة ساخنة.  

4

لذا، فعملية تطهير اللغة العربية من البول لم تكن نتاج مراسيم ملكية أو ممارسات قانونية من فرانسوا الأول أو حليفه الذي أنقذه من الأسر، سليمان القانوني، كما لم تنبع من سلطة شعراء وكتاب يجتمعون في مجمع الخالدين، بل إرادة إلهية ضمن خطة كونية شاملة تحت عنوان «يريد الله أن يطهّركم ويُذهب عنكم الرجس». 

لقد خلق الإسلام اللغة العربية الحديثة كما نعرفها، فكما يوضح د.محمد الشرقاوي في كتابه «التعريب في القرن الأول الهجري» كانت اللغة العربية عبر الإسلام مزيجاً من اللهجات، تفتقد إلى الانضباط. لكن ظهور الإسلام وربط القرآن باللغة العربية، أو العكس، إلى جانب الفتوحات وحركات الهجرة، هو ما خلق العربية، أو على حد تعبير شرقاوي: لقد أصبح للعرب بفضل القرآن نموذجٌ لغويٌّ مثاليٌّ يُحتذى. لقد كان القرآن نصًّا فارقًا في تاريخ اللسان العربي، وبفضله تحقق لها ظرف استثنائي لم يتحقق لغيرها، وهو الأمر الذي صاغه المرحوم رمضان عبد التواب في عبارة جامعة، تمثل قانونًا جامعًا منضبطًا، عندما قال: لولا القرآن ما كانت العربية. منح الإسلام، إذاً، بعداً أسطورياً للّغة، فقد أصبحت لغة آدم أبو البشر، ولغة أهل الجنة، ولغة الصلاة. شطف الإسلام العربية، ونظّفها من الجاهلية.

في «كتاب الحيوان» يرصد الجاحظ  بداهة اللغة عند عرب الجاهلية وكيف تغيرت مع مجيء الإسلام، واستبدلت الكثير من الأسماء المعروفة باشتقاقات وتعريفات جديدة، ويضرب الأمثال قائلاً:

وربما كانت الأسماء مأخوذة من أمور تحدث في الأسماء، مثل يوم العَرُوبة وسمّيت في الإسلام يوم الجمعة، واشتقّ له ذلك من صلاة يوم الجمعة. وترك الناس مما كان مستعملاً في الجاهلية أموراً كثيرة، فمن ذلك تسميتهم للخراج إتاوة، وكقولهم للرشوة لما يأخذه السلطان.

ويستكمل الجاحظ تعداد الألفاظ المتروكة من زمن الجاهلية:

لغة حرة تأتيها المعاني وتنثال فيها الألفاظ، بلا قيد أو رابط، لغة فانية تُمحى في لحظة نطقها، ولا يدرسها أحد. لغة يكون فيها الخراء فعلاً واسماً بلا خجل أو عار، أو سلطة تمنع وتنهي.

وكانوا بالمدينة إذا أرادوا قضاءَ الحاجة دخلوا النخل لأنَّ ذلك أستر فسمّوا المتوضأ الحشّ وإن كان بعيداً من النخل كلّ ذلك هرباً من أن يقولوا ذهب لخَرْءِ لأنَّ الاسم الخرءُ وكل شيءٍ سواه من ورجيع وبراز وزِبل وغائط فكله كناية.

يصف لنا الجاحظ اللغة في هذا الزمن قائلاً: 

وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكرة ولا استعانة وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام والى رجز يوم الخطام أو حين أن يمتح على رأس بئر أو يحدو ببعير أو عند المقارعة والمناقلة أو عند صراع أو في حرب فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذي اليه يقصد فتأتيه المعاني ارسالا وتنثال عليه الألفاظ انثيالاً ثم لا يقيده على نفسه ولا يدرسه أحدا من ولده.

لغة حرة تأتيها المعاني وتنثال فيها الألفاظ، بلا قيد أو رابط، لغة فانية تُمحى في لحظة نطقها، ولا يدرسها أحد. لغة يكون فيها الخراء فعلاً واسماً بلا خجل أو عار، أو سلطة تمنع وتنهي. 

