كيف تصنع أعمالًا فنية «على وشك» الزوال في منطقة تعيش تحت النار؟ ماذا يبقى من العمل الفني في لحظة التقلّب والتحوّل الراهنة؟ وكيف تُفتح عملية صناعة العمل الفني لكي تقدّم مرتكزًا مختلفًا لمسار فني لا يختصر بالعمل فقط؟ هذه بعض الأسئلة التي أثارها المعرض الجماعي «على وشك» (Slow Burn) في «مركز بيروت للفن»، حسب مراجعة خليل الحاج علي.
يُقام المعرض الفني «على وشك» (Slow Burn)، بمشاركة عشرين فنانًا وفنانة ناشئين من لبنان والمنطقة (قيّمة المعرض: دانيال مخول). يقام المعرض حتى نهاية شباط في «مركز بيروت للفن» Beirut Art Center، الكرنتينا. يضمّ المعرض أعمالًا متعددة الوسائط، من لوحات تشكيلية، طبعات وصور فوتوغرافية، إلى فيديوهات مصوّرة وفيلم قصير، ووسائط فنية أخرى، تعتمد في معظمها على مواد خام أو معاد تدويرها، إلى جانب مواد فنية مصنّعة، وتنتمي إلى الممارسات الفنية المعاصرة. لا تُفصل الفكرة في هذه الأعمال عن مادتها، بل تتشكّل داخلها، وتتفاعل مع فضاء العرض ومؤثراته، منتجةً تجربة بصرية وزمنية لدى المتلقّي. الفنانون/ات، كانوا قد انطلقوا من دعوة وجّهها «مركز بيروت للفن» في العام السابق لاستكشاف «التجلّيات الممكنة للنار»، من دون أن يتناول المعرض النار بوصفها موضوعًا مباشرًا، بل كحالة بينية تولّد الهدوء أو الاضطراب أو التهديد، وتأخذ الزائر في رحلة حسّية وتأمّلية.
أعمال على وشك ألّا تحدث
أوّل ما انطلقت الدعوة المفتوحة للمشاركة في إقامة معرض في «مركز بيروت للفن»، لم يكن المشروع معنيًا بإنتاج أعمال قابلة للعرض وحسب، بل بتعريض العملية الإبداعية نفسها للاهتزاز. اختير الفنانون المشاركون، من لبنان والمنطقة العربية، وانطلقت اللقاءات والحوارات، وبعدها صارت الورش والمختبرات مفتوحة للزائرين/ات. الفنان يعمل، والزائر يمكنه مشاهدة اشتغاله عن بعد.
كان تنظيم المعرض مرتبطًا بأسئلة فرضها السياق العام، من موقعه في بيروت المعرّضة لاحتمالات تصعيد عسكري في أيّ لحظة، إلى أوضاع الفنانين/ات المشاركين بين لبنان والمنطقة، حيث تتداخل ظروف أمنية وسياسية واقتصادية، لا تسمح بالاستقرار، ولا يمكن للفن أن يأخذ موقعًا محايدًا أو آمنًا فيها.
ضمن هذا الامتداد، تصبح النار مفهومًا إجرائيًا لقراءة علاقة الفنان بمحيطه، حتى أن العنوان نفسه، «على وشك»، لا يعمل كاستعارة شاعرية بقدر ما يشير إلى مأزق. فالمعرض لم يتشكّل بوصفه استجابة جمالية سريعة لراهنٍ مضطرب، بل كعملية بطيئة وممتدة جرت داخل «مركز بيروت للفن»، وأنتجت أعمالًا لا يمكن قراءة أي منها بشكل منفرد، بل كشبكة متقاطعة، وسلسلة من الحالات التي وُضعت عمدًا في مواجهة زمن هشّ يشكل صورة المنطقة نفسها: منطقة تعيش فوق نار.
السياسة والبيئة والنار
يأتي العملان الفنيان لآية عبدالله الأكثر تساوقًا مع الأحداث التي عاشتها بيروت، مؤخرًا، وغيّرت معالم المنطقة. تقدم عبدالله فيديو بثلاث قنوات تحت عنوان «أمطرت السماء دمًا لأربعين يومًا»، وعلى الحائط الموازي تقدم «احمرّت الشمس لأربعين يومًا»، وهي ثلاث طبعات جيلاتينية منقولة من منزل الفنانة المطل على مكان استشهاد السيد حسن نصر الله.
