حوار «نصف» العمر مع حامد سنّو
35
دقيقة

أحاول أن أتذكَّر المرّة الأولى التي تعرَّفتُ فيها إلى حامد سنو، لكنَّ ذاكرتي لا تساعدني. أضيع بين تاريخ وآخر، ثمَّ ألجأ إلى إيميلاتي، فأعثر على بعض التواريخ التي تؤكِّد لقاءات بعينها، ولا تلغي لقاءات سابقة. أعرف أني خلال نشري لروايتي الأولى بعيد اشتباكات 7 أيار 2008، أخذتُ أمشي في شوارع المدينة وأصوِّر طبعات الـstencils التي غطَّت الجدران. لم تكن الرسوم المرشوشة بألوان أحادية متعلقة بالاشتباكات، وكانت على الأرجح متروكة على الجدران قبل الأحداث، لكنَّ المشيَ في الشوارع حينها أبرز لي مدينةً أخرى لم أكن منتبهًا لها. اتخذت الرسوم معانيَ جديدة اختلطت فيها مشاعر الحنين والحزن والعنف والغضب السائدة في المدينة.

على الدرج المنحدر قرب الجامعة الأميركية، وجدتُ سلسلة من طبعات الوجوه: «عنيف... طمبوز... كئيب... خايف... مصدوم... مضروب... حمار... قرفان...»، فقرّرت أن أستخدمها في غلاف الرواية. عندما بحثتُ عن صاحب الوجه لأستأذنه، قيل لي إنَّه حامد سنو. لم يفهم حامد عندها طلبي، وقال ما معناه إنَّ الرسوم موجودة في المجال العام ولا ضرورة للاستئذان. كان ذلك التواصل الأول بيننا، ولا أعرف إن كنَّا قد التقينا حينها، أم انقضى الأمر برسائل متبادلة على فايسبوك. لم أجد أثرًا لأيّ تاريخ بهذا الخصوص. 

حطَّ وجه حامد متكرِّرًا على غلاف الرواية. بعد أشهر قليلة، التقيتُه من جديد في إطار العمل على تحقيق يوثِّق الغرافيتي في بيروت لجريدة «السفير». لكنَّ التعامل الأكثر قربًا جاء بعدها في منتصف العام 2010، عندما كنت بصدد نشر روايتي الثانية، وقررتُ أن ألجأ إلى حامد لتصميم الغلاف.

أذكر اللقاء لدرجة أنَّ ذاكرتي ترفعه إلى مصافّ اللقاء الأول. دخل حامد مقهى كافيه يونس بالحمراء لابسًا شورت، ومتسلِّحًا بقبعة، كأنَّه هرب للتوّ من مخيم شبابي صيفي. جلس ضامًّا رجليه في تصرُّف بدا دفاعيًا، وأخذ يشرح لي فكرته عن الغلاف. كان قد زار عدّة مطاعم في منطقة الحمرا التي تدور فيها أحداث الرواية، والتقط بقايا لمناديل وصورًا لشراشف الطاولات التي ودَّ أن يستخدمها في تصميمه. صدرت الرواية بغلاف لا يستلهم تصميمات شراشف الطاولات ومناديل المطاعم، واستعضنا عن ذلك بخيار أكثر مينماليستية، صورة لأربع لمبات إحداها مطفأة، وحذاء نسائي متروك على الغلاف الخلفي. الرواية التي تروي قصة شاب يستكشف ذكورته في المدينة التي تنتظر انفجارًا، تنتهي بالشاب وحيدًا في غرفته حين تنطفئ فيها آخر لمبة، وتغرق الغرفة في الظلام. قَلَب حامد النهاية في الغلاف، وعاد إلى البداية، إلى اللمبة الوحيدة المنطفئة. تلك طريقته في العمل عندما يُطلَب منه تصميمٌ ما، يحاول أن يفهم روح العمل، وغالبًا ما يقرأه، ثمَّ يأتيك بنسخ مختلفة للاتجاهات الفنية لنتناقش بها. 

تكرَّر التعاون في الرواية الأخيرة، عندما قرَّر أن يخفِّف من العناصر التصميمية، ويركِّز على جعل الغلاف بمثابة دفتر المذكرات الأزرق الذي يتركه الوالد المتوفى في الرواية ولا يفهم الابن المتبنَّى ما فيه، ليصير الغلاف نفسه استكمالًا جماليًا للنص الروائي. وعندما التقينا لنقاش اللمسات الفنية الأخيرة في الغلاف، سألني، لِمَ لا أغيِّر ضمائر جورج، العابر جنسيًا الذي يظهر في الربع الأخير من الرواية، من المذكَّر إلى المؤنَّث؟ عدتُ إلى الرواية في تحريرٍ أخير وجرّبتُ اقتراحه، وبدا التغيير جزءًا أصيلًا من مقاطع جورج التي بيدها «مفتاح السرّ وحلّ اللغز».

ليس هذا حوارًا عن «مشروع ليلى» فحسب، المشروع/الفرقة الذي انتهى وبقي في ذاكرة الموسيقى اللبنانية. إنه حوار «نصف» عمر عن ثمانيَة عشر عامًا شكَّلت حامد وشكَّلتني على إيقاع الأحداث في لبنان والمنطقة والعالم. من منافينا «الطوعية» في كندا وأميركا، تحادثنا، وتجادلنا، وتبدَّلت لغاتنا حسب طول الحوار وتَعَبِنا. هذا الحوار، وإن كان لا يمثِّل إلّانا، قد يوفِّر رحلةً للنظر إلى الخلف، والتبصُّر في الحاليّ، والتحضير للمستقبل، في زمن عنيف بلحظاته الفارقة التي تشكِّل العالم الذي نحاول فهمه. 

في رأس بيروت... فقط

ولد حامد لأم تربَّت بين إيطاليا وألمانيا والمغرب، وأبٍ وُلِد في بيروت وسافر إلى أميركا ليدرس الطب ويعمل فيه، قبل أن يعود إلى لبنان. عاش الوالدان في بيروت، حيث عملت الأمّ في الجامعة الأميركية والأب في مستشفى الجامعة. أتاح ذلك لحامد أن يدرس في المدارس الأميركية في رأس بيروت وأن يتخصص لاحقًا في الجامعة الأميركية نفسها.  

يتذكَّر حامد تلك الفترة بين المدرسة والجامعة ووضع عائلته: 

عشت كل حياتي ببيروت. بالبيت كنا نحكي خلطة بين العربي والإنكليزي، بس أكتر شي نحكي بالإنكليزي. ومحل العربي بالبيت كان كتير متعلق بمحل الدين. عيلة بيي متدينين كتير. لما نروح نزورهم نصير عم نحكي قرآن وبالبيت بالإنكليزي. والمدارس يلي رحت عليها كانت الأولوية دايمًا على الإنكليزي مش على العربي.

هلال: إنت درست بالـACS ولا بالـ IC؟ ACS هي مدرسة الجالية الأميركية في بيروت، وIC هي مدرسة الكلية الدولية. كلا المدرستان خاصتان، وتقعان في رأس بيروت بالقرب من الجامعة الآميركية وتلامذتها من طبقة بيروتية عليا.
حامد: أول شي بالـ IC، بعدين تدشَّرت جزئيًا من ورا العربي ومن ورا إجراءات تأديبية.
هلال: شو كان المشكل؟
حامد: كان المشكل بمدرسة الـ IC إنو ما بيعطو علامة تحت الأربعين عادةً. السنة اللي تدشَّرت منها كان عندي 38 بالعربي.
هلال: حزِّت بنفسك الهيئة من هيديك اللحظة؟
حامد: Basically.
يستطرد حامد عن منطقة رأس بيروت التي لم يكن يخرج منها: 

شوي مخجل هيدا الإعتراف، بس حياتي كانت كلها مطوَّقة داخل رأس بيروت. ماما كانت بتعلم بالجامعة. بابا كان يطبب بمستشفى الجامعة. مدرستي كانت هونيك. بيتي كان هونيك. كان عالمي محدود بمنطقة الحمرا الممتدة. ماما كانت تروح تركض على «الغرين فيلد» بالجامعة، ونحن كنا نقعد نلعب بتراكتور مصدي ومش شغال متروك هونيك من إيام الحرب. حياتي كانت داخل قوقعة. بتذكر مرة بيي أخدنا على وسط المدينة لنشوف الركام واشترالنا كعك منفوخ. كنا نطلع على الجبل كتير، ع صوفر. الموضوع شوي مبتذل ينحكى فيه. بس يمكن ضروري بالحياة اللبنانية نصير نحكي بالمصاري بطريقة شفافة اكثر. بيي إجى من محل كان كتير مرتاح ماديًا، وخلال الحرب خسروا هالراحة. قبل الحرب، كان في فترة من الزمن كل العيَل البيارتة يلي معن مصاري، وهيي مصاري ما كان لازم يكون معن ياها، لنكون كمان صريحين، يشتروا بيوت بصوفر. فكمان شوي مخجل الاعتراف (...) بالمدارس ما كنا نتعلم عن الحرب. والتلاميذ اللي كنت معن كانوا عمليًا من نفس الجو. لكون كتير شفاف معك. أنا رحت على هيدول المدارس ببلاش، لأنه ماما كانت تعلم بالجامعة الأميركية. نحنا لو كنا بهيديك الفترة مضطرين إنو ندفع قسط مدرسة مثلا أكيد ما كانوا قدروا أهلي بسجلوني بنفس المدارس. كان موقعنا ماديًّا كتير غريب. يعني في موقع اجتماعي لبيت «سنو»، بس ماديًّا كل شي كان عم يختفي. (...) المهم يعني إنه خارج بعض الأصدقاء اللي كانوا عايشين بكورنيش المزرعة، ما كنت كثير إتحرك برّا قوقعة راس بيروت. والمزرعة ما كان مطرح بعيد.