أن تخرى في الأدب، هو أن تسعى للعودة بالكتابة لطفولتك وطفولة اللغة، لا بغرض التمرّد على سلطة الدولة وهيمنتها على مذهب جورج باتاي ونصوصه، بل طمعاً بتحقيق تلك البداهة.

أريد أن أخرى أو أخرء كما يصحّح الجاحظ أصل الكلمة. أريد لما اكتبه أن يكون نتاج بداهة وارتجال وكأنه إلهام بلا معاناة أو مكابدة.

هذه النشوة جالساً على ركبتك على البلاط واللغة تنثال بصفارها الذهبي الخراوي في فمك.

أريد أن أخرى أو أخرء كما يصحّح الجاحظ أصل الكلمة. أريد لما اكتبه أن يكون نتاج بداهة وارتجال وكأنه إلهام بلا معاناة أو مكابدة. وهو أمر، وإن كان ممكناً في دفقة الكتابة والتنضيد الأولى، فكيف يكون تحرير النص بعد كتابته منسجماً مع تلك البداهة، وجلاء وبساطة أن يقولوا «ذهب لخَرْءِ». 

أريد لكتاباتي طابع الوصل والانقطاع، النقص لا الكمال، والخطأ لا الصواب. مثل نصوص الجاحظ وكتب الأقدمين. الكتابة التي يصفها عبد الفتاح كيليطو (1945) بكتابه «الكتابة بالقفز والوثب»، وفن الانتقال المفاجئ من موضوع لآخر. 

كتابة تحمل عار نقصانها... البصمة المميزة لكاتبها أبو شخّة.

5

بعد عودتهم من الخارج، كان أثر البقعة لا يزال على الفراش. وكانت هي أول من دخل الغرفة، انحنت عليها وشمّتها فتحيّرت أكثر.

قال إنه لا يمانع في وجودها ولا يرغب حتى في تغيير الملاءة، كان فخوراً بنفسه لأنه جعلها «تنوفر/ squirt». لكنها كانت أكثر فخراً، فقد قرأت عدة مقالات على الإنترنت عن الموضوع، وشاهدت فيديوهات تعليمية وترفيهية سكسية عن الأمر. وتمت العملية تحت توجيهها وإشرافها، لكن بعدما مضت سكرة الحب وحميمة الرهز، تردّدت في توصيف ما جرى، في الكلمة المناسبة سواء عربية أو انجليزية. 

بعد «الواحد» استحموا وخرجوا لتناول العشاء في الخارج، وعقلها مشغول بفهم جسدها وما فعله، فنشوتها اختلفت عن مرات سابقة، لكنها ليست واثقة من توصيف ما جرى. هذه المياه هل كانت «نوفرة»؟ أم أنها بالت على نفسها؟

ارتفع شكّها لدى عودتهما إلى المنزل، فالرائحة التي يصفها بأنها رائحة الهيجان والسكس ويريد الاحتفاظ بها على الفراش، تبدو لها رائحة صنانه، لكنها لم ترد أن تفسد فرحته بفحولته المتوهمة. في مرات كثيرة معه أو مع آخرين، تداهمها رغبة مفاجئة أثناء الجنس في التبول، زغزغة مع ضغط وانقباض في مثانتها، لكنها لا تستسلم لتلك الرغبة، لا تدعها تفور وذلك حتى لا تتحوّل اللحظة الحميمة إلى عار، حتى لا يفقد الآخر شهوته ويشمئز منها ومن بولها. إلا هذه المرة، غابت في سحابة كهربائية حررت أعضاءها من قيود وعيها، انخرست كل الأصوات الآمرة والناهية حتى ذابت في الغمامة وانهمرت معها، دفقات من خيوط الذهب.

طلب منها أن تبيت معه، لكنها أكّدت أن هذا سيكون صعباً، قال إنه لا يعرف كيف سينام ورائحتها تملأ الغرفة والفراش، ابتسمت وقالت بدلع:

طيب أسيبك بقي مع الريحة تونّسك، أنا لازم أروّح البيت.

لملمت أشياءها، وغادرت.