في الفيديو، تُعيد عبدالله صياغة لحظة الكارثة من الداخل، لا عبر تمثيلها، بل عبر تفكيك الفضاء الذي خلّفته النار في موقع استهداف نصر الله. فالمكعّب الأحمر، الذي يتحرّك في الفيديو كجسم لا يرسو على معنى واحد، لا يجسّد النار بل يحدّد أثرها: كتلة حرارية تُعاد موضعتها في تضاريس منقّطة بالهياكل الهندسية، كأن الضوء نفسه يبحث عن مكان ليثبت فيه. ومع ابتعاد الصورة عن الحدث وابتعاد الصوت عنها أيضًا، بفضل تصميم جاد عطوي الذي يفصل السمع عن النظر، يتحوّل العمل إلى دراسة زمنيّة لموقع لم يعد قابلًا للرؤية كما كان. هذا العمل لا يركّز على ما يلتقطه الفيديو بقدر ما يركّز على ما يخلّفه الحدث من آثار لاحقة: اهتزازات اللون، التفكّك البصري، والاحمرار الذي يطبع صورة الخراب.
أما في الطبعات الموازية للفيديوهات المعروضة، فتستكمل الفنانة تشكيل مكان استهداف نصر الله برمزية عالية. صورة المكان الذي تحوّل إلى دمار هائل في 27 أيلول عام 2024، تبدو صورة غير مستقرة، حيث يظهر الارتجاج البصري كعنصر أساسي في التكوين. لا يعمل اللون الأحمر هنا كلونٍ تعبيري وحسب، بل كإحالة رمزية إلى الدم، وإلى العنف الذي يظلّ أثره عالقًا في الصورة. بهذا المعنى، لا تُعيد الطبعات تمثيل موقع الاستهداف، بل تحتفظ برجّته، وتحوّل اللون إلى وسيط يحمل ذاكرة القتل والاستهداف أكثر مما يقدّم وصفًا له.
يتيح «على وشك» اختبارًا لذلك التوتّر الذي يسبق اشتعال النار: طبقة كامنة تهزّ الحواس قبل أن يتشكل اللهيب، وتعيد رسم العلاقة بين الفنّ والواقع في زمن تتسارع فيه الانهيارات أكثر مما تتسارع القدرة على تفسيرها.
يظهر الجبل في عمل نادين كرباج، «كيف ننظر اليوم إلى حرائق الربيع؟»، (وسائط مختلطة على ورق خشن) كجسم حساس، ويصبح شاهدًا وليس ملجًأ محايدًا، ينقل توترين في آن: نار الزراعة من جهة، حيث يقوم المزارعون بحرائق منظمة لإعداد التربة للحصاد القادم، ونار الحرب من الجهة الأخرى، حيث تقصف إسرائيل البقاع على الجانب الآخر من الجبل الذي يكفّ عن كونه خلفيةً ليصبح فاعلًا، يتغيّر تحت ضغط السياسي والطبيعي. العمل يلتقط تلك اللحظة التي يتداخل فيها الخوف بالمراقبة، والحداثة بالريف، والمكان بالزمن، ضمن ألوان تعكس لحظات مفصلية للنار.
في انتقال مختلف، يقدّم عبد الرحمن أبو ليلة في عمله «سحابة سوداء»، أربع طبعات فوتوغرافية تلتقط أثر الحرق الزراعي في دلتا مصر، حيث كان عبد الرحمن يخشى الخريف في طفولته حتى قبل قدومه لأن السعال كان يسلبه نومه، بحسب المادة التعريفية للعمل.
يلتقط عبد الرحمن الضباب الكثيف القادم من السحابة السوداء التي يتسبب بها حرق القش في دلتا النيل في مصر، لكن لا ليحكي عن مسألة بيئية فحسب. فالدخان الذي يعلّق فوق القرى يتحوّل في الصورة إلى طبقة من «العنف البطيء»، ذاك الذي لا يعلن نفسه ككارثة، لكنه يراكم أثره يومًا بعد يوم، كما تتراكم هشاشة المدن العربية تحت وطأة الإهمال والسياسات العمياء. الصورة هنا ليست توثيقًا، بل استعادة لشكلٍ من الاختناق الجماعي الذي يتجاوز جغرافيا التقطيع.