 هلال: راس بيروت منطقة تاريخيًا فيها ناس من كذا دين، منطقة مرتاحة إجتماعيًا، بس بنفس الوقت كان متاح الذهاب إلها للناس من الطبقة المتوسطة وحتى أدنى من الطبقة الوسطى، خصوصًا بعد ما تدمر وسط البلد. بهيدي الفترة، ما كنتوا تطلعوا ع مطارح تانية؟ عم حاول أفهم إمتى بلشت تتحرك أكتر ببيروت وبراتها ...
حامد: أول مرة بلش يصير عندي وعي طبقي وقت حرب الـ2006.  كان عمري 18 سنة، وكنت عم أتطوع مع جمعية «حلم» لفترة كتير قصيرة قبل ما بلشت الحرب. جمعية «حلم» هي جمعية لبنانية غير ربحية تعمل على تحسين الوضع القانوني والاجتماعي للمثليين جنسياً والعابرين جنسياً ومزدوجي الميول الجنسية (مجتمع الميم عين) في لبنان. خلال الحرب، تحول المركز لمركز اجتماعي لنوصل الأدوية للنازحين بالمدارس. وبتذكر رحت لأسأل ببعض المدارس يللي حولوها لملاجئ شو الأدوية اللي عايزينها الناس، وفي حدا سألني عن طايفتي. ما كنت عارف شي عن تاريخ لبنان أو المنطقة أو...
هلال: بحرب تموز كنت صرت بالجامعة ونقلت من الهايسكول للجامعة بنفس المنطقة. إيمتى بلش يصير عندك شوي إهتمام باللغة العربية؟ إيمتى صارت هيدي النقلة بعد ما كنت تسقط بالعربي بمدرسة الـ IC؟ 
حامد: بعتقد بلشت لما كنت بأول سنة بالجامعة بالـ2005. الجامعة الأميركية بتضلا جوات هيدي القوقعة الطبقية، بس بنفس الوقت في ناس بفوتوا عليها من طبقات مختلفة. كانت أول مرة عنجد بشوف ناس من مناطق مختلفة من لبنان وبتعرف عليهن وبحكي معن. وصرت لاحظ إنه كلن بيحكوا عربي مضبوط، ما عدا الناس اللي راحوا على هيدول المدرستين (الـ IC والـ ACS) أو المدارس الفرنكوفونية اللي متلن. بعتقد فهمت وقتها إنه هيدا اللي بيسموه الـsocial capital. كان وضعي بيضحِّك  كـinterloper (مُندَسّ). قصدي إني ما كنت مرتاح قدّ تربيتي، وما فيي إحكي مع اللي تربيت معهم، وما فيي احكي مع غيرن بنفس الوقت...
هلال: عالق بين الاتنين..
حامد: .. وما بدي كون عم بعمل موسيقى للأغنيا. بصراحة...

اكتشاف المشهد الفني البديل

أحاول أن ألتقط اللحظة الأولى التي بدأ حامد فيها اكتشاف اللغة العربية، لكنَّ الحوار يأخذنا في مسار مختلف لنصل إلى لحظة اكتشاف المشهد الفني البديل في بيروت.

هلال: اكتشفت العربي مع مشروع ليلى ولّا أخدت قبل كورس بالجامعة أو تعرفت على عالم معينة؟
حامد: ما أخدت كورس بالجامعة، ولا تعرفت على عالم. وقت الحرب شفت خيي وأختي قاعدين على البلكون عم يدخنوا، وعم يسمعوا زياد الرحباني. ما كنت أعرف مين زياد. بالـ2005 قبل الحرب، كنت بعدني تحت الـ18، وكان عندي هوية مزورة. رحت مع أختي عالـBO18، كان في حفلة لفرقة Soap Kills. أول مرة كنت بشوف ياسمين حمدان وبسمع موسيقى مش ملتزمة مع نمط معين. كانت أذني كمان منزوعة طبقيًا. عرفت؟ قصدي إني كنت بس أسمع تشتك طمطم، يصير إنه خلص... لأ... تفه! وهيدا للأسف قيمة طبقية، بس لما سمعت ياسمين حمدان عم تغني بالعربي، اعتبرت إنه هيدا الشي لإلي. كان بدي كون متلها بصراحة.
هلال: التقيتوا مع ياسمين وزيد؟
حامد: بعد كذا سنة. تعرفت عليهم، المشهد الفني البديل ببيروت كتير صغير وكتير طبقي. وبوقتا كان أصغر من هلأ، وطبقي أكتر من هلأ.

الرسم على الجدران وطسّها

رغم اهتمام حامد الواضح وقتها بالموسيقى، انتهى دارسًا لاختصاص آخر في الجامعة. 

هلال: لما فتت عالجامعة قررت تتعلم غرافيك ديزاين...
حامد: أنا كنت ع أساس أعمل طب. عيلتي كان بدهم ياني أعمل طب. أنا كان بدي أعمل موسيقى أو أدب إنكليزي. ومع انو إمي بتعلم إنكليزي، كان في رفض تام لهالموضوع. وأصلًا ما كان فيي إتعلم موسيقى برات الكونسرفتوار، وبوقتها ما كانت تعنيلي الأنماط الموسيقية اللي بيعلموها. الكونسرفتوار هو المعهد الوطني اللبناني العالي للموسيقى، يقدم للخريجين منه الشهادات الموسيقية والشهادات الجامعية من إجازة ودراسات عليا وماجستير.. بعدين صارت الحرب، وغيرت رأيي. أختي درست غرافيك ديزاين قبلي. وشفت منها، خلال سنة الـFreshman اللي قضيتها بالجامعة بلا ما يكون عندي اختصاص، نمط الحياة الثقافية داخل كلية العمارة والتصميم بالجامعة. كنت بحسهم عندن إيدين بكل شي عم يصير ثقافيًا بالمدينة. براسي الديزاين كان صار أقرب شي للتخصص الفني اللي كان ممكن أعمله، فقلبت ديزاين. الـFreshman: برنامج السنة الأولى، الذي تُقدّمه كلية الآداب والعلوم في الجامعة الأمريكية في بيروت، وهو برنامجٌ يستمرّ عامًا كاملًا، يدرس الطلاب فيه مجموعةً متنوعةً من المقررات الدراسية في العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية والرياضيات، بالإضافة إلى متطلباتٍ خاصةٍ بالتخصص، قبل الانتقال إلى السنة الثانية.
هلال: بهالفترة بلشت كمان تعمل Stencils وغرافيتي. مذكَّر أول مرة رحت رسمت على حيط ببيروت؟
حامد: حتى بوقتها ما طلعت من راس بيروت. رشيت بالدرج اللي حد الجامعة الأميركية، وبالحمرا وبالزواريب براس بيروت لحامد طبعة مشهورة هي أم كلثوم تغني «بوس الواوا». في حدا رش على حيطان الاستديو اللي كنت أشتغل فيه بالجامعة: «Hamed is a faggot» (حامد لوطي). كانت سنين لذيذة يعني… وإجى ع بالي روح رش. (..) كنت رش مع ناس من جامعة الألبا. لما كان عمري 19 سنة كانت حياتي أسهل من ناحية قدرتي على التواصل الإجتماعي… ما كان عندي هيدا الخوف من البشر متل هلأ. (...) بس كمان الألبا من نفس الفقاعة. فمثلاً لما يكون في معرض غرافيك ديزاين بالجامعة الأميركية يجوا ناس من الألبا، بتلاقي حدا لابس بطريقة معينة تقول هيدي شكلا راسها حلو بتفتح حديث! ما بعرف كيف كنت إتعرف على العالم بصراحة. كان قلبي اقوى. فإي... كان في ناس من الألبا وكنّا نروح نطسِّس سوا. الألبا هي الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، وهي جامعة خاصة يقع حرمها خارج منطقة رأس بيروت.

عن الخبيط والرجال

يستطرد حامد محاولًا فهم لماذا تأخر في خروجه من المساحة الضيقة في رأس بيروت:

يا ريت ما كنت هالقد خايف إطلع برا راس بيروت. كان فيي إتعلم أكثر لو حاولت حاور المدينة. بس كان عندي خوف. يمكن جزء منه طبقي، وجزء منه بصراحة كان كمية الخبيط اللي أكلتها بالمدرسة من ورا تعبيري الجندري وميولي الجنسية. ما بعرف ليه ما بحياتي قدرت إني خبّي هالشي. والناس صارت تقوللي عن حالي، قبل ما أنا أعرف عن حالي. كتير أكلت خبيط وكنت خاف إطلع برات هالفقاعة الزغيرة اللي كنت فيها وكنت خاف من الرجال.

هلال: لما نحكي خبيط، قصدك خبيط جسدي أو هيك تعنيف لفظي وتسميع حكي؟
حامد: الاتنين. لما كنت بالـIC، غالباً كان في ضرب جسدي وتصرفات ما كنت بوقتها إفهمها كانتهاك جنسي. هلأ صرت إفهمها غير. كان في كتير من الشعور بالعار (استخدم حامد كلمة Shame)، وخجل من جسمي. كنت خاف من الرجال. 
هلال: إيمتى قدرت تطلع منها؟ إيمتى عدت فهمت هيدي الإشيا اللي بتقطع وبلحظتها ما بتعرف تحط عليهن معنى؟
حامد: الجامعة ساعدت. وتعرفت على أشخاص كانت آراؤن عن الجندر والجنسانية مختلفة. بتذكر كنا بصف فلسفة بأول سنة جامعة، وكنت أنا إستحي قول إنو المثليين بحقلّن يعملوا اللي بدن ياه. كنت بحس إذا بقول هيدا الرأي علنًا ح إنفضح. تعرفت على ناس مختلفين. قريت نيتشه لأول مرة بحياتي، وكتير غيّرلي مفهومي عن علاقتي بالأخلاق اللي ورثتها من عيلتي. وتعرفت على صاحبي الأول، وصرت روح على «حلم» معه. تغيرت أفكاري. وقريت ربيع علم الدين أول مرة كمان كتير تغيرت أفكاري. (يضحك). Koolaids وI, the devine، وع فترة كنت عم جرب لاقي نص The Perve. بس ما كنت قادر لاقيه. بعتقد الكل بيتغير أول سنة جامعة. ما بقى عم نحكي عن أطفال.

لحظة المشروع: «الجعارية» والغرام الأول

أحاول أن التقط لحظة الجامعة الأميركية لأفهم من حامد كيف كان المشهد قبل انطلاق «مشروع ليلى»:

أنا كنت جعاري. كنت قفي صفوف وغني بالـGreen Oval، وإطرش الجامعة. الكل كان يعرف إني بغني، أو بحاول غني بالأحرى.

بتذكر إني اشتغلت مع كارل (جرجس) قبل ما نبلش هندسة. واشتغلت مع فراس (أبو فخر) قبل ما نبلش. وبتذكر إنه كنا نتطلع ع أمية (ملاعب)، إنو مين هالمرا؟ (يبتسم) كانت وقتها حالقة راسها. She looked so bad ass، وما إلها جلادة الذكورية. كانت عنجد شخص ما بحياتي كنت بفكر إنه ممكن إتعرف عليها. بس كل ما تمرق بتطلع عليها، إنه مين هالكائن الرائع! لما بلشنا هندسة وديزاين، كنت بعدني جعاري وبعتقد كنت إزعج كتير من الناس من قد ما صوتي عالي… يمكن هيدا كان الرياكشن تبعي لكمية العنف والمعايرة... ردة الفعل ع شعوري بالعار كان إني كون مزعج وكتير صوتي عالي. هلأ إذا بفكر بالموضوع بعمل stress من قد ما بستحي من حالي. كنت كتير كتير عالي. مساحة خضراء بيضاوية الشكل تقع بين كليات الجامعة الأميركية في بيروت يلتقي فيها التلاميذ بين الصفوف الدراسية.

يمضي حامد في شرح كيف انطلق «مشروع ليلى».