بعدها بأسبوع تعارك الاثنان، وفي مكالمة حفلت بالشتيمة ونبش القديم والجديد، قالت له:

وعلى فكرة بقى مكنتش أنوفر. أنا شخيت عليك وعلى سريرك.

6

ستستمر علاقتهما لبضعة أشهر أخرى، وسيفترقان دون الكثير من الدراما أو الندم. سيغادر المدينة والبلاد، يعيش متنقلاً بين مدن أخرى تتحدّث الانجليزية والألمانية والإيطالية. سيتقدّم في العمر، وينشغل بالسعي والعمل وتأمين مستقبل أولاده. تزوج وأنجب أثناء ركضه مهاجراً. لكنها لا تزال صديقته على الفيسبوك، ويتابع صورها على انستجرام.

لم تغادر مصر، حياتها تقضيها في مدينة ساحلية، في معظم صورها تلعب مع الكلاب والقطط، رمال البحر، وأشعة الشمس. أما هو، فيعمل لمدة تصل إلى عشر ساعات في اليوم، ولم تلمس قدمه الرمال منذ ثلاث سنوات. 

يدرك أن ما يراه على شاشة الموبايل ليس إلا فلاتر تقوم بشطف وتنظيف الصور، لذا فشوقه ليس إلى ما يراه، بل لتلك النار في معدته، للخوف والترقب، لمزيج الرغبات الغائمة حيث المدنّس يركب المقدّس، للنشوة مغموسة في الحزن، والدموع في الجنس، واللبن مخضب بأحمر العادة الشهرية، للسكينة التي تلي القذف المبكر مشمولة بسخونة البول.  

امتطت تلك الغمامة رأسه، ولأن يده لا يمكن أن تطول الماضي، بحث على الإنترنت. حدّد موقعه الجغرافي وتفاصيل الفانتازيا التي يرغب فيها. وصله العرض بعد ساعات، ساعتين من خدمات «المصاحبة» تشمل تحقيق كل الرغبات بما فيها «الجولدن شاور» مقابل 500 دولار.

ذهب في الموعد المحدّد، وجلس في سيارته يفكر ويقلب الأمر في رأسه، استعاد ذكرى اللقاء الذي مرّت عليه عشر سنوات، ثم انتابه الشك، هل كان ما حدث أنها «نوفرت» عليه فعلا؟ أم أنها بالت كما ستقول له بعد ذلك؟ في مرة شككت في كلا الحدثين وقالت له: «جايز عملت الاثنين».

طال انتظاره في السيارة، حتى وصلته رسالة على الموبايل تسأله: «أين أنت؟ هل أنت قادم؟»، تجلس غالباً في انتظاره في «لوبي» الفندق الذي حجز فيه الغرفة. 

حجز الغرفة! 

تذكّر حينها أنه حجز الغرفة بالبطاقة الائتمانية الصادرة على حسابه المشترك مع زوجته، مما يعني أن زوجته ستعلم أنه حجز غرفة في ذلك الفندق، سوف تسأله، وسوف يكذب، سوف تعلم الحقيقة. تدافعت السيناريوهات الكابوسية عليه، شعر بالخجل مما يفعله، وبالخوف من زوجته. 

أدار السيارة، غادر الفندق، عاد إلى المنزل، وطوال اليوم ظلّ يطلق المغازلات والنكات، يتصرف بحنان وعاطفة زائدة تجاه زوجته، وفي الليل بينما يمارسان الجنس، طلب منها راجياً ومستعطفاً، بالانجليزية بالطبع:

اصفعيني على وجهي من فضلك.

7

تتعدّد صور الرغبة، لكنّ العار والاستعرار شبح يظهر في عدد من الصور، وتحقُّق تلك الرغبات يشترط نزع الحجاب عن شبح العار. يشترط الفضيحة. لكن مَن أنت لتواجه شبح العار؟ أو تتحمّل عواقب الفضيحة؟ ما يحدث في العادة أن كل نزع للحجاب، كل تعرّ، كل اعتراف، هو إخفاء لجزء آخر منه، وبالتالي خلق لشبح عار آخر. 