من الدخان إلى العتمة: طبقات العنف البطيء
يقترح المعرض تجربة تشبه الدخول في طبقات حرارة مختلفة: من العتمة التي تختزن عنفًا صامتًا في الطابق الأرضي، إلى هشاشة الملامسة والحداد في الطابق الثاني. وفي هذا الانتقال، يكتشف الزائر أن النار الهادئة ليست نقيض اللهيب، بل شكله المؤجَّل. حضورٌ مشحون بالتغيير، يفتّح احتمالات أكثر مما يقدّم إجابات.
يعمل أفرام شمعون من خلال عمله «المعمل الحراري (الجيّة)» على ذاكرة الدمار، ويستند إلى صورتين فوتوغرافيتين تمّ التقاطهما للمعمل عام 2006. طُبِعت الصورة الأولى بالألوان الزيتية على قطعة قماش، وطُبعت الصورة الثانية بقلم الرصاص مباشرة على الجدار، فحملت الصورتان فروقات طفيفة، في تكرار لا يخلق نسخة ثانية بقدر ما يشير إلى استحالة محو أثر حدث عنيف. بعد انفصال الصورة عن سياقها الأصلي، أصبحت صدى أو خيال حدث متداول ومستهلك بالفعل، وفق كاتالوج المعرض... وعليه، يكون الرسم على جدار المعرض مؤقتًا، ينتهي بانتهاء المعرض، بينما تبقى اللوحة. لكن التلاشي لا يمحو الذاكرة، بل يكشف أن أثر الحدث يعيش أكثر مما تسمح به المواد.
المادّة بوصفها حاملًا للمعنى
في معرض «على وشك»، يجد الزائر نفسه أمام عدد هائل من الأعمال والوسائط الفنيّة المختلفة، والتي تستخدم خامات عضوية ومعاداً تدويرها، مثل: الكرتون، العظم المتفحّم، ورماد الأرجيلة، إلى جانب مواد وتقنيات فنية مصنّعة: كالرسم الزيتي على القماش، الباستيل على الورق، والطبعات الصبغية وورق الجيلاتين.
تذهب كبرييلّا شويفاتي في «حديقة الخريف لا تكفي لنفاد صبرنا» (طبعات صبغية من تراب وركام على ورق تصوير ملوّن) نحو العتمة بوصفها مادة للتفكيك. تطبع صورها من دون ضوء، مستخدمة التراب والركام، كأنها تستخرج الصورة من داخل المادة نفسها. هنا، السواد ليس غيابًا، بل طريقة لمساءلة الرؤية: ماذا يحدث حين يُفقد الضوء؟ كيف نتعرّف على العالم من خلال أثره وليس حضوره؟ العمل يلتقط شكلًا جديدًا للمعرفة، يتكوّن من تماس مباشر بين الجسد والبيئة المهدّمة، خاصة أنه يهدف للكشف عن كيفية تأثير العتمة وانقطاع الكهرباء على الممارسة الفوتوغرافية.
في سياق متصل، يتعامل إيلي مهنَّى في «كم من طير قتلت بسهام شمسي» مع النار كشرط داخلي، لتأملات ذات شاعرية عالية. يقدّم في عمله تركيبًا بصريًا يستعير لمعانه من 50,600 مرآة شمسية في محطة «أشاليم» في صحراء النقب، حيث تُكثَّف أشعة الشمس في برج تجميع واحد يختزن قوة الضوء في نقطة قاتلة. يستخدم الفنان الألمنيوم الرقيق والكرتون المعاد تدويره والضوء ليعيد إنتاج هذا البريق الاصطناعي، ليس بوصفه مشهدًا تكنولوجيًا، بل كطبوغرافيا عمياء تُغري بلمعانها بينما تقطع المسافة بين السماء والأرض بعنف غير مرئي.