حامد: هايغ (بابازيان) وأمية (ملاعب) وأندريه (شديد) وضعوا فلاير إنه بدهن يبلشوا فرقة مع ناس من قسم الهندسة. وبلشنا نعمل موسيقى سوا.
هلال: لما كنتوا تجتمعوا مع بعض، كنتوا تعزفوا أغاني لناس غير ولّا كنتوا تعملوا Jamming ولا شو بالظبط؟
حامد: كان عنا قانونين لما بلشنا. كل الأغاني لازم تكون بالعربي إذا ح يكون في كلام، وما منعمل Covers.
هلال: مين اللي حط هذا الشرط تبع العربي؟ إنت؟
حامد: بعتقد الشي صار عضويًا. بتذكر كمان الثقافة بهيدا البروغرام بالجامعة. كنت تحسّ وكأن كتير من المفكرين والمصممين والمهندسين كإنن راحوا تخبّوا بالـAUB بعد ما فرط الإتحاد السوفياتي، أو فرط الحزب الشيوعي. ثقافة القسم كانت يسارية. بقى فكرة اللغة وإنو الواحد ما يجرب يتعالى على الثقافة يلي جايي منها كانت جزء من الهوا اللي كنا نتنفسه كل يوم.
هلال: لما بلشتوا تشتغلوا مع بعض موسيقى، كان يحصل صدامات ولا كنتوا تلاقوا حالكم بتشبهوا بعض؟ 
حامد: إذا بتطلَّع على أذواقنا من خارج غرفة التمرين، بلاقي إنا ما كنا هلقد مختلفين عن بعض- بالأشيا اللي كنا عم نستهلكا. هل كان في إحتكاكات؟ إي. كل الوقت. بس بعتقد الاحتكاك فادنا كتير.
هلال: هل كان في ناس بالفريق عندهم ذائقة بالموسيقى العربية مثلًا؟
حامد: أنا وهايغ وأمية كنا نسمع كتير طرب بهيديك الفترة.
هلال: إنت كنت تسمع طرب بهديك الفترة؟
حامد: أنا تعرفت على شاب انغرمت فيه. ولما زبلني، قال لي إنو الناس اللي من «جامعاتنا» ما بيعرفوا شي عن ثقافتهم وناكرين لأصلهم. ما كان عندي هيدا الوعي بس كان عندي… شو اسم الذنب يلي بيجي قبل… شو الكلمة؟ Pre-emptive guilt (شعور استباقي بالذنب). بعد ما تركني، صرت عم فتش بشكل هوسي لحاول إفهم شو يعني هوية، وشو يعني هوية عربية، وشو يعني الواحد يكون عربي، وأصلاً ليه هيدا الشي مهمّ؟
هلال: مذكّر أول هوس بالموسيقى العربية شو كان؟ هل كان في مثلًا مغنية أو مغني أو نمط موسيقي معيَّن؟
حامد: كان في شريط واحد لنور الهدى كنت كتير حبه. كنت كتير حب صوت أسمهان. كنت إسمع معه لهيدا الشاب أم كلثوم. فصرت حس إنو لازم صير حبّْ أم كلثوم.

في مصر: عن محيي الدين اللبّاد ورشا السلطي

كانت مفاجأة لي خلال الحوار أن أعرف أنَّ حامد سنو تدرَّب في مكتب الفنان المصري محيي الدين اللبَّاد بعيد إصدار الألبوم الأول للفرقة:

بصيف تالت سنة جامعة من الاختصاص في القسم، المفروض التلاميذ بيروحوا يعملوا ستاج بمكاتب تصميم وهندسة. عادةً بيحاولوا التلاميذ يلاقوا ستاج بأوروبا. أنا كان بعد عندي هيدا الذنب (تبع الهوية)، فرحت على القاهرة ودرست مع محيي الدين اللبَّاد.

هلال: شو اشتغلت معو؟
حامد: كان المفروض نشتغل على التصميم بس يمكن هو كان تعبان بوقتها. واللي صار كان كتير حلو بصراحة: كنت روح لعنده كل يوم، وما نشتغل. كان بس يحكيني عن حياته. بس يقللي قصص عن الحرب، ويقللي أسامي ناس ما كنت أعرف مين هني. بعتقد لو هلأ خبرني هدول الأسامي، كنت فهمت أكتر عن شو كان عم يحكي. بس بوقتا، ما كنت إفهم شي عم يقلي ياه عن الطريقة اللي بلش فيها الشغل مع جريدة السفير بالسبعينات، ودار الفتى العربي… كانت متل مقابلة كتير طويلة امتدت على فترة شهر وما فهمت منها شي. وكنت عم دخن كتير بانجو (يضحك).
هلال: شو كان تأثير إنك تسافر لحالك أول مرة عالقاهرة؟
حامد: برضو ما كنت كليًا لحالي. كنت مع رشا السلطي. رشا كانت عم تكتب مقال عن الغرافيتي ببيروت، ولقتني. وكانت أول شخص أكبر مني بحسه حاول يستثمر براسي. صارت تعطيني نصوص إقراها. بتذكر عمري 19 أو 20 سنة- يعني رشا عم تحكي مع طفل عمليًا- عن النظريات الإجتماعية والنظريات الثقافية. رحت معها عالقاهرة أول مرة قبل ما أعمل الستاج، لإتعرف عليه لمحيي الدين اللبَّاد. هيي كانت بتعرفه لمحيي الدين، يمكن كان هيدا كم شهر قبل الثورة. بتذكر كان مبارك بعد عندو شرطة على كل زاوية بالقاهرة بمنطقة وسط المدينة وحولها. كنت بتحس الناس مخنوقين. وكان وقت مثير للاهتمام إنك تكون هونيك. وكمان حسيت حالي ما بفهم شي وعم بحكي مع مصاروة بيعرفوا كتير اكتر عن تاريخ الثقافة العربية، خاصةً الثقافة المصرية، وأنا ما بعرف شي. ما كنت شوف أفلام مصرية. حسيت حالي غبي يعني.

العمل على الألبوم الأول

بعد تكرار فشل محاولاتي لمعرفة كيف انتقل حامد للكتابة بالعربية، حاولتُ أن أعرف منه الأغنية الأولى التي كتبها للفرقة:

«عبوة».. و«إمبلبللح» كنت أنا شاغل على نسخ منها من قبل بكلام تاني. (يضحك مستدركًا قبل أن يمضي في الحديث) جبت لابتوب ماك-بوك أول ما فتت عالجامعة، وكان يجي معه Garage band. ع أيامها كتير كنت حشِّش مع صحابي، وإقرط بارانويا. أهرب مع اللابتوب عالبيت روح أعمل موسيقى. بس شو موسيقى؟ إنه ماشي يلا: عم نصرخ عاللابتوب ونخبط. ف-حاصله بعض الأفكار يلي كنت مسجلهم، رجعنا اشتغلنا عليهم كفرقة. «إمبلبللح» كانت واحدة منهم. بس إنه نصوص كاملة؟ لأ. ما كنت كاتب شي قبل الفرقة.

بعض العناصر المستخدمة في الصورة من أعمال سابقة لمشروع ليلى

هلال: لما بلشتوا تشتغلوا على الموسيقى، مذكر أول مرة بلشتوا تعملوا بروفا كاملة أو تتشكل غنية إنتو كتبتوها؟
حامد: غنية «عبوة». الفورم تبعها كتير كان بيسهِّل الكتابة. فيه متل لازمة. قالب موسيقي، ولحن موسيقي. هايغ بيلعبه على الكمان وبعدين منرجع كلنا ع شي بالوسط. بيرجع أندريه بيلعبه ع الغيتار منرجع كلنا ع شي عالوسط. أمية عالكيبورد ومنرجع كلنا عالوسط. مثل جملة عم نتداولها بين بعض. «عبوة» كتير سهّلت إنه نكون عم نكتب سوا بلا ما نكون كتير متناسقين سوا، لأن عم نفتح مجال لبعض كل واحد يعمل شغلته ويرجع عالنُّص.
هلال: هل هاي كانت اللحظة اللي حسيتوا فيها إنو هالتمرين على الموسيقى ممكن يوصل لشي ولا كنتوا مقررين إنو بدكم تشتغلو شي خاص؟
حامد: كنا مقررين إنه بدنا نشتغل شي خاص فينا من الأول. بس ما بعتقد حدا منا كان مفكر إنو حنوصل لمحل.
هلال: أي غنية بعد «عبوة» إستصعبتوها بالكلام وبالموسيقى، وحسيتوا حصل فيها نقلة وخرق؟ 
حامد: الأغاني اللي حطيناها على الـEP للمسابقة بالـ2008 كانت كل الأغاني اللي كنا كاتبينها بوقتها. «عبوة»، وكان في أغنية اسمها «خماسية». كنا عم نتفزلك ع بعض ونلعب بـtime signature 5/4 بدل ما نلعب 4/4. بوقتها، كان لإلنا كتير صعب، لما هو بالفعل شي كتير بديهي، بس نحنا ما كنا «موسيقيين». كان في كمان تراك بيشبه «عبوة» من مبدأ إنو الواحد ياخد اللازمة ويعمل شي فيها ويرجع على الوسط، اسمه «زوترين». كان في طقطوقة اسمها «عروس». وكان في «إمبمبللح» و«شم الياسمين». و«شم الياسمين» صارت عفوياً بآخر لحظة. كانت غنية كتير شخصية لإلي. كان عندي غيتار وكتبت الغنية لحالي بالبيت، ورجعت أخدتا للفرقة، وهني عمَّروا على اللي كنت كاتبه، وزادولها اللزمة (bridge). بعتقد بعد المسابقة كتبنا «فساتين». وكسخت هالغنية، وما بتذكر شو كمان كان في ع هالألبوم صراحة.
هلال: ليش كسختها هالغنية؟
حامد: (يتفادى الرد) غريب الواحد يعمل غوغل لحاله. (يبحث على غوغل) أوكي... خلينا نشوف تراك لستينغ. «من الطابور» كانت شي عملناه بعدين. «لتلت» كانت بعدين.

عن الجوّ السياسي والأغنية «التفه»

أحاول أن أفهم من حامد مدى تأثير الجو السياسي اللبناني حينها بعد العام 2008 على عمل الفرقة الأول، وأن أفهم سبب حرجه من أغنية «فساتين»:

في نوع من الإشمئزاز، أو الإحراج، بتحس فيه وكأنك عم تطلّع على طفل عم يحكي كلام كتير أكبر منه وبتستحي، مش بس بتستحي عنه للطفل، بتستحي حتى عن نفسك كشاهد للفضيحة. هيك بحس بس إسمع «فساتين». كرينج. Exposed، وما لازم حدا يشوف هيدا الشي. 