أن تعترف معناه أن تستسلم للعار وسلطانه، أن تفضح نفسك بنفسك، لكن يد تعرّي ويد تغطّي، تخلق سراً جديداً وتحجب رغبة تتولّد من عار قديم.

8

في البدء كانت الكفولة، قطعة من القماش تُلفّ حول الطفل ليتبوّل ويشخّ فيها، ويقوم الآباء بتغييرها. رأيت في متحف النسيج المصري مجموعة رائعة من الكوافيل القماشية من عصور مختلفة، بعضها موشاة بكتابات لطرد الشياطين وحماية الطفل من العين والحسد.  

في كتابه «The Modern Home Doctor» الإنجليزي والصادر عام 1935 كدليل للرعاية الصحية الأسرية، يوجّه الكتاب باستخدام «الفوطة التركية» المصنوعة من القطن ككفولة للطفل. هذا الاختراع الذي لم يكن منتشراً في الغرب وقتها، شهد تطوراً إضافياً في نهاية الثلاثينات بظهور البناطيل المطاطية التي يتم إلباسها للأطفال فوق الكفولة القماشية لتدارك أي تسريب للبول أو الخراء. كوافيل ذلك الزمان كان يعاد غسلها واستخدامها مرة أخرى. لكن الكوافيل التي تستخدم مرة واحدة لم تظهر إلا بعد الحرب العالمية الثانية، لتتحوّل الكوافيل من قطعة ملابس خاصة بالطفل منقوش عليها اسمه وأدعية وأحجية لحمايته، إلى منتج صناعي تنتجه وتسوّق له مصانع وشركات غزت بمنتجاتها العالم حتى طردت الكوافيل المعاد تدويرها.

استخدام كوافيل المرّة الواحدة لم يتوقف عند الأطفال، فهناك الآن كوافيل للكبار بدأ استخدامها أولاً في حالات المرض، والآن أصبحت بعض الشركات والمصانع تجبر العاملين الأصحاء على ارتدائها لتقليل وقت الذهاب إلى الحمام، في تجسيد لأعلى مراحل سطوة وجبروت الرأسمالية في عصرنا. إجبار العامل على ممارسة مهام وظيفته مرتدياً الحفاض غارقاً في بوله وشخاخه وعاره.

9

تروي رنا عيسى في نصّها المنشور على موقع الجمهورية «خاتم إزدهار»  كيف وجدت نفسها عالقة في سيارتها وسط الزحام، فبالت على نفسها وهي في السيارة. وحين زارت طبيب المسالك البولية وفحصها أخبرها الحكيم:

أنّ تمريني على البول وأنا طفلة لم يكتمل، وأنني لم أتعلم الانصياع بشكل كافٍ لأعراف التبول الاجتماعية. قال الدكتور إنه يرى كثيرين في حالتي، شخّاخين لا تحفل مثانتهم بالقوانين والإجراءات المرعية. 

لكنها لم تشعر بجدوى إرشادات طبيب المسالك وتدريباته، ولم تتكلّل مساعيها لتدارك الأمر مع محللين نفسيين بأي نجاح، في النهاية وجدت السلوى والصبر في الأدب، وبالطبع انتهى بها المطاف في رحاب أمير الشخاخ الأدبي، جورج باتاي.

كما باتاي، اعتبرت رنا في نصها الشخاخ والتبول اللاإرادي نوعاً من التمرّد على الأعراف البرجوازية للجسد والمتعة والقوانين والسلطة وكل الحاجات الوحشة الكخة. ترى رنا في شخاخها، رابطاً مع جدتها، فتعيد رواية تاريخ أسرتها عبر سيرة جدتها وأمها، جدتها التي مارست أيضاً التمرّد والشخاخ على نفسها، و«الشرمطة» كما تفضّل رنا وصفها في نصها البديع.

موقع رنا الجندري، وموقع باتاي الأيديولوجي، يجعلهما يريان في الشخاخ سلاحاً وقذيفة تمرّد شخّاخين لا تحفل مثانتهم بالقوانين.  