في هذا العمل، يصبح الانعكاس نفسه حاملًا للجرح: الضوء الذي يُفترض أنه يبدد الظلّ يتحوّل إلى سهم، والسطح اللامع إلى ذاكرة لفخّ بصري يلتقط الطيور ويهلكها. يستعيد مهنّى أيضًا صورة اللوحة الإعلانية الفارغة على أوتوستراد الكرنتينا، التي كانت تعكس الشمس عند الصباح والمساء، كأنها تُعيد ترتيب الزمن اليومي عبر إغراقه بضوء فائض لا ينذر بالخطر إلا بعد فواته. وهكذا يتحوّل اللمعان إلى استعارة لتأمّل الفنان أثر الطيور التي سقطت «بسهام شمسه»، تجسيدًا لفكرة وفرة حياة تُفني الحياة نفسها.
النار كشرط للحزن والغياب
يكرّس المعرض فكرة تعامل الفنانين/ات المشاركين، مع النار، كشرط مشترك للتعبير عن عنفٍ لا ينفجر، وطاقةٍ مؤجّلة تتردّد بين الرغبة في التحوّل والخشية منه. ما يُعرَض لا يهدف إلى حلّ هذا التوتّر أو تجاوزه، بل إلى تكريسه ضمن منجزات فنية.
تبني تمارا كالّو في «المدى الوحيد القادر على استيعاب حزن عالمنا»، (ورق جيلاتين مصنوع من الألياف، قطن ونحاس) طقسًا جنائزيًا يتكشّف عبر صورة ضوئية التقطتها بكاميرا أوبسكيورا في مبنى مهجور يطلّ على كورنيش صيدا، حيث بقيت العدسة معرّضة لضوء الشمس ثلاثة أيام متواصلة، هي الفترة التي تختلف الثقافات حولها ولكن تشترك في اعتبارها ذروة العزاء وحدّه الأكثر كثافة.
ما ينتج عن هذا الزمن المكثّف ليس صورة شمس بل بقاياها: أثر ضوئي متشظٍّ ومفكّك على عشرين ورقة موصولة بالخيط، يشبه توهّجًا بحريًا أو شفقًا مشحونًا، كأن البحر، الذي حمل عبر قرون أجسادًا لا تُحصى وفقدها، يسترجع حضوره لا كمنظرٍ، بل كجسم قادر على ابتلاع الفقد وإفراز الراحة في آن. يتعامل العمل مع الضوء بوصفه مادة للحداد، ومع الورق الفوتوغرافي بوصفه جلدًا حساسًا يسجّل مرور الزمن والانفعال الحراري لثلاثة أيام من التعرض. وبهذا تحوّل كالّو الصورة إلى محاولة لإيجاد «جسم» يتّسع لحزن جمعي لا يُختصر في واقعة واحدة، بل يتسرّب عبر المدى، والملح، وتقلّبات الضوء. فالعمل لا يستدرج معنى الفقد إلى داخل الصورة، بل يترك الصورة نفسها تتحوّل إلى وعاء للغيبوبة الطويلة التي يعيشها هذا الحزن، وإلى طبقة حسّية تكشف كيف يمكن للضوء أن يصبح شكلًا من أشكال العزاء، ومقياسًا دائم الحركة لفهم علاقتنا بالزمن والغياب.
الدفء بوصفه احتمالًا
يتجاوز المعرض فكرة العرض نفسها، ليصبح تمرينًا على الإصغاء إلى ما يتحرّك قبل أن يولد، إلى ذلك الدفء الجماعي الذي يتشكّل ببطء، والذي يدعو كل من يدخل الفضاء إلى المشاركة في بلورته.
تتعامل آية نادِرة زنتوت في عملها «انفصام»، (أكريليك على قماش) مع فكرة الحداد كممارسة عضلية: كتابة سطر واحد مرارًا على قماش قطني، سطر تعلّمته جدّتها الفلسطينية في يافا، ثم عاد ليظهر في أيامها الأخيرة. التكرار ليس للتذكّر بل للنجاة؛ طريقة لإعادة ترميم بيتٍ دُمّر مرتين، ولتفادي المحو الذي يتربّص بالذاكرة. العمل لا يبني نصًا، بل يبني علاقة مع الزمن، علاقة لا تنجو من الفقد، لكنها ترفض الاستسلام له.