هلال: بوقت الألبوم الأول كان البلد طالع من مشكل سياسي. كان في إستقطاب، وبغنية «رقصة ليلى» بتقول إنه «أنا بيني وبينك سياستين». بتحس بالألبوم في إشيا إلها علاقة بالشارع. الطابور، العبوة، الحاجز، اللتلتة، حتى «إمبمبللح» و«باصات زنتوت». ما بعرف أصلًا إنت كيف ركبتا لـ«زنتوت»، وعملتها مسبة بالغنية. كأن هيدا الألبوم هو نتاج هيدي المرحلة، ولّا ما كنتو كتير تفكروا بهالإشيا؟
حامد: بتعرف… لهاللحظة كنت ناسي إنه في كلمة زنتوت، وإنها بتعني باصات، وإني استعملتها؟ نسيت كليًا. بوقتا كنت إبحش بكتاب أقوال بيروتية، وإسأل الناس حولي. والسبب ورا الإشارات الشعبية متل «زنتوت»، هو هيدي المساءلة. عفواً شو كان سؤالك؟
هلال: عم بسأل هل كان هيدا الألبوم نتاج تعرّضكن بهيداك الوقت للجو السياسي ولا كنتوا عازلين حالكن عن هيدا الجو العام؟
حامد: كنا مندمجين بالسياسة بالبلد. أنا بسنة الفرشمن فتت ع «بلا حدود». وكان عندي متل تأليه لسمير قصير. بصراحة، ما كنت إفهم. بعدني كتير بحترمه لقصير ككاتب ومفكر، بس فيه إشيا فينا نغالطها بسياسات أغلب مفكرين وسياسيين هيدي الحقبة. وقت أول ألبوم، كان عمري 19 أو 20 سنة، وعم بوعى على واقع سياسي بشع، وعم جرب إفهم... كلنا بالفريق كنا عم نجرب نفهم وين عايشين. وبعتقد هيدي الأسئلة انعكست بالموسيقى... بس بنفس الوقت كان في شي مبتذل و… عم بجرب لاقي الكلمة... «بلا حدود» منظمة يسارية نشطت في حرم الجامعة الأميركية بين العامين ١٩٩٧ و ٢٠١٣.
هلال: …سآلة وعنف وزناخة الجو العام اللبناني؟
حامد: لا... لا... قصدي بالموسيقى... بعتقد كنت عم جرّب إستعير نمط من الإلقاء، وإدحش حالي فيه لحتى قول... إنو أوكي هيدي المشاكل اللي عنا ياها. في طائفية... في عنصرية… كسخت السياسة... كسخت الدين. أوكي... والمثلية الجنسية ح جرّب إدحشها. بتذكر مرة سألتني رشا السلطي كيف ح تألف؟ قلتلها رح آخد هيدي الليستة ورح جرب فوِّت سؤال الحرية الجنسية بهيدا المشروع. فلمّا قلتلك كسخت غنية «فساتين» مثلاً، قصدي إني ما بصدق إني رحت وكتبت على ورقة «بتتذكري كنتي تحبيني/ مع إنه مش داخل دينك...»، وغنّيتها بالتمرين وكان في ست أشخاص حولي قالوا إي، أوكي، تمام. بعدين رحنا سجلناها والناس اللي عم يسجلوا ما قالوا شي. بعدين في جمهور سمع هيدا الشي وقال: «أوكي». ولاو! كسخت هالكلمات المبتذلة بشكل، ما بتقطع! 
هلال: ليك هيدا الـPerception الفني تبعك. بس بتتفاجأ كيف أوقات إشيا عادية أو إشيا إنت بتلاقيها فنّيًا مبتذلة بصير عندا mass audience. كإنه جمهور العمل بيتجاوزك بالمعنى أو بالمستوى الفني تبعك…
حامد: من ناحية التجاوز، أنا معك بهاي الفكرة. بس لإلي كان في رغبة إني عبِّر بالأغاني، حاول إني to normalize… شو الكلمة بالعربي؟
هلال: تطبيع... ما في غيرا. (أضحك)
حامد: طيب. جرب إنه to normalize الزواج مدني، (مع كامل السذاجة الليبرالية وكأن التطبيع هو الحاجز الوحيد) وهيك قررت أكتب؟ ولاو؟ لما حدا يسمعها ويخلق معنى مختلف، أوكي، بس هني ما عم بفكروا إنه في فنان جرب يطبِّع شي… (يضحك) وإنه فكر إنو هيدي هيي الأغنية اللي ح توصل لهالشي. تفه يا ألله!
هلال: إمتى وقفت تقول «تفه» على الإشيا اللي اشتغلتا؟ مع الألبوم التاني ولا بتضلك بتقول «تفه»؟ 
حامد: بضل قول «تفه» ع الإشيا اللي عملتا. بس بعتقد في جانب غريب بـ«الحل رومانسي» وبـ«رقصوك»، وحتى بـ«إبن الليل». إذا برجع هلأ، وبسمع الأغاني، بحس كأني كنت عم إتنبأ مستقبل حياتي. عرفت؟ كنت عم بكتب عن مواضيع ما كنت بالضرورة عم مرّ فيها كاختبارات بهيداك الوقت. ثقل الفشل السياسي اللي كتبت عنه بـ«الحل الرومانسي» ما حسيته لبعد كذا سنة يمكن لأنو (بعتذر، صرت عم حلِّل حالي نفسيا)... يمكن لأنه الذنب والعار محركين أساسيين بحياتي وعشان هيك كنت عم إكتب عنهم بالأغاني.

الحل رومانسي بس... مش غلط

أحاول أن أنتقل مع حامد لفهم ماذا تغيَّر من الألبوم الأول للألبوم الثاني «الحل رومانسي»، وأن أتعمق معه في فكرة التشيك-ليست التي اتَّبعها في الألبوم الأول وإن كان ابتعد عنها لاحقًا. 

بالكتابة، الـcheck list بنفسه ما ضروري يكون نموذج سيّئ. بس ما كنت عم بكتب بطريقة عضوية. ولو إني أبداً ما كنت ولا صرت كاتب عضوي، في كمية شغل ضروري تنعمل لحتى يبيِّن النص وكأنه عضوي، أو عفوي، أو طبيعي. «رقصة ليلى» مثلًا، ابتدأت بتمرين كتابة من الفنانين السورياليي وقررنا نعملها.

بعض العناصر المستخدمة في الصورة من أعمال سابقة لمشروع ليلى

هلال: ألبوم «الحل رومانسي» كإنه مكتوب بعد علاقة عاطفية فاشلة. هالألبوم، مقارنةً بالألبوم الأول، منرجع فيه على الأوضة، وكل شي صاير بالخارج هو صاير حوالين هيدي الأوضة. كأن الغضب اللي بأول ألبوم قل كتير لصالح الإحساس بالفشل. كيف انكتب هيدا الألبوم؟
حامد: كنت عم بمرق بفترة فشل صعبة بعد انتهاء العلاقة اللي كنت عم بقلك عنها من قبل. أول شي كتبت «شم الياسمين»، وهالشخص كان أول «حب كبير» بحياتي. أول كسفة حب. ما بعرف ليه هالقد تأثرت عاطفيًا وعقليًا. مريت بفترة كتير صعبة شخصيًا. وقفت آكل على فترة. غبت عن وعيي وفتت عالمستشفى. صرت إشرب متل الحيوان. سقطت فصل بكامله بالجامعة. كنت قفّي صفوف لإقرأ ألبرت حوراني وفواز طرابلسي لحاول إفهم تاريخ العالم العربي وعوض عن النقص بالهوية اللي حسيته. وطبشت... كان عنا حفلة بيبلوس الأولى وكتبنا أغلبية الأغاني من هيدا الألبوم لهالحفلة.
هلال: بتذكر عملتو حفلة بسباق الخيل ببيروت إذا مني غلطان. هيدي كانت أول مرة بحضركن...
حامد: كتبنا كتير من الموسيقى تبع «الحل رومانسي» لنلعب حفلة بيبلوس. رجعنا نظفنا الموسيقى وسجلنا الألبوم، ولعبنا بسباق الخيل لنطلق الألبوم. قبل حفلة سباق الخيل، لعبنا بمهرجان exit بصربيا وشفنا فرق عالمية وطريقة شغلهم عالمسرح. تعلمنا كتير منه، حتى بمحلات سخيفة. كنا عم نفكر بالسينوغرافيا من أيام حفلة بيبلوس، لما حطينا تلفزيونات واللي هوي… بحفلة سباق الخيل حطينا مسرحين، وكات-ووك بين المسرحين. وبس إيه بعتقد لما بلشنا نلعب حول العالم ونشوف فرق كتير منحبا ومنقدر نتعلم من اللي عم يعملوه عالمسرح، ضل هيدا الإهتمام بالجانب البصري للحفلة جزء مهم من شغلنا.
هلال: بمواضيع الألبوم كان عندك فكرة مسبقة عن شو بدك تكتب؟
حامد: كان عنا أسبوعين ببحمدون. رحنا قعدنا ببيت لنكتب موسيقى سوا وتخانقنا كتير، وأنا كنت عم جرب عيد فصل بالجامعة. كانت فترة صعبة. فيللي صار هو إنو كنا فعلاً بأوضة على أسبوعين، وكنت عم بكتب من أوضة. وصارت الأوضة إطار للألبوم. بأول ألبوم كتبنا عن العالم الخارجي، بس شو بصير جوات البيت؟ كان بدي إتطلَّع على الرواسب السياسية جوات الحياة الداخلية، الحياة الشخصية، الحياة المنزلية. «الحل رومانسي» هيي غنية عن الإقتصاد مثلاً، وفكرة من الكاتبتين باربارا إيرينرايش وديردري إنغلش. و«إني منيح» هي من أكتر الأغاني المسيّسة اللي كتبتها.. 

عن الفشل السياسي وكيفية استعادة الأمل

من «إني منيح»، يتفرع الحديث مع حامد باتجاه السياسة وفشل الثورات العربية وكيفية إعادة الأمل:

هلأ لما حاول إفهم، بعدني ما بفهم. بس لما جرب إفهم شو صار بثورات الربيع العربي والمظاهرات بلبنان والفشل اللي صار، بيضل عندي السؤال الرئيسي. كيف بتعيد الأمل بعد الفشل السياسي؟ كيف بترجع الناس على التحرير؟ ع ساحة التحرير؟ بعدني ما بعرف كيف جاوب ع هيدا السؤال، بس بعتقد إنه نحنا وصلنا على محل كنا عم ننزل عالشارع كأفراد مش كمجموعات، أو أحزاب، أو كجماعات منظمة وما في حزب بيقدر- بعتذر، بعرف إنه هيدا شي إسمه vanguardism (مفهوم الطليعية) بس- ما كان في حزب بيقدر يستقطب هيدي الطاقة السياسية ويوجهها لعمل منظم. لمشروع أطول. فيللي صار بكتير من ثورات الـ2011، وبعدها، هوي إنهم نطرونا لنتعب، ولما تعبنا بطّل في شي؟ عرفت؟ وهنّي كمّلوا. وبعده سؤال مهم إنه كيف بترجِّع سياسة المجتمع أو السياسة الإجتماعية لفرد راحت منه الطاقة السياسية؟

هلال: هل بتحسّ هيدا الشي لأن العالم بيكونوا بقلب اللحظة وعم يتعاطوا مع أحداث كتير آنية، بس هني منن كتير مسلحين بـ... إنت سمّيته الحزب أنا ح سمّيه النظري... منهم كتير مسلحين بالنظري، النظري اللي ممكن يصير شي عملي؟ يعني مسحوبين مع اللحظة، ولما اللحظة بتتبخر، كل شي بيتبخر معها؟
حامد: I think there is only so much we should expect of people. 
أنا بعلّم بالجامعة وبعمل موسيقى: نظريًا، المفروض يكون عندي كل وقت العالم لأقعد إخلق نظريتي وفهِّمها للناس، وعيش عبر هيدا الشي، بس هيدا كتير بيستنزف وقت، وصعب. وبفهم إنه كتير من العالم ما عندهم وقت لهالشي. فَإي… الكل عايش بالحظة، بس بعدين عندك الحزب السياسي اللي مهمته إنه يمشّي هالطاقة السياسية بمسار سياسي، وهالشي مش موجود. (...) في كتاب إسمه If We Burn لكاتب إسمه Vincent Bevins، عن اللي بيسميه «عقد الإحتجاجات» من وول-ستريت وعالميًا عن الربيع العربي، وعن ليه صارت كل هالإحتجاجات على فترة عقد. كان كل شهر في بلد عم يبجّ بالإحتجاجات، وما صار في تغيير ثوري بأي من هالبلاد، وبيحاول يفهم أسباب هيدا الفشل.