في النص ذاته، تكتب رنا عن الشخاخ بالعربية:

وأي لغة أمٍّ هذه على كل حال حيث قليلات قليلات هن الكاتبات فيها؟ يسهل على الرجال التبرّم من الإرث كما شخّص هارولد بلوم في نقده للتاريخ الأدبي، كافٍ فقط قتل الأب ليصبح جايمس جويس أو أي رجل آخر كاتباً محترماً.

سرتُ مرفوع الرأس معتدّاً بنفسي، بقدرتي على التعامل مع شخاخي، بمواجهتي العار بشياكة وأناقة، وشعرتُ أنا الطالب في العام الأخير من الدراسة الثانوية، بأنّي خلاص، أصبحت راجل.

وأنا ذلك الرجل، ذلك الكاتب قاتل الأب، المتمرد، الشخاخ بلا عار، لأني محمي بامتيازات الذكورية، ولقد أدركت هذا في درس الفيزياء حين شعرت بالخراء في كلوتي. اضطربت قليلاً في البداية، لكني انتظرت حتى انتهى الدرس وبدأ الزملاء في الانصراف، ثم همست للمدرّس بأني تعبان طالباً استعارة جلابية لارتدائها وتغيير ملابسي، سألني أن كنت بخير ولم أزد سوى «بطني تعبانة».

أحضرتُ جلباباً نظيفاً، ودخلتُ الحمام غيّرت ملابسي ونظّفتُ شختي، وارتديت جلبابه، وخرجتُ وتحت إبطي مذكرة الفيزياء، وكيس أسود فيه ملابسي الملوثة. سرتُ مرفوع الرأس معتدّاً بنفسي، بقدرتي على التعامل مع شخاخي، بمواجهتي العار بشياكة وأناقة، وشعرتُ أنا الطالب في العام الأخير من الدراسة الثانوية، بأنّي خلاص، أصبحت راجل، يمكنني أنا أتبول بلا خجل ولا عار في أي مكان.

ليس هناك ما يقلقني بشأن هويتي الجندرية والجسدية، وليس لدي أي مبرر للتمرّد على الأعراف الاجتماعية التي سهّلت حياتي وإمكانياتها، وجعلتني جاهزاً مستعداً للصراع مع بقية الرجال الآخرين على مساحات النفوذ والسلطة والتأثير والتفاخر. المحرّرة:
الذكورية امتيازات، صح،  بس هي امتياز لمن التزم بالمعيارية فقط (في الجنس والكتابة مثلاً). وحتى الامتياز له أثمان (الإرث اللي مجبر على حمله وتوريثه).  وإنت كمان كذكر عندك موقع جندري، كمان بتتحكّم فيه مفاهيم ذكورية قمعية، مثلاً في دور المعيل، والأداء الجنسي (شكل العضو، والفحولة، والذكورة اللي لازم تفيض، الفتح الجنسي، الخ) وككاتب ذكر كمان في معايير ينظر إلى أعمال الكتاب الذكور من خلالها ( شرط العبقرية، الموسوعية، الريادة، الرصانة الخ.). مش عم قول انه موقعك متساوي مع موقع الكاتبات النساء، بس عم حاول شوف إذا موقعك كذكر وككاتب ذكر عنجد بعيد عن التعيير وإنك فعلاً بمنأى عن العار متل ما باين عم تقول؟
 أحمد ناجي:
أنا أصلا لم أستوعب هذا الأمر إلا مؤخراً وفي السنوات الأخيرة. لكن طبيعة المناخ الذي نشأت فيه وعملت خلاله في الصحافة الثقافية والكتابة كان يحرض على هذه السمات. كل الكتاب والشعراء الذين كان يتم الترويج لهم، كان يتميزون بالتفاخر الذكورى واستعراضات الوقاحة، وأنا بطبيعة الحالة انحزت لهذا النموذج، بل وشكل مشروعى الأدبي والسعى إلي التمرد وقتل الأب لأصبح كاتب جامد على قولة رنا عيسي وهارلود بلوم.
الآن أنا اسآل هذا الأمر، وأفكر هل كان تمرداً حقاً؟ أما محاكاة مراهق لنماذج ذكورية ثقافية وأدبية؟ 
لاحظى أيضاً أن لا أدعى اندماجى وتوافقي الكامل مع النظرة والتحليل النسوى للأدب والفن عموماً، لكن كذلك مهتم بتحرير كتابتى وأدبي من ضيق النظرة الذكورية ومعطياتها الجاهزة، وهذا هو منبع حيرتى ودافعى لكتابة النص..
باختصار عودة لسؤالنا القديم مثلا؛ هل يمكن الكتابة عن الجنس، وعن منظومة القوة داخل علاقات المقطع، خارج إطار الكتابة الذكورية المعتادة، حيث يرتشف نهديها ويعصر المانجا .. إلخ إلخ