تساوق الفن مع المجتمع
الأعمال، من دون ادّعاء أو ثقل نظري، تعيد ترتيب إدراكنا للعنف البطيء، للحداد غير المكتمل، وللمقاومة التي تتشكّل من تفاصيل صغيرة لا من شعارات كبرى. يقدم صانع الأفلام التونسي، يونس بن سلمان، فيلمًا ملونًا مع صوت (20. د) «كنّا نعلم عن جمال تلك الجزر» (2022)، يذهب إلى جوهر تجربة «الحراقة» من دون سرد أو حوار، مكتفيًا بصوت الريح وطقطقة النار واحتكاك المجرفة بالأرض اليابسة، الأصوات التي تحلّ محل اللغة حين يعجز الكلام عن ملامسة المأساة.
في ظلمة مدفن صحراوي على الساحل التونسي، يحفر رجل قبرًا كما لو أنه ينقّب في طبقات الغياب نفسها، فيما تظهر بقايا حياة منسية: رأس دمية، مشط، أحمر شفاه- آثار «تتحدث لغتها الصامتة عن نهاية أصحابها السابقين». هذه الأشياء الصغيرة، التي يلتقطها الليل كأدلة غير مكتملة، لا تروي حكاية محددة بقدر ما تكشف هشاشة العبور، والحداد المفتوح على مصير مجهول. وبينما يظل البحر خارج الكادر، يحضر بوصفه قوة تمحو، في مقابل أرض تقاوم أن تتحوّل إلى قبر جديد. هكذا يصنع الفيلم مساحة يتقاطع فيها الصمت مع العنف، في محاولة لتجسيد ما تعنيه الهجرة حين تصبح فعل اختفاء أكثر مما هي فعل عبور، حالة «وشك» دائمة بين حياة لم تكتمل وموت لم يُعثر عليه بعد.
إضافةً إلى الأسماء التي تم ذكرها، يشارك دانيال مخول (قيّمة المعرض)، كلٌّ من أماندا البيطار، أسماء الحجل، أوفار (ميا بركة وإبراهيم قمبرجي)، بيتينا أبي حبيب، غيدا عنوتي، هاجر الرفاعي، خوان م. تشافيز، كاتيا جحا، كبريت، ميسا الخوري، نسرين سالم، صلاح الميسي، ثريا سلمان حمّود، تالا أسمر.
ويمكن القول إنه لا يمكن قراءة معرض «على وشك» بوصفه مجموعة أعمال مكتملة تُعرض في فضاء محايد، بل كمنظومة علاقات تُنتَج داخل سياق مضطرب، حيث تتقاطع شروط العمل الفني مع شروط الحياة نفسها. فكما تشير ناتالي إينيك ناتالي إينيك، «سوسيولوجيا الفن»، ص. 75، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،2011. في «سوسيولوجيا الفن»، لا ينحصر فهم الفن في تحليل منجزه النهائي، بل في تتبّع شروط إنتاجه، وصورة منتجيه، والأطر التي يُعاد من خلالها تقديم العمل وتلقيه اجتماعيًا. في «على وشك»، تصبح هذه الشروط جزءًا من التجربة المعروضة: من هشاشة الزمن، إلى انكشاف العملية الإبداعية، إلى حضور الفنان لا كذات معزولة، بل كفاعل داخل شبكة من التوترات السياسية والبيئية والاجتماعية.
تظهر الأعمال الفنيّة في «على وشك» بحساسية وصدقٍ عاليين، لا بوصفهما قيمتين أخلاقيتين، بل كنتيجة مباشرة لاشتغال الفنّانين داخل شروط هشّة ومفتوحة على الاحتمال. هذه الأصالة لا تُقدَّم كجواب جاهز على الأزمات، بل كمساحة تُعيد طرح سؤال دور الفنّ في لحظات الانهيار والحرب، حين تصبح القدرة على التعبير فعل مقاومة بحدّ ذاته.
في هذا الإطار، لا يضع المعرض الفنان في موقع المعلّق أو الشاهد من بعيد، بل كذات منخرطة في الواقع الذي تنتج منه أعماله، حاملةً همومه وأسئلته وتردّداته. «على وشك» ليس مجرّد عرض فني، بل رحلة تصحب الزائر عبر حالات متداخلة من التوتّر والترقب والخوف، وتدعوه إلى اختبار الفنّ بوصفه ممارسة تعيش داخل الأزمة، لا خارجها.
الصور: دفين جرجس