«رقصوك» في بعلبك والحملة من الصحافة الفنية اللبنانية

أصل مع حامد إلى ألبوم «رقصوك» وأحاول فهمَ كيف صار للفرقة امتداد عربي سريع ومدى انعكاس ذلك على الكتابة:

الأغاني اللي بـ«رقصوك» كتبناها لحفلة بعلبك. دايما كان عنا هيك ديدلاين. أنا براسي ما بشتغل غير هيك. ما بتقلي إنو لازم سلم شي بكرا ما بجاوب... ما بجاوب إيميلات. ما بجاوب. أوكي خلص الوقت...

بعض العناصر المستخدمة في الصورة من أعمال سابقة لمشروع ليلى

هلال: الألبوم التاني «الحل رومانسي» طلع بطفرة الحراكات الشعبية والثورات، فكان فيه أرض خصبة لتنتشر أغانيه. عملتوا بعده «رقصوك» بـ2013 اللي هيي سنة بداية الإنحدار. بـ«رقصوك» كنتوا عم تحاولوا تطلعوا من السياق اللبناني، أو من الأوضة لأوضة أكبر. «رقصوك» إجى مع إمتدادكم العربي ولا قبله، وهل كنتوا عم تحضروا لهالإمتداد بالكتابة؟ 
حامد: الإمتداد العربي صار كتير بسرعة على الفرقة. بلش مع أول ألبوم. حتى قبل ما نطلع «الحل رومانسي». بحفلة بيبلوس كان فيها فرقة غوريلاز عم يلعبوا بالمهرجان، وكارل جرجس كان كتير يحب غوريلاز، وقررنا إنه بدنا نعمل cover لواحدة من أغانيهم اللي هيي «كلينت إيستوود»، وطلعت تحت عنوان «غدًا يوم أفضل». هيي عالسطح ما المفروض تنقرى كنصّ مسيَّس. كنا بس متحمسين إنو عم نلعب بمهرجان مع فنانين منحبهم. وصارت الثورات، وصارت تنلعب «غدًا يوم أفضل» بالتحرير، والناس تقراها كنص سياسي. كان في أرض كتير خصبة، كان في جوع بوقتها لتسييس كل شي، ولقيت حالي بهيدا الموقع تبع الرجّال اللي عم يخاطب العالم، كسختا. فهمت شو قصدي؟
هلال: بس عدتوا كملتوا بنفس المسار بعد هالغنية. طلّعتوا «ونعيد ونعيد ونعيد» و«للوطن» و«رقصوك». تقريبا كلهم من نفس الجو اللي كان وقتها نوعًا ما دعوة للإشتباك أكتر بالمجال العام؟ ح ارجع إسألك نفس السؤال. بطلت تقول «تفه» على هالأغاني مقارنة بالـ«تفه» ع «فساتين»؟
حامد: بعتقد من «الحل رومانسي» وجرّ، فهمت إنو أوكي خلص… صار في جمهور، وصرت عم بدرس اللي عم بعمله أكتر. طبعاً بيضل عندي شوية «تفه» على كل شغلي، لأنه كان ممكن أعمل أحسن، بس مش نفس كمية الإحراج. 
هلال: مش نفس الكرينج تبعيت الغنية بأول ألبوم...
حامد: إيه... عندي شوية قرف من ليبرالية إنو- كيف بنص دين فشل كل هالثورات- كنت عم بحكي عن علاقة الفرد بالمجتمع. لما المفروض تكون سياستي إجتماعية وجماعية أكثر من هيك. بس برضو، أسهل لإلي إني أتعاطف مع نفسي ككاتب بهيدول المراحل من أول ألبوم.
هلال: بتذكر صار مشكلة وقت حفلة بعلبك، وانكتب عنها بالصحافة اللبنانية الفنية...
حامد: كان في كذا مشكلة بحفلة «بعلبك». لما أُعلن عن الحفلة، انكتب مقالات إنه «ليش هيدي الفرقة عم ينعطاهن مساحة بهالمهرجان»، ومنكّهة بالهوموفوبيا المبطنة اللي كتير أنا بحبها بلبنان، اللي بتقول مثلاً إنه طبعا كل المثليين هني سطحيين. من بين المقالات، كان في مقال بيقول إنو البرهان عن سطحية الكلام موجود بكلمات أغنية «إم الجاكيت»، اللي هني كلمات لعمر الزعني، مش كلماتي إلي، وآسف يعني بس إنه حدا يقول إن عمر الزعني سطحي… إنه ولاو! مش عاملين شغلن، وعم بقولوا إني شخص ما بيعمل شغله. لما طلعت على المسرح بالمقدمة تبع «لتلت»، كنت عم سبسب كتير، وهيدا الشي مبلى بندم عليه كتير. بكره إني استعملت كلمة «معاق».
 هلال: هل هيي نوع المسبة؟ ولا السب بشكل عام؟
حامد: ما عندي مشكلة مع فكرة السب بشكل عام. عندي مشكلة مع هالمسبة تحديدًا. بحس السب كتير مثير للاهتمام، كيف بيطلع، من وين، وشو بيعمل، وليش. ما عندي مشكلة بلغة المسبات. بس إنه هالمسبة كانت تمييزية، ومؤذية لأفراد مش هني المعنيين بالمسبة. في إحراج من الفشل اللغوي. ما حدا منا بيخلق سياسته كاملة وما عنده شي يتعلمه. بعرف حالي بأي مجتمع ربيت، وشو الإشيا اللي تعلمتها، وقَّفت إتوقع إنه الناس تطلع من مجتمعاتها الخرى من دون ما تطرش خرا علينا.

المريخ  والميثولوجيا في «ابن الليل»

نحاول أن ننتقل إلى «ابن الليل» لكنّ حامد يتوقف ليتذكَّر  تفاصيل من حفلة بعلبك:

بيي بلش يموت السنة تبع حفلة بعلبك. أنا كنت عم بشرب وإتعاطى متل الحيوان لدرجة إنو الليلتين قبل حفلة بعلبك، راح صوتي. صار معي نزيف على الأوتار الصوتية. بيي، هوي عم يعمل كيماوي، قرط مشوار ع بعلبك ليعطيني إبر منشطات لأقدر صرِّخ بدل ما غني. كان رايح صوتي كليًّا. كنا عاملين ديل مع شركة إنتاج ليجوا يسجلوا الحفلة ونحط دي.في.دي. أول مرة منعمل هيك، وصوتي رايح. إذا بتفرجيني فيديوهات من حفلة بعلبك، عندي نفس العلاقة معن يلي عندي ياها مع غنية «فساتين»، ما فيي. بتوتّر وبصير بدي إبكي.

هلال:  بما إنكن كنتوا تشتغلوا لديدلاينز، شو كان الديدلاين للألبوم الرابع «ابن الليل»؟
حامد: عم جرب إتذكر إذا حفلة «الباربيكان» إجت قبل الألبوم أو لأنه خلصنا الألبوم. بس إيه كان عنا حفل إطلاق كبير. كنا حاجزين استوديو بباريس لنسجل فيه قبل الحفلة. (...) كل هيدي الفترة بعد ألبوم «رقصوك» كانت فترة أنا عم بتخبّى فيها بقلب الليل اللبناني، البيروتي بالأحرى. كانت كل حياتي سهر وتعاطي، وبعتقد هيدا جزء كتير كبير من بيروت، مش بس من حياتي أنا. كنت عم بكتب عن بيِّي. أغلبية الألبوم عن بيِّي.
هلال: إشرحلي أكتر كيف طلعت غنية «مريخ»؟
حامد: «مريخ» أول غنية بعتقد طلعت. كتبناها نحنا وعم نكتب «رقصوك». اللي صار هوي كنا بالإستديو بكندا، وكتبنا chord progression كتير بسيط، وكان الموضوع كتير عفوي. عم بقول أول شي بيطلع براسي. كنت عم فكر بس بالأدوية اللي كنت عم باخدها وقتها. فكرة الطلعة والنزلة. وكان عم يصير شي معي من إيام «الحل رومانسي»، إني صرت عم بفهم إنه فيي إكتب شي يكون كتير شخصي لإلي، ويتاخد ع محل كتير مختلف. فعليًا أنا وعم بكتب أغاني عن حياتي عم فكِّر: شو معنى هالشي اللي عم إكتبه برّه مني؟ شو معناه لغيري؟ بكون أنا عم بحكي عن بيِّي، بصير عم بحكي عن السياسة. بكون عم بحكي عن حالي، بصير عم بحكي عن السياسة.  كل شي عم بفوت ببعضه. عم جرب إفهم حياتي بلا ما حس- بلا ما واجه- الشي اللي عم بعيشه. بصير عم إخلق قصص. هاي الميثولوجيا الإغريقية ح فوتها من هون... هيك... متل كأنه توزيع للنفس. سوري بلشت جاوب سؤالك ورحت ع محل تاني…
هلال: إنت إشتغلت وقتها على غنية. طلعلك درافت أول منها. رجعت تشتغل على نسخات تانية. شو الإشيا اللي بتقلّلا من درافت لدرافت لدرافت؟ هل في إشيا بتتكرر؟ هل دايماً أول نسخة بتكون كتير مباشرة؟ هل إشيا إلها علاقة بالموسيقى؟ كلمة مش ظابطة لازم تنشال؟ كيف بتصير هيدي العملية؟
حامد: كل هالإشيا اللي إنت قلتها. بس فيي قلك إنه دايماً أول درافت منكون بالإستوديو عم نعمل موسيقى. وبسجل أنا لحن بكون عم كب فيه أي حكي، وكتير نادر إنه يضل هيدا الحكي. إنه «فاعل فاعل مستفعل». هيك. وإرجع أكتب جوات اللحن. «مريخ» هيي واحدة من الأغاني اللي ضل الحكي فيها. يللي كان يصير إنه إعادة الكتابة كانت أكتر بشكل إنها كتابة على علاقة بالموسيقى. حس إنو شي مدحوش أو صيغة الكلام صعبة بطريقة مش مفيدة للنص فغيِّر. وبعتقد في محلات لما تصعب صيغة الكلام، فيها تكون كتير مفيدة للمعنى. أو مثلًا ما كون عم عد صح أو حس إنو شي تافه، إمحيه. مع «إبن الليل» بالذات وصلنا للحظة فهمنا فيها شو هوي هيدا الألبوم، وقررت إنو لازم الميثولوجيا تكون محبوكة بكل شي. أغلبية إعادة الكتابة كانت بهيدا الاتجاه. كنت مهتم بالميثولوجيا. رح كون صريح معك. كنت عم بقرا بشغل جوزيف كامبل، اللي هو فينا نقول شخص معادي للسامية وما كنت عارف بوقتها، بيكتب عن الطرق اللي بتربط الميثولوجيا ببعضها عبر الثقافات المختلفة. وكنت عم فكر بكمية الميثولوجيا الإسلامية اللي بتجي من الميثولوجيا المسيحية اللي بتجي من الميثولوجيا الإغريقية. كل شي كتير مربط ببعضه. فكرت بوقتا إنه كان مثير للاهتمام، وخلاني سائل من وين إجت هالأفكار ومين عم يستفيد منها؟