10

جندي مصري يرفع البعبوص بوجه المتظاهرين من أعلى مجلس الوزراء في كانون الأول 2011
 

ترسم الكلاب وحيوانات ثديية أخرى حدود مملكتها بالبول. تبول لتترك بصمتها ورائحتها تحذيراً لبقية الكلاب من الاقتراب من منطقتها، وكلما رأيت كلباً يبول تذكّرت مشهداً من مشاهد ثورة يناير ومظاهراتها. كان هدف الحراك في الشارع، التجمع في ميدان التحرير ثم الزحف لمقر وزارة الداخلية أو مقر البرلمان. تدور المواجهات بالرصاص المطاطي والحي وبالغاز والدبابات والمدرعات، ينسحب المتظاهرون ويلملمون الجثث والأعين المفقوءة. 

جندي مصري يبوّل على المتظاهرين من أعلى مجلس الوزراء في كانون الأول 2011

 من يلاحقه العار هنا؟ البائل؟ أم المشخوخ عليه؟ وكيف في حالة كتلك يكون البول تمرّداً على الأعراف البرجوازية و«البلابلا» كما يدّعي باتاي.

لكن ذات مرة وصلوا بالفعل إلى البرلمان وحاصروه. عندها، وقف جنود وضباط الشرطة العسكرية ووحدات سلاح المظلات فوق سطح مبنى البرلمان والمباني الحكومية المجاورة، وبدأوا في إطلاق الرصاص الحي والمطاطي وإلقاء قنابل الغاز والحجارة، ثم بدأ العساكر فوق سطح المبنى في فتح سحاب بناطيلهم والتبول على المتظاهرين، كانوا يفعلون ذلك وهم يضحكون، ويرفعون الأصبع الأوسط في وجهه المتظاهرين. في واحدة من مشاهد الثورة الخالدة، حيث السلطة العسكرية فوق مبنى مجلس الشعب، تبول على الشعب.

من يلاحقه العار هنا؟ البائل؟ أم المشخوخ عليه؟ وكيف في حالة كتلك يكون البول تمرّداً على الأعراف البرجوازية و«البلابلا» كما يدّعي باتاي.

إنّ موقع الشخاخ في شبكته الاجتماعية هو الذي يحدّد ثقل عار الشخة أو لذّتها. وفي جوهره، يحمل الشخ والخري راحةً ولذّةً جسديةً وجنسانيةً فردانيةً، لم تتعرّض للفحص والتمحيص اللازم، بل للأسف ضاعت وسط مبولة الرمزيات السياسية والسلطوية التي غرق فيه الشخاخ أدبياً.

11

كموس مغمساً في الشطة، يقول عماد أبو صالح في قصيدته «نمسك أعضاءهم ليتبولوا كي لا نكون عاقين»:

كنا نمسح دموعنا
ونقول لا يهم
حين نكبر سنكسرهم ايضا
إلا أنهم
وحينما تأتينا الفرصة المناسبة
ينكسرون
من تلقاء أنفسهم

لكنّ مسك أعضائهم بداية لمرحلة تنقلب فيها علاقة الأبوة والبنوة، تترسخ بتغيير حفاض الكبار للآباء، ومسح البراز وتنظيف مؤخرة الوالدين. تعريته وتحميمها، هذا إن لم يستطيعا مغادرة الفراش.

لكنّ مسك أعضائهم بداية لمرحلة تنقلب فيها علاقة الأبوة والبنوة، تترسخ بتغيير حفاض الكبار للآباء، ومسح البراز وتنظيف مؤخرة الوالدين. تعريته وتحميمها، هذا إن لم يستطيعا مغادرة الفراش.