«رومان» وخناقات الفرقة والرقابة اللبنانية  

مع وصول الفرقة لصناعة «ابن الليل»، كانت الخلافات قد بدأت بالتفاقم على إيقاع الانحدار العربي واللبناني التالي لفشل الثورات، والمشاكل المتكررة التي منعت الفرقة من إقامة الحفلات في بلدان عدة. 

لما طلّعنا النسخة الديلوكس من «ابن الليل»، اللي زدناه هوي كم ريمكس العالم عملتها لأغانينا، ويللي زدناه كغنية جديدة «رومان». خليني إتأكد. (...) شو غريب الواحد يعمل غوغل لنفسه. (يكرِّر الجملة) إيه «رومان» انزادت. مبلى معك حق. و«مريخ» نسخة الأسمبلي هول. إيه ما كان في تبرير لليش عملنا نسخ من هالألبوم. كنا عم نلحق حسنا لنلعب الأغاني بطرق مختلفة، وحبينا كيف طلعوا.

بعض العناصر المستخدمة في الصورة من أعمال سابقة لمشروع ليلى

هلال: من التعليقات اللي سمعتها من رفقاتي على «رومان» تحديد، إنو الغنية اختلفت كليًّا عن لما غنيتا بالحفلة. غنية الحفلة كانت سريعة أكتر...
حامد: ما بعرف إمتى غنيناها أول مرة. بكون عم كذب عليك إذا في سبب لتغيير النسخة. كنا نتخانق بين بعض كل الوقت على كل شي. بقى لما نوصل ع محل الكل مقتنع بتكوين معين، أو صوت معين، كنت قول لحالي أكيد في سبب وجيه، حتى لو حالياً مش عم اقدر سمّيه لهالسبب… بعتقد أول مرة جرّبنا نعزف «رومان» كانت ببعلبك بس ما طلعناها لبعد 5 سنين. هالقد كنا عم نتخانق على صيغة الغنية.
هلال: من قبل «ابن الليل»، كنتوا بلشتوا تعملوا أغاني منفردة... «معاليك»، «سلام»، «راديو رومانس». أوقات تعاونات مع ناس، ورجعتوا ضفتوهم على «مدرسة بيروت». هيدي الخناقات كيف كنتوا تسيطروا عليها لما تشتغلوا مع غيركم؟ هل الفرقة كلا كانت تتصدر؟ هل إنت كنت تتصدر أكتر؟ تكون أو إنت أو ناس محددة بالفرقة عم يديروا هالتعاونات؟
حامد: حسب الأسبوع والمزاج، صراحة. لأنو أنا الشي الوحيد يلي ضلو كأنه لإلي هوي اللحن الغنائي، والتوزيع الغنائي، والكلمات. كل شي تاني كنا نتجادل عليه، وحتى بعد «إبن الليل» وكمية الغضب اللي صار من ورا هالألبوم صار حتى الكلام خناقة دائمة. ولإلي هيدي كانت بداية النهاية.
هلال: بعد كذا سنة من «ابن الليل» كنتوا عم تحضّروا لحفلة بيبلوس الثانية، ووقتا صار المشكل المحلي اللبناني على غنية «الجن».
حامد: كان المشكل ع كل شي. كان ع «الجن». كان على غلاف الألبوم. كان كذا شغلة.
هلال: صار في تأويلات على الطريقة اللبنانية، وعلى الطريقة المحافظة الدينية، مع touch شوي من عالم المؤامرات والـPost Truth. كلو إجا ع حضنكن. وقتا توقفت حفلة بيبلوس «منعًا لإراقة الدماء»، وكان جزء منكن موجود ببيروت، جزء تاني برا. اللي كانوا ببيروت تم استدعاؤهم لجلسة محلية للاعتذار. كمان كان في قبلها حادثة مصر. هل من بعد هالإشيا وقف المشروع بالعالم العربي؟ 
حامد: مصر، وبالأردن، وبقطر، وقبل بالكويت، وبأبو ظبي. خلص صرنا ما فينا نلعب.
هلال: بتحس إنو الانحدار العام اللي صار بالجو السياسي بعد فشل الثورات وصل لعندكم لدرجة إنو بطلتوا تقدروا تعملوا حفلات إلا بأوروبا أو أميركا.
حامد: إيه وبنفس الوقت كمان... نحنا بلشنا كان عمرنا 19 سنة وكبرنا... وبعتقد سياساتنا ورغباتنا بالحياة السياسية تغيرت عن بعضها كمان. بطلت أهدافنا تنسجم بسلاسة، وصرت أنا ساكن بأميركا. وإذا بكتب شي على فيسبوك هني بياكلوا الكف… الإحساس بالمسؤولية تجاهن صار عم يحد من حريتي، ولقيت حالي مش عم اعرف اكتب بقى.
هلال: هيدا الشي اللي صار قديش أثر على علاقتك بالبلد؟
حامد: كتير. كتير أثر على علاقتي بالبلد. أنا يمكن شوي انفعالي أكتر من اللزوم، إذا بتقللي ما فيي أعمل شي، بيصير بدي أعمله أكثر. ومش كل الناس عندها نفس هيدا الـreflex. كتير سهل، ومتساهل، إنو الواحد يشوف هيدا الموضوع ويقول «لازم يخانقوا الدنيا حدي». بس مش صحيح هيدا الشي. كل واحد عنده أولويات مختلفة. بعتقد وصلنا ع محل كنت عم بحس إني مضطر إسكت عن آرائي السياسية لحتى إرضي الناس اللي عم بشتغل معن.
هلال: ولتحميهم كمان...
حامد: ولأحميهم... بس حتى فكرة الحماية كانت مراضاة. وبعتقد حتى لإلي سهل إني قول لأ أنا بدي روح أتخانق، بعد ما صرت أنا بوقتها ساكن بأميركا. مع إنه بصراحة بلشت هيدي القصص كتير قبل ما إنقل عأميركا. لما بطل عندي هيدي العلاقة مع الفرقة، بكتير من الطرق بطل عندي هيدي العلاقة مع البلد كمان. كان مفروض أنقل ع أميركا لفترة قصيرة. بعيش هون سنة سنتين تلاتة، وجرّب لاقي طرق وين تقدر الفرقة تلعب حفلات هون أكثر، حاول لاقي مدير أعمال هون، طلّع حالي من خنقة بيروت لوهلة، ونضلنا عم نشتغل سوا. كنت سابقاً تركت الفرقة مرتين ورجعت، من ورا الإختلافات بالأهداف وبطرق العمل. كان في كتير تأزم داخلي ما بينشاف من برا، وبعد ما جيت لهون صارت مشكلة بيبلوس... وبعدين صارت المظاهرات.
هلال: ما غيرت المظاهرات الشعبية بوقتها بـ17 تشرين هيدا الشعور اللي كان عندك إنو كل شي صار مكربج؟
حامد: بأول الثورة رجعلي نفس الأمل الساذج. هيدا الحماس التلقائي إنه خلص... أجت. ح تصير. خاصةً إنه كان في كتير ناس من الجنوب عم يجوا على المظاهرات. بس كمان كان عم بصير شي. البنوك سكرت. لقيت حالي بنيويورك ما معي قرش. وإذا بدي إرجع على لبنان لشارك بالمظاهرات (كتير كان بدي شارك)، لازم إستعير مصاري. وفجأة، صارت الناس عم يبعتولي فيديوهات عم بيطلعهن التيار (الوطني الحر) عن كيف «مشروع ليلى» خصهم بالمظاهرات. والبرهان انو حامد قال شي، وانعاد بالمظاهرة، أو حدن لابس تيشرت للفرقة. تفاهة يعني… بس حسيت إذا بنزل مش ح كون عم فيد حدا. بعدين صار كوفيد وبطل فيي إجي وفرطت الفرقة وقررت كمل دراستي. ما عدت شفت بيروت للـ2022. كان صيف كتير بشع ببيروت. الناس اللي بحبن بطّلوا فيها.

عن الالتزام وزياد رحباني والموسيقى العربية والأجنبية

من خلافات الفرقة في الكلام والموسيقى والمواقف، يأخذنا الحديث إلى الموسيقى والأغاني التي لطالما اهتم بها حامد وتعريفه للالتزام.

هلال: عنا تقليد بلبنان. كل شي برا الـmainstream pop music، منستسهل نقول عنه غنية ملتزمة… إنتو موضوعكن شوي غريب…
حامد: برات الماينستريم بينقال عنه ملتزم؟
هلال: هلأ الغنية الملتزمة بتعمل الماينستريم تبعها. بس بقصد برا أغاني روتانا...
حامد: قصدك ملتزمة بالسياسة... أوكي. أنا بسمّي أغاني روتانا أغاني ملتزمة.
هلال: ملتزمة بشو أغاني روتانا؟
حامد: بالتقليد…
هلال: باستنساخ شي عن شي عن شي؟
حامد: وهيدا مش نقد. لإلي هيدا هو الالتزام. commitment to repeating a tradition of music بس إيه... بفهم كمان هيدا الإلتزام بتقليد السخرية السياسية والـsocialist realism. الشي اللي بيكسرلي راسي هو لما كان يجي النقد إنو هيدي الموسيقى خارج تقاليدنا… بعتذر بس تقاليدنا هيي الشيخ إمام وجر يعني. عن أي تقاليد عم يحكوا؟ زياد الرحباني كمان كان جزء من تقليد... كل هالقوقعة اليسارية ببيروت من هيدي الحقبة كمان تقاليد...
هلال: هني ما كتير معجبين فيكن كمشروع. زياد الرحباني بفترة من الفترات كان عنده موقف يمكن انفعالي، وبقلبه تفاصيل مغلوطة، إنو هيدي الموسيقى بتنعمل مشان أوروبا.
حامد: رجع تراجع عن هيدا الشي زياد. بس كمان هيدا النقد يللي كان يجي لزياد لما كان صغير. هيدا الشي اللي عم قلك ياه اللي هو كتير مهم...
هلال: بلبنان دايمًا مننسب عمل لعمل تاني مرتكز عليه. ما في شي بيطلع هيك بالفراغ. وعلى الأرجح كنتوا تسمعوا هيدا الحديث أول ما بلشتوا تشتغلوا. هل في علاقة بزياد الرحباني، تحديدًا بالموسيقى والأغاني تبعيته؟ هل تغيرت هالعلاقة؟ وكيف شفت هيدا المشهد الجماعي اللي كان بلبنان لما توفى؟
حامد: أنا ما كنت كتير اسمعله لزياد بكل صراحة خارج الجمعات اللي يكونوا عم يلعبوا فيها موسيقته وأغانيه. اللي عم قوله هلأ ضمن إطار شي قلته قبل. إنو لازم كمان نتفهم إنه كل فنان عم يعيش حياته، وعم يجرب يعمل أحسن ما فيه… بس مواقف زياد تجاه نظام الأسد لإلي كانت كتير...
هلال: Blocker؟
حامد: إي. خط ما فيي أنا شخصيًا إتراجع عنه... بس برضو بفهم إنو عايشين بمنطقة كتير صعبة، وكل اتجاه بتاخده مرعب. بفهم هالشي. بس ما كان عندي هيدا التأليه لزياد يلي كتير من الناس حولي عندن ياه. بس بحزن على حياته متلو متل حياة أي حدا تاني.
هلال: فينا نقول إنو ما تأثرت بزياد الرحباني أو ما في شي كتير عنالك من شغله الموسيقي؟
حامد: من قد ما كان زياد كبير كفنان وكصوت، كتير صعب قلك هيدا الشي بشكل مؤكد. في قصص منمتصها من الأصوات اللي حوالينا نحنا وعم نربى. في فيروز بالباص. أول غنية كتبناها كان فيها «تك تك تك يا ام سليمان». هيدا الصوت كان كتير أكبر من إنه الواحد يقدر يتفاداه… كأنك عم بتقلي إذا تأثرت أو ما تأثرت بالبحر ببيروت… هيدا الشي كان موجود وكان عن جد بيطوّق المدينة، والبلد. إن كان فيروز أو إن كان زياد. أنا كمان كنت إسكر بالبارومتر متل غيري، وب ت مربوطة، والموسيقى اللي حوالينا كانت زياد وفيلمون وهبي وجوزيف صقر.
هلال: إذا فكرنا فعليًا بتأثيرات موسيقية بتحسهم كتير أثروا على الأغاني اللي عملتوهن. مين بتحط بهالليستا؟
حامد: بحط ياسمين حمدان دغري. بحط ريما خشيش. بعرف غريب إدراجها بالموضوع لأن ما خصني بالطرب، بس كتير أثرت فيي ريما. كتير بحب وردة. كنت حب فرقة The Sea-ders. بس كمان كتير من تأثيراتنا كانت مش عربية.
هلال: متل؟
حامد: أول مرة تعلمت معنى كلمة سكسي كان بيي عم يوصفلي تينا تيرنر. أنا وعم بكبر كنت روح مع بيي على حفلات جاز ببعلبك. كنت كتير حب ديانا روس. كنت كتير حب دونا سامِر. كنت كتير إتأثر بكتابة الروك الأميركاني ككلمات.

عن الهيب هوب العربي والتراث الإسلامي واليسار

من الأغاني التي تأثر بها، ننتقل إلى مناقشة مشهد الراب بالمنطقة العربية وعلاقة حامد به.

هلال: في مشهد الهيب هوب العربي، الحكي فيه بيتقدم على الموسيقى أوقات أو فيه كمية حكي كتير، بريتم كتير سريع. الإشيا فيها مباشرة أكتر. شو علاقتك وذائقتك الفنية من هالنوع من الشغل؟ بتسمعه ولّا ما بتسمعه أبدا؟ ولّا بتطلّع عليه مثل غنية «فساتين»؟
حامد: لا. ما بتطلّع على شغل غيري بهيدي الطريقة لكون كتير صريح معك. بس بمحل كنت عم بسمع شب جديد مثلا... ما كتير بعرف عن مشهد الراب خارج هيدا الشي… كان عندي خوف طفولي شوي من مشهد الراب ببيروت.
هلال: ليه؟
حامد: لأن كنت شوف نفس الذكورية اللي كنت أهرب منها أنا وصغير. وبمحل بتصير بدك تقول إنه خلص برافو. إنتَ رجَّال. خلصني. أوكي إنتَ رجَّال وأنا طنط. وبعدين؟ ضروري آكل كف لأنو إنت رجَّال وأنا طنط؟ منيح، خلص، مَشِّينا.
هلال: في كمان هلأ ردة كمان على «الإرث الإسلامي» شوي ببعض أغاني الراب.
حامد: هيدا بلاقيه متأثر... (تنقلب الإجابة هنا كليًا إلى الإنكليزية) بعتقد ممكن هالشي يصير مثير للاهتمام. في تقليد لكيف الإسلام تحوَّل بتأثير من موسيقى الراب والثقافة الأفرو-أميركية. وهيدا شي كان ممكن كتير يكون مثير للاهتمام بالستينات، وأنا كتير مهتم إذا هلأ في طريقة بديلة للتقرب من الإسلام (يعود للحديث بالعربية). لما بيصير هيدا الشي هون (بأميركا) ما عندك نفس سلطة الجامع على المدينة اللي عندك ياها بلبنان. بقى بخوِّف شوي لما يعود تصديره على لبنان، بس برضو ممكن يخلق طرق بديلة للتفاعل مع الهويات الدينية.
هلال: بتحس ما في شي نظري بيمسك الكل بقدر الموروث الديني، وبعد اللي صار من سنتين لهلأ، فيه ميل إنه الواحد يرجع للإرث الديني تبعه تحديدًا؟
حامد: بعتقد هيدا الشي ما صار بالغلط… إذا منتطلَّع على تاريخ المنطقة للثمانينات وجر، ومنتطلع ع شو عملت السعودية… وشو عملت إيران... وشو عمل حزب الله... وشو عملت داعش… بتلاقي إنه كان في جهد كتير قوي لإضعاف اليسار السياسي بالمنطقة كلها لحتى يقدروا ياخدوا هيدا المحل. ما صار هيدا الشي بالغلط. مش حادثة. هيدا الشي عن قصد وصار بمساعدة أميركا، وبمساعدة روسيا، وبمساعدة الأسد... كان في شغل على هيدا الموضوع.
هلال: بس ما عم يصير هلأ بشكل عضوي أكتر؟ متل ردة جماعية؟ إذا إنت عم تطلع على شي عم يصير لسنتين، وما في حدا عم بوقفه بالسياسة، وإذا إنت ما عندك هالإلتزام النظري بأشياء محددة برا الدين، بخليك هالشي ترجع على الدين كمنظم للشؤون العامة.
حامد: إيه... بعتقد هيدا الشي بآخر سنتين، بعد غزة أو بلا غزة، كل الناس عم تجرب تفهم بس شو يعني الوجود؟ ليه حياتنا هيك؟ وشو المفروض نكون نعمل؟ أسئلة وجودية كل العالم عندا ياها.  بس في جهد موجه لتدمير الأحزاب الشيوعية أو الاشتراكية بالمنطقة. هيدا الفكر منو موجود حوالينا بالمنطقة متل ما كان موجود بالستينات والسبعينات…

خارج المشروع: الدراسة والأوبرا والتعاونات الغنائية

عند وصولنا للحديث عن فترة ما بعد «مشروع ليلى»، كان حامد قد بدأ يشعر بالتعب، فصار يجيب بشكل كامل بالإنكليزية مما جعلنا نوقف المقابلة لنتحدث عن علاقتنا باللغة ونتبادل الكتب قبل أن نعود للحديث عن معاودته الدراسة وعمله مع آخرين خارج «مشروع ليلى»:  

صاءبت إني كنت بدارتموث بالـ2019 قبل ما يصير كوفيد، عم إلقي محاضرة. تعرفت على فنانة إسما آش فيوري بتعلم بهيدا البروغرام تبع الـSonic Practice. وكنت عم إحكي معها عن الموسيقى والصوت، وهيي عم تقلي عن الاشياء اللي عم تشتغل عليها، وانغرمت براسها، بصراحة. صار بس بدي إتعلم منها، فقدّمت على هيدا البروغرام. كنت عم حس بعد «ابن الليل» إني عم إقدر ترجم فرايموورك نظري على الكلام وطريقة التعاطي مع الكلام. قصدي اني صرت عم كون انتقائي اكتر بكيف عم إكتب افكاري والمراجع اللي عم تفوت على الكتابة، حسب فكرة النص ككل. وهيدا شي ما كنت اقدر أعمله بالصوت/ الموسيقى قبل، وكنت حابب أعمله. قدمت عالبروغرام بالغلط. كان مرق الديدلاين، وإجاني القبول من الجامعة، وبالبروغرام عندي سنتين أقعد فيهن بضيعة أعمل الأبحاث اللي بدي أعملها.

هلال: هيدا البحث هو اللي صار بعدين الأوبرا اللي اشتغلت عليها؟ كيف بتقيّم هالتجربة؟ كنت عم تشتغل أغاني بتوصل أكتر للناس، كيف عملت هيدي النقلة من تجربة لتجربة؟
حامد: صرت حس إني عم بكتب شي، وبنفس الوقت عم بفهم كيف ح ينشاف. وبنفس الوقت عم بفهم كيف هيدي الطريقة اللي راح ينشاف فيها كيف رح تنشاف هيدي الطريقة. Depersonalization and de-association. (..) في قصص بالأوبرا بقول عليها «تفه» متل «فساتين»... (تنقلب الإجابة هنا كليًا إلى الإنكليزية) بس كانت تجربة مُحرِّرة جدًا لإلي، وناجحة. وكانت محاولتي الأولى لتقديم العرض. بدي إرجع حسِّنها وعيد النظر فيها. غالباً الإنتاجات المسرحية هون بتاخد 8 سنين شغل تقريباً…
هلال: ما في خناقات هون؟
حامد: ما في خناقات. في خناقات مع حالي صراحة... بس كل البحث اللي كنت عم بعمله كان عن الصوت، كمفهوم مش كتأدية. ما كنت عم بدرس كيف أعمل عُرَب. كنت عم جرّب إفهم شو يعني الصوت، وشو يعني هيدا الشي بماديته. ليه كلمة الصوت هي نفس الكلمة اللي منستعملها للتصويت؟ شو بيعني هيدا الشي؟ وليه في كتير ناس بتحكي إنه بدا تعطي صوت لمجتمع معيّن، ولاقي صوتي واللي هوي...؟ كنت عم جرّب أفهم شو علاقة الصوت بالـsynthesized speech.