نعود للطفولة حين كانت الأم تحمّمك بفوطة مبللة. الفوطة هذه المرة في يدك، تتأكد أن حرارة الماء لا تزعجها، تمسح فروة الرأس التي خف الشعر فيها، ثم نزولاً للأكتاف والظهر. تطلب منه أن يستلقي على جانبه ولا تنتظر موافقته بل تقلبه بنفسك، تبلل الفوطة وتمسح المؤخرة، تحرص على مسحها أكثر من مرة وقد تستخدم فوطة أخرى منقوعة في الماء والصابون.

تصل إلى الركب والساقين، وتحاول تفادي النظر إلى الأعضاء التي شاخت وابيضّ شعر عانتها. تلاحظ كيف رقّ الجلد وصار زجاجاً يشفّ عن الأوردة والشرايين في مزيج بين اللونين الأزرق والرمادي.

تنهي المسح، فتجفّف الجسد الحبيب، ثم تدهن بالكريمات المختلفة، واحد للترطيب، واحد لالتهابات الحفاض، ربما ثالث لقرح الفراش. تسدل عليها ملابسها، جلباب مريح نظيف، تهيئ الوسادة خلف ظهرها. تفوح رائحة الطفولة منها، وتذكّرك بهذا الجسد شاباً حين كان يحملك على ذراعه، يحتضنك فتغمرك رائحته، يُهدْهِدك حتى تنام، تغفو رضيعاً في أمان وثير يزيح كل انفعال. تنبسط كل أعضائك وعضلاتك الصغيرة، حتى مثانتك ينثال منها بول الطمأنينة الحرّة.

رسوم: كارلا عوّاد (2022)
أنا أَخْرى
ملحوظـــــــــــــــــــــــــــة

العار كثير الحضور في حياتنا. هو حالة شعورية تسيطر علينا في أكثر اللحظات حميميّةً، لكنّه أيضاً مصطلح فكري نعود إليه عقب التحوّلات التاريخية الكبرى. هو حاضر أيضاً في اللغة التي تكثر فيها عبارات مشتقّة عن الخجل والحياء، والتي تتناول العين والوجه مسرحاً للعار الفردي والجماعي.

يطرح ملفّ «العار والحياء» أسئلةً حول كيف نتلقّى نظرة الآخر الرافضة؛ كيف نستدخلها فتتغيّر نظرتنا إلى ذاتنا؛ كيف نعيش العار فردياً وجماعياً في لحظات شديدة الخصوصية وأخرى تاريخية؛ كيف نجاهر بالعار أو نستخدمه أداةً لضبط الذات أو لتأديب الآخر. يقرأ كلٌّ من أحمد ناجي، وزينة الحلبي، وأنجيلا بروسيل، وعمر مسمار، وريما رنتيسي وفريق الإعداد في ميغافون العار في مقاربات نثريّة وبصريّة مختلفة، إضافةً إلى أوّل ترجمة عربية لنص سيلفان تومكينز التأسيسي الذي وصف العار بـ«مرض الروح» وصور غير منشورة من مشروع «التخيلات الجنسية» لميريام بولس.

حرّرت الملف زينة الحلبي لميغافون وفَمْ-مجلة بيروت الأدبية والفنية، بدعم من مؤسّسة آفاق.

اخترنا لك

أنظمة الذل
14-01-2023
نص
أنظمة الذل
أَعدُّ البقع سنيناً
نص

أَعدُّ البقع سنيناً

عمر مسمار
منظِّر العار وشاعره
دراسة

منظِّر العار وشاعره

زينة الحلبي
Anatomy of a Wound, Disembodied
عين مريم بولس ووجوهها المكشوفة
Shitbag

آخر الأخبار

مراجعة

مسلسل فوضى

سارا أبو الرب
جلسة مع علاء ميناوي
04-02-2023
حديث
جلسة مع علاء ميناوي
هويّةٌ تتحلّل وأمكنة تختفي
 إجوا وراحوا 
إضراب سائقي «توترز»
عامان على اغتيال لقمان سليم
رحيل ليندا مطر (1925 - 2023)