النصوص المستخدمة في الصورة من أوبرا Westerly Breath لحامد سنو

هلال: وهيدا كان موضوع النص اللي إنت كتبته بالأوبرا؟
حامد: إيه بالإجمال. الشي اللي جذبني للأوبرا هو أهمية الصوت فيها، بس ما كنت عم بكتب أوبرا فاغنر. (تنقلب الإجابة من جديد كليًا إلى الإنكليزية) الإطار تبع الأصوات تبع الإشيا المهمة وكيف بتعامل معه. كنت عم فتش بالعلاقة بين الصوت واللغة. جزء من هالشي كان إله علاقة بتجربتي مع الفرقة. أوقات بالأوبرا كنت عم أكتب أغاني بوب مباشرة، بس كنت عم إكتبها لحالي من دون ما إتخانق مع ناس تانية. الجزء التاني إني كنت عم كون متعمد أكتر بكل صوت بالقطعة.
هلال: عم تحكي عن الصوت بالأوبرا بعدين إنت صرت نفسك صوت بأعمال اشتغلتا مع  فلاديمير كوروميليان وطارق يماني ومع الأخوين اللازور. قبل هالأعمال كنت متحكم أكتر بالمشروع. هون إنت بس أداة بالأغنية.  شو الإحساس لما الواحد يصير بس صوت؟ هل بتحس حالك مراقب؟ مسيطر عليك؟ جزء من مكنة أكتر من إنك تكون متحكم بالمكنة ذاتها؟
حامد: الغنية مع فلاديمير صارت لما كنت بعدني كنت ساكن ببيروت. بـ2017-2018. سألني إذا فيّي غنّي على شي لأنو هو كان عم بفكر بصوتي هوي وعم يلحن. فتنا على الأستوديو بلشت ارتجل لوصلنا عشي هو حبّه. مع طارق يماني، كان عم يشتغل على فيلم مع دارين حطيط وحلا عليان، وكان بدهم مقطع من صوتي. مع اللازور، كان نوع غير من الشغل بـ2020 أو 2021. كانو كاتبين اللحن والكلمات لمسرحية عن الثورة وفشلها بمصر، وكان بدن ياني سجّلها وعطوني حرية بالتوزيع... فكل الهارمونيات الصوتية والتوزيع كنت أول مرة بقدر أنا سيطر على هيدا الشي لحالي بلا ديباجات.
هلال: بتعيدها؟
حامد: إيه... بعتقد اللي بدي أعمله هلأ، إني أعمل شغل من دون لغة. ومفتقد الشغل مع ناس تانية بصراحة. 

«قصائد الاستهلاك»: هل تغيِّر الموسيقى العالم؟ 

نختم مقابلتنا بالحديث عن مشروع حامد الأخير «قصائد الاستهلاك» الذي كتبه بالإنكليزية وعن رؤيته لدور الموسيقى وعلاقتها بالتغيرات المجتمعية والسياسية. 

«قصائد الاستهلاك» مجموعة قصائد، كتبتهم كريفيوز على أمازون. وكان المفروض أن يكون مشروع شعر، ورجعت عملتن أغاني.

هلال: هل استخدمت أي شي من ريفيوهات أمازون كجزء من الأغاني اللي كتبتهم بهالمشروع، أو قلّدت أسلوب ريفيو معين؟
حامد: لا، في ببعض المطارح استخدام للّغة الموجودة على أمازون متل الـAdd to Cart والخ… بس غير هيك ما كنت مهتم بتقليد أسلوب الريفيو. كنت عم أعمل إقامة فنية بلندن، وفي غنية كتبتها كلها من كلمات لقيتهم على يافطات إعلانية بالساب-واي بلندن، يعني كل كلماتها مأخوذة من الآرمات، مش أنا كتبتها.
هلال: من الغنيتين اللي سمعتن على سبوتيفاي، في نقد لجو الإستهلاك الرأسمالي. إنت بأكثر من مقابلة بتحيل لأثر الواقعية الرأسمالية عند مارك فيشر. كيف هالنقد ما بيصير نقد بقلب نطاق النقد اللي بتستوعبه الرأسمالية؟
حامد: بعتقد دايمًا ببلش بحالي. أنا شخص مستهلك. مني جايي عيِّط على العالم. العرض منه تجربة بتطلع منه بتقول «منيح إني أكلت وعظة، وهلأ لازم وقِّف إستهلك». العرض أكتر عن كيف الحميمية بتتمّ قوننتها من أنماط الاستهلاك. عشان هيك، ريفيوهات أمازون كانت مطرح كتير مثير للاهتمام بالنسبة لهالمشروع، عشان بياخدوا هيئة كتير محددة من الحميمية. فالعرض أكتر عن صراعات الصحة العقلية اللي بتجي من ورا هيك تجارب، وعن كيف الرأسمالية أثرت على حياتي بالسنوات القليلة الماضية. وبقلب العرض فيه أسئلة عن معايير الجمال، عن المقاطعة، والعنصرية. العرض مش عم يقول: «يا شباب ما لازم تستهلكوا كتير!». ما كتير بيهمني هيدا النقد. كلنا منعرف…
هلال: لما عم تحكي عن هالمشروع، وعن مشروع الأوبرا، حسيت كأن صاير عندك مشروع شعري أكتر منه مشروع موسيقي، أو عالقليلة المشروع الشعري هوي اللي عم يدير المشروع الموسيقي ويحفّزه، ومش العكس. هل هالشي صحيح؟

النصوص المستخدمة في الصورة من أوبرا Westerly breath لحامد سنو 

حامد: مع «قصائد الاستهلاك» إي، هيدا الشي صحيح. هيدا العرض، بلش كشِعر. مع الأوبرا، ما بظن، وبعتقد بطل بدي إفصل هيدي الجوانب عن بعضها. بلاقي الإشيا بتبلش سوا بطريقة مشتبكة أكتر.
هلال: بهالزمن اللي عم نعيشه، زمن الكوارث بشكل كتير مكشوف ومعروض ومستهلك، شو مكمل تعمل أو شو ح تبلش تعمل إشيا جديدة؟ وشو حدود الألم اللي إنت بتقدر توصلها أو ما تتخطاها إنت وعم تشتغل على شغلك الجديد؟
حامد: برجع دايمًا لجسمي ولحالي. هل أنا متأثر بالقضية الفلسطينية؟ إيه. بنفس الوقت أنا شخص ساكن بأميركا، بدفع ضرايب. نحنا اللي عم نعمل هيدا الشي. ما فكرة إنه إذا منك فلسطيني ما تحكي عن فلسطين. هيدي فكرة نتيجة فكر رأسمالي بيتاجر بالكوارث والهويات الفردية. بالعكس، بعتقد الناس اللي ضروري يكونوا عم يحكوا عن العنصرية ضد السود مثلا هني البيض، مش السود، لأنها مشكلتن، مش مشكلة السود. بنفس الوقت، بعتقد في طريقة إنو الواحد يكون عم يحكي عن القضية الفلسطينية من موقف شخص عم يموِّل الاستعمار، مع كل التشابكات البشعة، والمش مريحة، لنتفادى المتاجرة بالقضية. جون جوردان بتجسد هالأسلوب بشكل ناجح. قصدي ما عندي هيدي الحساسية تبع إنو «ما حدا بيطلعله يحكي غير X». بعتقد يمكن كلنا فينا نقبض الفن بشكل أقل جدية. أو يمكن أكتر جدية. قصدي إنو اللي قابض الموسيقى بشكل كتير جدي ومآمن إنه الموسيقى ممكن تغير العالم… هيدا أكل خرا. بعتقد في مين بيقنع حاله هيك ليحس بقيمته كفنان. بس مش ضروري إنو الموسيقى تشعل الثورة الشعبية ليكون إلها قيمة. ما بقدر إتخيل عالم بكون فيه مش مهتم بالسياسة، هيدا أنا، وهيدي المواضيع اللي بكتب عنها. يمكن عشان هيك ما كنت عم إكتب عن فلسطين أو لبنان. بطلت مقتنع إنو الغنّية قادرة تغيِّر الواقع. آخر سنتين ما كنت عم بكتب عن فلسطين. كنت عم نظِّم سياسيًا، وشارك عالأرض، ونحاول التأثير على التغيير المادي. فقدت شوي الأمل بإنه الفن ح يغيِّر العالم. في حدود لهيدا الفكر. (..) ما عندي هيدي الآمال الكبيرة عن الفن بقى بصراحة.
هلال: بشكل أو بآخر إنت عم تقول للعالم وجهوا طاقاتكن على الأرض. الفن والأدب منهم بديل.
حامد: إيه منن بديل... بالظبط. مش هيك أو هيك. إذا حدا بده يعمل أغاني عن موضوع… يعمل أغاني عن الموضوع. تمام...
هلال: بس ما بتحس إنت إنو بدك تعمل أغاني؟
حامد: ما بعرف بقى. بعتقد إذا بقلك لأ بكون عم بكذب. هياني عم أعمل مشروع عن الرأسمالية. هيدا إهتمامي حاليًا. بس كمان، ما بظن إذا كتبت ألبوم عن الرأسمالية ح تتغيَّر الرأسمالية. هيدا مجرد موضوع عم إكتب عنه. ما بقدر إكتب أغاني عن الأشجار الخضرا. آخر همّي. همّي هو كيف هالأشجار عم تنسرق منّا. ما بعتقد إني إذا كتبت ألبوم عن الإستهلاك، ح إحشد ضد الرأسمالية. يمكن غيِّر فكر كم حدا سمعه إذا كنت محظوظ. ويمكن كمان فوِّت ناس بمشاكل. النقطة اللي عم قولها، إذا بدي غيِّر شي برا الموسيقى، أو برا حرية التعبير، شغلي ساعتها لازم يكون برا الموسيقى وبرا التعبير.

حوار «نصف» العمر مع حامد سنّو

اخترنا لك

في المربَّع الأحمر
نص

في المربَّع الأحمر

هلال شومان
جغرافيا المعنى في الأدب والفن اللبنانيَّيْن
دراسة

جغرافيا المعنى في الأدب والفن اللبنانيَّيْن

هلال شومان
جلسة مع «بلاتنم»، بيروت
28-07-2023
حديث
جلسة مع «بلاتنم»، بيروت
الهلع الأخلاقي في مواجهة السينما الجديدة
01-03-2022
تقرير
الهلع الأخلاقي في مواجهة السينما الجديدة

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
حوار «نصف» العمر مع حامد سنّو
حديث

حوار «نصف» العمر مع حامد سنّو

هلال شومان
وثائق «الجزيرة»: غرفة عمليات للأسد في لبنان وتجنيد عناصر للقتال في سوريا 
6 قتلى في احتجاجات إيران
كل هالسنين — حلم
شو صار السنة؟
31-12-2025
تقرير
شو صار السنة؟
20,900 غارة شنّتها قوّات الاحتلال الإسرائيلي سنة 2025